في أعماق كل منا يكمن شوق داخلي لإشباع حواسه الخمس، وعندما تشبع تلك الحواس يمكن القول بأنك عشت يوماً عظيماً غير عادي كبقية الأيام .
والحواس الخمس التقليدية حسب ما صنفها أرسطو في العصور القديمة كانت اللمس والشم والتذوق والسمع والبصر، إلا أن البشر لديهم ما لا يقل عن ست حواس إضافية مجموعها 11 بما فيها أحاسيس مشاعرهم الداخلية مثل الألم، التوازن، إدراك الحركة، الشعور بالوقت، الشعور بالاتجاه والشعور والإحساس بالجوع .
لكل حاسة من حواسنا مستقبلات، فهناك مستقبلات ضوئية في العين، ومستقبلات حسية في أدمة الجلد التي تستشعر من خلالها الإحساس باللمس والضغط والحرارة والبرودة، ومستقبلات في المعدة والكبد تشعرك بالجوع والمستقبلات الشمية في الأنف تشعرك بالروائح .
ولكن الحواس لها مدى محدود لا تستطيع أن تتجاوزه، فرغم تشعب حاسة الشم وتداخل العناصر الكيميائية والحسية بها واستطاعتها التمييز بين أنواع الروائح العطرة والكريهة، والتمييز حتى بين أنواع العطور والبهار، إلا أنها تبقى محدودة في تأثيرها كحاسة، وهذا ينطبق على بقية الحواس فكل حاسة في الإنسان لا تمثل إلا نفسها إذا صح القول .
بيد أن حاسة التذوق التي يميزها اللسان متشعبة نوعاً ما فتختلط مع حاسة الشم . فأنت لا تستطيع تذوق الطعام تماماً إذا كنت مصاباً بالزكام، ولكنك لا تزال تسمع وترى وتشعر وذلك من خلال اتصال تجويف الفم بالأنف بقناة أوستاكيوس، ولهذا عندما تضع كمية زائدة من قطرة الأنف تشعر بطعمها بمؤخرة اللسان .
حاسة التذوق
التذوق هو حاسة لا تعبر عن نفسها فقط وإنما تتداخل لتعبر عن الإنسان نفسه وما بداخله من احتياجاته ومتطلباته وكذلك ما يشتهيه، وإشباع حاسة التذوق يختزل إشباع أغلب الرغبات، ولكنه يتألف من أربع أحاسيس رئيسة هي الحلو والمر والمالح والحامض والتي إذا امتزجت مع بعضها أعطتك شعوراً آخر تماماً، كما هي الألوان الرئيسة الأحمر والأخضر والأزرق التي إذا مزجتها أعطتك طيفاً لا ينتهي من الألوان الجذابة . وهكذا تتكون حاسة التذوق من أربع أساسيات تقليدية هي كما يبين الشكل مكان واحد للإحساس بالطعم الحلو وهو في مقدمة اللسان (رقم 4)، ومكان واحد للإحساس بالطعم المر وهو في مؤخرة اللسان (رقم 1)، ومكانان للإحساس بالطعم الحامض وهو في الربع الأول من اللسان (رقم 3) ومكانان للإحساس بالطعم المالح وهو الربع الأخير من اللسان (رقم 2) وأضيف إليها الشعور بالطعم الحامض الدهني .
الكاكاو: مذاق واستعمار
تم اكتشاف الكاكاو على يد البحارة كريستوفر كولومبوس في رحلته الرابعة لاكتشاف العالم الجديد وذلك في العصور القديمة بين (1502-1504)، ولم تكن ملكة إسبانيا ولا أغنياؤها آنذاك يعلمون ما هو طعم الكاكاو، بينما كانت شعوب المايا والأزتيك (مكسيكو) في أمريكا الوسطى اكتشفتها وتناولتها كغذاء، وكانت تصنع منها شراب الكاكاو وذلك قبل ألفي سنة من اليوم، بيد أن شراب الكاكاو لم يكن مستساغاً وطعمه مرّ فأضافوا له بعض البهارات الحارة .
ومع الغزو الإسباني لمكسيكو لنهب ثروات تلك البلاد وجد الإسبان مفاجأة عظيمة وهي الكاكاو وعرفوا طعم الشوكولاته من حينها .
لقد جلبت هذه البذور السعادة للإسبان والنقمة للمكسيكيين، ولكن الإسبان لم يستسيغوا طعمها الحار على الطريقة الأمريكية، فأضافوا لها السكر والحليب لتصبح شراب الشوكولاته، ويفضلونه حاراً بعكس الأمريكان الذين كانوا يتناولونه بارداً، ومن هنا كانت البداية لانتشار الشوكولاته إلى أنحاء العالم وظلت صناعتها حكراً لمئة عام على الإسبان بعد اكتشافها .
وتطور ذوق الإسبان في التذوق بفضل هذا الاكتشاف، فلم يكن لسان الإسبان يعلم ما هو طعم الشوكولاته حتى بعد 1500 سنة على اكتشافها من قبل الأمريكان، لقد أضاف الإسبان طعماً جديداً يتذوقونه ويستمتعون به ويشبعون حواسهم التي كانت مقتصرة على الحواس الأربع التقليدية للتذوق وهي الحلو والمالح والمر والحامض، فكانت الشوكولاته نكهة جديدة يختلط معها الطعم الحلو والمر والمالح والحامض الدهني، فظنوا أنها تستحق استعباد الأمريكان وتستحق الغزو .
الألم اللذيذ
عندما تتألم يفرز الدماغ الأندورفين وهو هرمون موجود لدى الإنسان والحيوان، وتم اكتشافه بالصدفة عام ،1975 ويعد من أهم مسكنات الألم التي تفرز طبيعياً في جسم الإنسان . وفي الدماغ هناك مستقبلات للألم والأندورفين يفرز ويرتبط بهذه المستقبلات عند الشعور بالألم، ويخفف بذلك الأندروفين الشعور بالألم بالطريقة نفسها التي تؤثر بها الأدوية المسكنة للألم (المخدرة مثل المورفين والكودييين) غير أن الأندروفين الذي يفرز طبيعياً من الجسم لا يؤدي للإدمان، كما هو الحال مع الأدوية المخدرة للألم والمصنعة كيميائياً .
ومن تأثيرات الأندروفين الذي يفرزه الدماغ وقت الإجهاد والشعور بالألم هو تحسن المزاج لدى الشخص والشعور بالسرور والسعادة، كما يفرز الأندروفين حين التعرض لأشعة الشمس (البرونزاج) ويعطي شعوراً بالسعادة وعند العلاج بالإبر الصينية .
إن الفلفل الحار الذي نتناوله مع الأطعمة يؤدي إلى الشعور بالألم في اللسان فيحفز على إفراز الأندروفين في الدماغ طبيعياً ويعطي شعوراً بالسعادة والغبطة والاسترخاء، إن الطعم والإحساس الذي يضفيه الفلفل الحار بأنواعه الأسود أو الأخضر أو الأحمر وغيره هو مختلط بين الأحاسيس التقليدية للتذوق وبين الشعور بالألم (شعور الاحتراق) الذي يحث الدماغ على إفراز هرمون الأندروفين وبالتالي الشعور بالسعادة .
إن سيمفونية التذوق والإحساس بها معقدة لاختلاطها بكل الأحاسيس إنها معجزة من الله يصعب جمعها وتفسيرها .
منعكس بافلوف
يقال إن الجوع أفضل طباخ (من رواية آخر الراحلين لباغرت تشنكوبا)، حيث كان المهجرون من القوقاز - ذلك البلد العريق - على يد القياصرة الروس وبالاتفاق مع السلاطين العثمانية آنذاك إلى سواحل اسطنبول يبيتون بالعراء من دون طعام أو شراب، فسطوا على مخازن الحنطة في الميناء التي تتكاثر بها الجرذان وأخذوا يطبخون منها وأصيبوا بالطاعون بينما كانوا يتناولون في بلادهم ألذ الأطباق من الوعول المشوية على فحم شجر الصنوبر، لقد فقدوا حسهم بالتذوق نتيجة الجوع .
إن التذوق يرتبط بأدق التفاصيل النفسية للإنسان، فعندما تجوع تفقد الإحساس بالطعم إن مستقبلات الضغط الموجودة في المعدة ترسل سيالات عصبية تفسر على أنك تشعر بالجوع ويطغى الشعور بالجوع على مبدأ التشبع في الإحساس على بقية الأحاسيس، وبالتالي عندما تتناول الطعام وأنت في حالة جوع قصوى تفقد إحساسك بالتذوق فلا تكتشف أن الطعام مالح إلا وأنت في منتصف الطريق .
إن سماعك لطرق الأواني واستنشاقك لرائحة الطعام تحفز عندك الذاكرة لتستجيب بدورها وتفرز اللعاب وتحفز الشعور بالجوع لديك وقبل المائدة بقليل تكون مهيأ تماما لتناول الأطباق من الأطعمة التي تخيلتها، وبعد فإن وجود الأطعمة على المائدة والنظر إليها يثير شعورك ويؤجج مستقبلات التذوق عندك فتراها تلحن بكافة المقامات وتهيؤك لتذوق مختلف الأنواع من البهارات (التي لم تكن معروفة في العصور القديمة) والنكهات التقليدية (الحامض، الحلو، المالح، المر، الحامض الدهني) والحريفة والحارقة (الفلفل الأسود والأخضر) لتترك بعد تناولك للطعام شعوراً بالسعادة والغبطة والاسترخاء .
لقد عرف إيفان بافلوف عالم النفس السوفييتي (عام 1900) الأفعال المنعكسة الشرطية . كان بافلوف يدرس عملية الهضم عند الكلب ويقوم بتسجيل كمية اللعاب المسالة من الغدد اللعابية لكلبه، ولكن وفي أحد الأيام، بينما كان يقترب من كلبه وبيده طبق الطعام لاحظ أن لعاب الكلب بدأ يسيل فأدرك بافلوف أن مجرد رؤية الطعام تؤدي إلى إحداث الاستجابة التي تثار حين يلامس الطعام لسان الكلب، وهكذا كرس بافلوف جهوده العلمية اللاحقة لدراسة هذه الظاهرة وإظهار حقيقتها . ونظرية بافلوف تقوم أساساً على عملية الارتباط الشرطي التي فحواها أنه يمكن لأي مثير بيئي محايد أن يكتسب القدرة على التأثير في وظائف الجسم الطبيعية والنفسية إذا ما صوحب بمثير آخر من شأنه أن يثير فعلاً استجابة منعكسة طبيعية أو شرطية أخرى وقد تكون هذه المصاحبة عن عمد أو قد تقع من قبيل المصادفة . أي أن تناول الطعام مباشرة يؤدي ببساطة لإفراز اللعاب بشكل طبيعي ومباشر، لأن اللعاب ضروري لعملية المضغ والهضم والطعام هنا يثير إفراز اللعاب تلقائيا وهذا غير مشروط ولكن عندما نكون في العمل وتحين وقت الاستراحة وننظر إلى الساعة يبدأ هنا اللعاب بالسيلان، وهو رد فعل منعكس شرطي ارتبط بالوقت، كذلك عند وصولنا للبيت أو المطعم وسماع أو اشتمام رائحة الطعام يبدأ اللعاب بالسيلان وهو فعل منعكس مشروط بسماع طرق الأواني ورؤية الطعام .
إذاً نحن مهيَّأون الآن لتناول طعامنا ولتذوقه، إن جسمك وجهازك الهضمي قد هيأ نفسه لتناول وجبة غذائية شهية .
الإضافات الغذائية
لا بد هنا من العودة للماضي البعيد وربطه بالحاضر أما المستقبل فيخبئ لنا جميعاً الكثير الكثير من الأطعمة اللذيذة ولم أقل مفيدة ولكن لذيذة، فما أجمل أن تكون لديك بقرتك الخاصة وعنزتك الخاصة وبعض من الدجاج البلدي (لكل بلد دجاج متكيف مع ظروفه البيئية وهو الدجاج المحلي أو تجاوزاً يسمى البلدي) ومساحة صغيرة من الأرض مقابل المطبخ مزروعة ببعض من الأعشاب والخضراوات ويكون جارك لديه نفس المزرعة الصغيرة يزرعها بأنواع مختلفة مما لديك وتقومان بتبادل ما تحتاجان إليه ولا تحتاج لأن تشتري الحليب واللبن والبيض والخضار والأعشاب بل تصنعها بنفسك، هذا ما يمتلكه بعض الريفيين والقرويين في بعض البلدان الأوروبية والعربية والأمريكية، ولو حاولت تخزين الفائض من مزرعتك لتتناوله في وقت لاحق لاستعملت بعضاً من الملح والخل والسكر والثوم والزيت والعسل واستعنت بأشعة الشمس أو بقبو منزلك أو أضفت البهارات أو استعنت بالنار والحطب، وهنا ستكون صنعت المربى من الفواكه وحفظت الفواكه لسنة، وصنعت الكبيس (المخلل) من الخضراوات بإضافة الملح والخل وحفظتها لسنة، وتكون قد حفظت الزيتون بالزيت والملح وجففت الأعشاب بأشعة الشمس، ودخنت اللحوم بالنار والحطب وحصلت على مواد غذائية لمدة سنة من مزرعتك -وبطعم مختلف عن الطازج - ولأضفت البهارات والملح والأعشاب إلى اللحوم أو الجبن لتتناوله بنكهة أفضل ومستساغة . وتكون قد عدت للماضي كما كان الابازيخيون وشعوب المايا في أمريكا الوسطى يضيفون الفلفل الحار ومسحوق الذرة للكاكاو والإسبان يضيفون السكر والحليب للكاكاو .
إن هذه الإضافات التي ستضيفها وطرق التصنيع التي اتبعتها في مزرعتك ومصنعك الصغير المنزلي (المطبخ) تبادلتها مع جارك الذي صنع الجبن بطريقته واللحم بطريقته ولكن لم يكتب عليها المواد التي استخدمها ولا الوقت الذي حضرها وأنت فعلت نفس الشيء لم تقل له ماذا استخدمت ولا متى صنعت .وفي القرية التي تعيش فيها لديك عشرون جاراً تتبادلون مع بعضكم منتجاتكم فأصبح لديك في قبو منزلك عشرات المنتجات التي لا تعلم عنها شيئاً ماذا ستفعل؟
من الطبيعي أنك ستتبع طريقة ما لتصنيف تلك المنتجات كما سيفعل جارك وعلى الأقل ستسجل تاريخ استلامك المنتج منه وستسجل اسمه أيضاً لتعلم من الجار الذي أعطاك المنتج وإذا أعجبك منتجه ستسجل الوصفة أيضاً . إنك الآن في قريتك الصغيرة ستقوم بتسجيل أسم الجار على المنتج وتاريخ استلامك للمنتج ومكوناته (الوصفة) ويبقى أمر واحد فقط هو الطريقة التي اتبعها جارك في صناعة منتجه .
إن ما قمت بعمله منزلياً كعملية تدوينك للمعلومات على منتجات جيرانك تسمى البطاقة الغذائية ومادونته عليها من الوصفة يسمى المكونات وتاريخ استلامك للمنتج يسمى الصلاحية .
إن المكونات التي دونتها مثلاً مربى التفاح (تفاح، سكر، حامض الليمون، محتوى التفاح ثلاث تفاحات في العلبة، ماء معدني أو ماء من البئر) السكر وحامض الليمون والماء المعدني هو من الإضافات التي جعلت التفاح يصبح مربى التفاح وجعلت فترة بقائه أطول .
وقد أخذت مربى التفاح من اثنين من جيرانك الأول وضع كمية كبيرة من السكر وتفاحتين والثاني كمية قليلة من السكر وثلاث تفاحات، ولم يستسغ أطفالك مربى جارك الأول فمن الطبيعي أن تأخذ قرارك بأنه في الموسم القادم للتفاح لن آخذ مربى التفاح من جاري الأول لأن طعمه غير مستساغ، وقد زاد كمية السكر لكي يزيد في كمية المنتج ويتبادل مع جيران أكثر من جارك الثاني الذي راعى سمعته ويريدك أن تأخذ منه في الموسم القادم من التفاح .
هكذا هي حياتنا اليوم نحن في قرية يوضع فيها جيراننا من الشركات منتجاتهم في مكان واحد يسمى المتاجر ويلصقون عليه البطاقة الغذائية وكل شركة تضع المكونات على تلك البطاقة وتتميز بنكهتها وكل شركة تزيد أو تنقص من تلك الإضافات الغذائية على حسب استراتيجيتها التسويقية ولأي الجيران تريد أن تبيع وأنت أصبحت مستهلكاً لتلك المنتجات وأنت الذي ستختار من بينها كفرد ربما يكون اختيارك صحيحاً أو خاطئاً، وستأخذ قرارك في الموسم المقبل للإنتاج أو في اليوم القادم للتسوق . ولكن الفرق بين قريتك الصغيرة وجيرانك بأنه لا توجد رقابة على جارك المنتج لمربى التفاح، أما اليوم فتوجد رقابة على الشركات الغذائية ومواصفاتها وكمية الإضافات الغذائية التي تضيفها وتلك الجهات الرقابية قد اعتمدت على نظام عالمي في تسمية وتقسيم المضافات الغذائية .
بائعة اللبن
في كل مرة أنزل فيها إلى السوق وفي أي بلد أزورها أتذكر قصة بائعة اللبن في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله، تلك المرأة التي قالت لابنتها: تعالي وأخلطي الحليب بالماء ليزيد حجمه بينما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه جالساً ليرتاح خلف الحائط الذي يفصل بينهما، فرفضت البنت طلب أمها المريضة واعتبرته غشاً، وأن الله عز وجل يراقبهما إذا كان عمر غافلاً أو رئيس محتسبيه من مراقبين السوق، وسمع عمر هذا الكلام وانتهت القصة بتزويج عمر تلك الفتاة الأبية والمترفعة عن الغش لابنه عاصم وأنجبت عمر بن عبد العزيز المعروف بعدالته آنذاك .
وأتذكر أيضا المسلسل التلفزيوني التغريبة الفلسطينية والذي يعتبر ملحمة درامية تدور أحداثها حول أسرة فلسطينية فقيرة في زمن الاحتلال البريطاني لفلسطين الذي بدأ عام 1917 عندما احتلت بريطانيا فلسطين قادمة من مصر ثم مذابح عصابات الاستيطان الصهيوني مابين ثلاثينيات وستينات القرن الماضي، وكيف أن المقاومين الثوار في تلك الحقبة شكلوا لجنة لمراقبة السوق ومراقبة التجار الذين يزيدون في سعر المواد الغذائية ويعتمدون الغش في المواد الغذائية لزيادة أرباحم على حساب المستهلكين في ذلك الوقت رغم مقاومتهم للعدو آنذاك لقد أعاروا اهتمامهم لحاجات المستهلكين من المواد الغذائية الغير مغشوشة وقاوموا جشع التجار آنذاك .
إن الأم المريضة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تمثل اليوم الشركات المريضة التي تستعمل المضافات الغذائية بغرض الغش وليس بغرض تقديم منتج غذائي جيد المواصفات، والمقاومين بمسلسل التغريبة الفلسطينية يمثلون الجهات الرقابية في أي بلد تقاوم الغش وتعمل على أن يكون الغذاء آمناً للجميع في أتعس الظروف أي أن الغذاء قبل كل شيء لأنه يمس الأطفال والنساء وكبار السن وكافة المجتمع .
وهذا لما يشكله الغذاء من قيمة استراتيجية للبلدان يجب المحافظة على أمانه وسلامته ومطابقته للمواصفات العالمية .
إن مراقبة التجار في العصور القديمة اقتصرت على مراقبة الغش وبأساليب بدائية وتلك الأساليب لم تكن تكشف الغش مثل أساليب اليوم الحديثة وأيضاً فإن الإضافات الغذائية في العصور القديمة لم تكن متطورة كعصرنا اليوم .
ففي عام 1945 أنشئت منظمة الأغذية والزراعة للامم المتحدة، وفي عام 1948 أنشئت منظمة الصحة العالمية، وشكلت لجنة من المنظمتين (لاحظ هنا أن اللجنة التي شكلت تضم خبراء عن إنتاج الغذاء وخبراء عن صحة الإنسان) واجتمعت تلك اللجنة عام ،1950 وأعلنت بما مضمونه أن التشريعات والمقاييس تختلف وتتضارب باختلاف البلدان ومن الممكن أن لا ترتكز على أساس علمي، إضافة إلى الإمكان بعدم أخذ احتياجات جسم الإنسان في الحسبان عند إضافة تلك المواد إلى الأغذية، وأن هذه الاختلافات بين البلدان قد تعيق تجارة المواد الغذائية بينهم، وأول معاهدة دولية وقعت بشأن المواد الغذائية وقعت بخصوص الجبن طريقة التسمية والمواصفات والتركيبة ووقعت في إيطاليا (لقد كان الجبن في ذلك الوقت المؤرق الرئيس للدول الأوروبية وللتجارة البينية بينهما) وفي عام 1955 رأت اللجنة ما مفاده أن الإضافات الكيميائية والطبيعية للمواد الغذائية باتت تؤرق الجميع ولا بد من وضع دستور غذائي لتصنيفها وأيضاً لاستبعاد السلبي منها، وعام 1961 أقر العمل بالدستور الغذائي ذلك الدستور الذي يصنف جميع المواد الغذائية والإضافات الغذائية الكيميائية منها والطبيعية والشبه الطبيعية وتديره هيئة الدستور الغذائي ويعمل به إلى يومنا هذا والبحث والتطوير جار .
إن أغلب المواد المضافة للأغذية باتت ترمز برموز تبدأ بحرف أي وهي تعني موافقة الاتحاد الأوروبي على التسمية وعلى المادة في الأغلب وتقسم المواد الحاملة لتلك الأحرف والموضوعة على البطاقة الغذائية إلى مواد ملونة (أي 100-199) مواد حافظة (أي 200 -299) مواد مضادة للأكسدة (أي 300-399) مواد مستحلبة ومثبتة (أي 400 - 499)، وهناك بقية من المواد ترمز أو تسمى بأسمائها كالمحليات والماء وغيرها كأن يقال المكونات (مسحوق الحليب، سكر، ماء، ملح، عصير برتقال طبيعي، قطع البرتقال الطبيعي، عوامل استحلاب - أي كذا وكذا - مواد ملونة - أي كذا وكذا - مستنبت جرثومي، بادئ) تكون أنت أمام لبن زبادي غير منكه مضاف إليه عصير البرتقال المركز الطبيعي وقطع البرتقال وغير مضاف إليه المواد الحافظة ومصنع من بودرة الحليب .
إن التصنيع الغذائي اليوم يتحكم بتذوقنا للأغذية مستمد خبرته من التاريخ ومضيفاً تقنية حديثة ومسخراً كل العلوم فقط لتأمين الأغذية بأسعار رخيصة بكل الأوقات ولكل الأماكن، ولكن هل هذا كل ما نريده أم أننا نريد أغذية عالمية بصفات محلية بلدية تقليدية تشبع حواسنا ورغباتنا وتغذي احتياجنا من الطاقة والبروتين .
د . محمد الحموي
استشاري صناعات غذائية