تحقيق: لبنى بولحبال
تعد التهابات الكلى من أمراض العصر التي يعانيها الكثير . فالكلى هي الجهاز الذي ينظم بطريقة رائعة بيئة الجسم الداخلية، بما تحتويه من ماء وأملاح، من خلال الوحدات الترشيحية التي تضمها، والتي تناهز مليون وحدة، يساعد هذا الأمر جميع خلايا الجسم وأنسجته على تأدية عملها المطلوب على أكمل وجه، فأمراض الكلى هي اضطرابات تؤثر في الوحدات الكلوية وفقدان قدرتها على التخلص من الفضلات والسوائل وتراكمها في الجسم وبتأخر علاجها تفقد الكلية المتأثرة وظيفتها الفيسيولوجية .
أنواع أمراض الكلى
وعن أنواع أمراض الكلى يقول الدكتور بسام برنيه رئيس قسم الكلى بمستشفى توام: "تنقسم أمراض الكلى إلى قسمين، أمراض الكلى الحادة التي تحدث بشكل مفاجئ، وإذا شخصت بشكل مبكر وعولجت، فإنها قابلة للشفاء من دون أن تترك عقبات في وظيفة الكلى إلا في حالات قليلة، أما النوع الثاني، فهو أمراض الكلى المزمنة، التي تحدث بشكل بطيء وخفي من دون أن يشعر بها المصاب، فتؤدي إلى حدوث الفشل الكلوي المزمن، وهي غير قابلة للشفاء، ولكن من الممكن وبفضل التشخيص المبكر، الحمية، استخدام بعض الأدوية الخاصة، والمتابعة الطبية بشكل منتظم، الإبطاء بتدهور الوظائف الكلوية وتأخير حصول الفشل الكلوي المزمن النهائي وبالتالي البدء بالغسيل الكلوي، أو زراعة الكلية .
وأضاف: أكثر الفئات إصابة بأمراض الكلى هم مرضى السكري، ومرضى ارتفاع الضغط الشرياني، والأشخاص الذين لديهم قصة مرضية لإصابة أحد أفراد العائلة بمرض كلوي، من كبار السن، والمصابين بالسمنة، والمدخنين، والأشخاص الذين يستعملون الأدوية من دون استشارة الطبيب، مشيراً إلى أن أكثر أمراض الكلى شيوعاً بالدولة هو اعتلال الكلية السكري الناتج عن مرض السكر، وأن أحد أسباب حدوث الفشل الكلوي المزمن هو الداء السكري، إذ أن أكثر من 50% من مرضى الغسيل الكلوي مصابون بالسكري، حيث يبلغ عدد مرضى الغسيل الكلوي ما يقارب 1500 مريض .
الكلى وأمراض القلب
من جانبها تربط الدكتورة منى الرخيمي استشارية أمراض الباطنية والكلى ورئيسة جمعية الإمارات الطبية لأمراض الكلى بين أمراض الكلى وأمراض القلب وتقول إن هناك ارتباطاً وثيقاً بينهما، حيث إن إصابة أحدهما قد تؤدي إلى إصابة العضو الآخر، إما بطريقة حادة أو مزمنة، فمثلاً، 50% من الوفيات عند مرضى الفشل الكلوي الذين يعالجون بالديلزة هي نتيجة أمراض في القلب، فمرض الكلى المزمن في حد ذاته يعتبر من العوامل المسببة لجلطة القلب، وهي تمثل كما لو كان المريض قد أصيب بجلطة في القلب في السابق، ومن ناحية أخرى فإن المصابين بأمراض القلب نتيجة ضعف التروية الكلى يصاب بفشل كلوي وهكذا دواليك .
عوامل الإصابة
أما العوامل المساعدة للإصابة بأمراض الكلى كثيرة منها، داء السكري خاصة لدى المرضى غير منتظمي العلاج، ارتفاع ضغط الدم، زيادة الوزن وبخاصة السمنة المفرطة، وجود عامل وراثي حيث إن بعض الأمراض مثل تكيس الكلى تنتقل بالوراثة، ووجود أحد أفراد العائلة مصاباً بداء الكلى المزمن، وجود الأمراض المتعلقة باختلال المناعة مثل مرض الذئبة الحمراء، وقابلية تكون الحصى الكلوي الذي يؤدي إلى انسداد المجرى البولي، وزيادة العمر وتعدي سن الخمسين .
وأوضحت الدكتورة منى أن 20-30% من الأسباب المؤدية إلى الفشل الكلوي المزمن هي التهاب الكبيبات الكلوية، إما بسبب التهاب بكتيري أو نتيجة عامل له علاقة بالمناعة، مشيرة إلى أن مضاعفات الفشل الكلوي لا تظهر إلا عند المرحلة الرابعة الخاصة وهي تشمل فقر الدم، ارتفاع الضغط، الشعور بالخمول والكسل، والشعور بالغثيان، وهشاشة العظام، والتشنجات .
تأثير البيئة
وأكدت أن للبيئة المحلية دوراً في الإصابة بأمراض الكلى، وذلك بسبب كثرة الإصابة محلياً بداء السكري، نتيجة الزيادة في الوزن، عدم الانتظام في الرياضة، كما أن نحو 4% من المصابين بالسكري يصابون في الكلى، ومن هنا تنبع أهمية مراجعة السكري وعلاجه حال اكتشافه، والمحافظة على مستوى السكري في الدم، لأنه من أهم الأسباب التي تؤدي إلى الفشل الكلوي المزمن .
وأشارت إلى أن الحصى تعد أكثر الأنواع انتشارا محليا، خاصة في المناطق الحارة التي يفقد فيها الإنسان الكثير من السوائل، فينصح بشرب الكمية الكافية من الماء بمقدار 2: 3 ليترات ومراجعة الطبيب المختص لمعرفة نوع الحصى لأخذ الإجراءات اللازمة لتجنب حدوثها مرة أخرى، وتجنب انسداد المسالك البولية التي تؤدي إلى الفشل الكلوي .
وأكدت الدكتورة منى ضرورة الحفاظ على سلامة الكليتين، ذلك أن أمراض الكلى تعد من الأمراض الصامتة، لذا ينصح دائماً بالكشف المبكر، الذي يعد في غاية البساطة وبأقل التكاليف، حيث يمكن التأكد من سلامة الكلى بالفحص البسيط للدم لمعرفة الكرياتين وفحص بسيط للبول لمعرفة وجود البروتين أم لا .
تأثير الأدوية
من جانبه تحدث الدكتور عبد الكريم صالح، استشاري أمراض الكلى ونائب رئيس إدارة الخدمات الطبية ورئيس معهد التعليم بمستشفى الشيخ خليفة في أبوظبي عن تأثير الاستخدام السيئ لأدوية الكلى على الجسم، قائلا: '' تؤثر الأدوية تأثيرا سلبيا على الكلى حيث إن استخدام المركبات الكيميائية قد يؤدي إلى تلف الخلايا الكلوية بشكل مباشر، مما يتسبب بفقدان وظيفي لتلك الخلايا، و يجدر بالذكر أن حدة خطورة تلك الأدوية تزداد في حالات الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب وضغط الدم المرتفع والسكري، خاصة عندما يعمد بعض هؤلاء المرضى لاستخدام الأدوية لفترات طويلة من دون اللجوء لاستشارة طبية .
وأضاف، تزداد المشكلة سوءاً عند استعمال المرضى لمركب دوائي واحد تحت أسماء مختلفة فيظن البعض أنها مركبات مختلفة، ولكن في حقيقة الأمر هي مركب واحد تحت أسماء مختلفة لشركات مختلفة، ومن أشهر مجموعات هذه الأدوية، مسكنات الألم وخافضات الحرارة مثل البروفين ومشتقاته، المضادات الحيوية خاصة الأمينوغلوكوزايد، أدوية العلاج الكيميائي لمرضى السرطان .
التشخيص
وأوضح الدكتور عبد الكريم أن تشخيص الكلى يقوم على إجراء تحاليل عدة للتأكد من حالة الكليتين التي تشمل، فحص البول Urinalysis ، وذلك لقياس نسبة البروتينات وخلايا الدم الحمراء والبيضاء حيث إن وجودها في البول غير طبيعي، ويعد مؤشراً رئيسياً لأمراض الكلى، خصوصاً عند مرضى السكري، إضافة إلى اختبار الدم للتحقق من كفاءة وظائف الكلى عن طريق مستوى الكيرياتينين والبولينينا في الدم الذي قد يبدو طبيعياً في المراحل الأولى للمرض، لذا لا يجب الاعتماد عليه كلياً في التشخيص .
وأشار إلى ضرورة فحص الضغط، حيث يعد ارتفاع ضغط الدم من أكبر مسببات أمراض الكلى وقد يحدث العكس، فيصاب المريض بارتفاع حاد في ضغط الدم كنتيجة لأمراض الكلى، فمعدل 140-90 يعتبر مؤشراً عالياً للإصابة بأمراض الكلى، إضافة إلى استخدام أنواع مختلفة للتصوير الإشعاعي مثل الأشعة العادية، أشعة الموجات الصوتية، الأشعة المقطعية الرقمية لاكتشاف أكياس وأورام الكلى والحصى والتلف في النسيج الكلوي، وإجراء اختبارات الكفاءة باستخدام المسح النووي .
التعايش مع المرض
وحول كيفية تعايش مريض الكلى مع مرضه، قال: "إن المريض لا يشعر بتدهور وظائف الكلى إلا في مراحلها المتقدمة، فيسهل على المريض تجاهل مرضه في بداية الأمر وقد يعيش حالة من الإنكار، مما قد يسبب تجاهلاً في تلقي العلاج، أما في المراحل المتقدمة للمرض وعند ظهور عوارض التعب والإعياء وفقدان الشهية للأكل وانخفاض الوزن وتغير لون البشرة يصاب المريض بحالة من الاكتئاب تتصف بالانعزال عن العالم الخارجي، ولا يتعايش مريض الكلى مع مرضه بشكل إيجابي في معظم الأوقات إذ أن الاعتماد على غسيل الكلى للبقاء على قيد الحياة يولد الإحساس بفقدان الاستقلالية والاعتماد على الغير، مما قد يصاحبه انحدار في مستوى جودة الحياة والإحساس بالتعب والإرهاق الفسيولوجي، والذي كفيل بتفعيل وزيادة الإحساس بالحزن والكآبة" .
وأضاف، من ضمن الأساليب المتبعة لتجاوز تلك الأزمات هو تعلم كيفية التعايش مع المرض لتوفير حياة أفضل مع العلم بأن الكليتين لن تستعيدا وظيفتيهما الأساسية، و الحصول على معلومات عن أمراض الكلى مع تحمل كامل المسؤولية في اتباع إرشادات الطبيب وأخيراً الحصول على دعم معنوي من الأشخاص المحيطين أو المنظمات المعنية بدعم مرضى الكلى .
خيارات العلاج
وأكد الدكتور عبدالكريم أن الهدف الأساسي من علاج أمراض الكلى هو الحد من تقدم المرض وعلاج مضاعفاته بما يتناسب مع مرحلة المرض، السن، طبيعة العمل و الأمراض المزمنة الأخرى كالضغط والسكري، ومن أهم طرق العلاج للفشل الكلوي النهائي، الغسيل الكلوي الذي يشمل الغسيل الدموي بواسطة جهاز خارجي يقوم بتصفية الدم من السموم، والغسيل البروتيني عن طريق قسطرة توضع في جدار البطن لتصفية السموم، حيث تتساوى الطريقتين في الأداء الطبي ويتم الخيار بينهما بحسب ما يناسب المريض من الناحية الطبية والاجتماعية على حد سواء .
وأشار إلى أن زراعة الكلى تعتبر الحل الأكثر نجاحاً لعلاج الفشل الكلوي حيث تتم زراعة كلى لشخص حي أو متوفى، وذلك بعد مطابقة جهازي المناعة للمتبرع والمستقبل، مع الأخذ بالاعتبار أن المستقبل سيكون خاضعاً لتناول أدوية مثبطة للمناعة للحيلولة دون رفض الجسم للكلية باعتبارها جسماً غريباً، كما أن المتابعة الدورية مع الطبيب المشرف وتحليل عينات من البول في كل زيارة يعد من أهم أسباب السيطرة على الحالة في وضع طبيعي، وقد تستدعي الحالة تدخلاً جراحياً متطوراً عند تفاقم الحالة الصحية للكليتين أو بما يسمى الفشل التام .
نظام غذائي
وأوضح أنه لا بد من اتباع نظام غذائي متوازن يحدد من قبل الطبيب المتخصص بما يتناسب مع الحالة، السن، المجهود، نسبة القصور الكلوي والأمراض المزمنة المصاحبة للمرض، فعلى مريض الكلى الحرص على تناول كمية السوائل المحددة والانتباه لنسبة الأملاح والمعادن الموجودة في الطعام منها، الصوديوم، حيث يؤثر الصوديوم على مستوى ضغط الدم وتوازن الماء في الجسم، فزيادة تناول ملح الطعام على سبيل المثال يسبب ارتفاعا ملحوظا في ضغط الدم وتجمع السوائل في الأطراف، ومن أكثر الأغذية احتواءً عليه المعلبات، الوجبات السريعة، ورقائق البطاطس المملحة و المشروبات الغازية . وعن بقية المعادن التي تؤثر على الكلى، لفت الدكتور عبدالكريم إلى دور البوتاسيوم في تحسين الأداء الوظيفي لعضلات القلب، فأي زيادة أو نقصان في مستوى الدم قد يكون له تأثيراً سلبياً على مرضى الكلى، فلا بد من اتباع الكميات المحددة من قبل الطبيب المشرف أو اختصاصي التغذية، يتوافر البوتاسيوم بكثرة في الخضار والفواكه بجميع أنواعها، خصوصاً الموز والبطيخ والبرتقال .
الوقاية ومنع حصول المرض
وقال: "نحن نؤمن مطلقاً بمبدأ الوقاية خير من العلاج، حيث إن الفحص المبكر يساعد على اكتشاف المرض، خصوصاً في الفئات الأكثر عرضة للإصابة مثل مرضى الضغط أو السكري أو الأشخاص ذوي التاريخ الوراثي لمرض الكلى، فحملات التوعية والتثقيف المجتمعي تلعب دوراً بارزاً في تقليل معدلات الإصابة أو تفاقم المرض الكلوي عن الكثيرين" .
وأضاف، للوقاية من الإصابة بمرض الكلى تنصح مؤسسة الكلى الأمريكية الوطنية، بممارسة الرياضة بانتظام حيث إن الرياضة تسهم في خفض مستوى ضغط الدم وبالتالي خفض فرصة الإصابة بمرض الكلى المزمن، المحافظة على مستوى السكر في الدم عن طريق الفحوص المنتظمة، السيطرة على ضغط الدم وتناول الأدوية بانتظام، شرب كميات كافية من الماء بمعدل 8 أكواب يومياً بحسب نوع المناخ وطبيعة المجهود وجنس المريض، والابتعاد عن التدخين .