تشهد منطقة الخليج العربي خلال السنوات الأخيرة نهضة ثقافية لافتة، بإمكاننا هنا التعرف إلى أبرز ملامحها وتنوعها الثري والمدهش، ربما نتوقف أمام الرواية في السعودية أو المسرح في الإمارات أو السلاسل والدوريات الكويتية . . الخ، نتأمل هذه الحالة والتي تفرض على المتابع أسئلة عدة، منها ما يتعلق بلعبة المركز والهامش، ومنها ما يرتبط بحركة نقدية يراها الكثيرون لا تواكب مفردات الصورة السابقة، ولكن ما استوقفنا في هذا التحقيق هو سؤال التواصل، كيف يتواصل مثقفو الخليج في ما بينهم؟ وكيف يتواصلون مع المثقفين في المشرق العربي؟ التواصل والإحاطة بطرقهما المختلفة ضرورة مهمة لتفاعل حقول الثقافة المختلفة في منطقة الخليج، ذلك التفاعل المأمول فيه الحفاظ على وتيرة النهضة الثقافية ودفعها قدماً إلى الأمام .

يرى القاص إبراهيم مبارك أن التواصل بين الكتّاب في منطقة الخليج العربي يكاد يكون ضعيفاً باستثناء ما يتم تنظيمه من مؤتمرات ولقاءات ثقافية سنوية، وعليه فإن اطلاعه على الثقافة في هذه المنطقة، كما هو حال معظم الكتاب الإماراتيين، يخضع للصداقات والعلاقات الشخصية وأيضاً ما يتم نشره من خلال الصحافة أو وسائل الإعلام .

ويشدد مبارك على ضرورة أن تقوم المؤسسات الثقافية في بلدان الخليج العربي بتبني استراتيجيات ثقافية مبرمجة تلبي طموحات الكتّاب في معرفة أوسع، وتمكنهم من تتبع مسيرة المبدعين من القاصين والشعراء والفنانين، وهذا يوفر أرضية مناسبة لتوسيع سبل القراءة والاستفادة من التجربة الثقافية لهؤلاء الكتّاب مجتمعين لما في ذلك من أهمية قصوى في إثراء المشهد الإبداعي في الإقليم الخليجي الذي يتشابه مع نظيره العربي في المنطلقات والتوجسات والأحلام .

من جهة أخرى، يؤكد مبارك ان منطقة الخليج تتمتع بخصائص وميزات ثقافية متشابهة إلى حد بعيد، لكنه ليس مع التوجه الذي يدعو إلى إقليمية الثقافة، فالثقافة ذات بعد إنساني وكوني وهي لا تعترف بالحدود .

أما بخصوص قراءاته الأدبية فيرى مبارك أنها عملية لاجتهاده الشخصي، إذ غالباً ما يتتبع عنوان رواية أو قصة أو كتاب أدبي فيقرأه، حيث اطلع على تجارب الشاعر البحريني قاسم حداد وعلي عبدالله خليفة وغيرهما، من خلال هذا الأسلوب، في الوقت الراهن ومع زيادة عدد الإصدارات الأدبية التي تنشر تباعاً ومع اختلاط الحابل بالنابل -كما يقول- فإن مسألة القراءة تصبح مهمة عسيرة، لا سيما وأن النماذج الجيدة من هذه الإصدارات هي قليلة في كل الأحوال .

الكاتب والباحث في التراث ناصر العبودي يرى أنه لا يوجد تواصل حقيقي بين كتاب منطقة الخليج العربي، باستثناء ما تبذله بعض المؤسسات الثقافية ومن بينها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات الذي بدوره يبدي تواصلاً كبيراً مع بلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا، ويؤكد العبودي أن هناك مشكلة واضحة في هذا الجانب إذ لا توجد رغبة حقيقية لدى دول الخليج في الانفتاح على بعضها بعضا، لافتاً إلى أن الإمارات هي من تبادر دوماً إلى إقامة صلات ثقافية مع بلدان الجوار أكثر من غيرها من دول الإقليم .

فاتحاد كتّاب الإمارات، برأيه، ينشط في الجانب الثقافي والفكري بالامتداد أفقياً وعمودياً كما يقبل على التفاعل مع مختلف شعوب العالم انطلاقاً من إيمانه بالبعد الإنساني للثقافة، وأن هناك دائماً ترحيباً بالآخر مهما اختلفنا معه في الرؤية أو التوجه .

ويرجع العبودي هذه المشكلة إلى أسباب ربما تكون سياسية، وأيضاً إدارية ومالية وشخصية مسؤول عنها الكاتب نفسه الذي لا تتوفر لديه النية بالانطلاق خارج حدود دولته .

ومن واقع اختصاصه في التراث القديم والآثار يؤكد العبودي أن الخصائص الثقافية التي تربط بين المنطقة تختلف من دولة إلى أخرى، وهناك اختلافات واضحة بين منطقة وأخرى في الامارات نفسها، فبيئة العين على سبيل المثال تختلف عن بيئة إمارة الشارقة ويتضح ذلك إذا ما تتبعنا الأمثال وربما بعض التفاصيل الصغيرة التي لا يدركها غير المختصين، والكلام نفسه ينطبق على بيئات دول الخليج العربي قاطبة، فثمة تشابهات تراثية وبيئية لا تتجاوز 20 في المائة وأن النسبة المتبقية هي اختلافات واضحة، وربما تكون عمان الباطنة أو ما تعرف بالساحل العماني هي الأقرب بيئياً وتراثياً إلى دولة الإمارات، بعكس ما يربط بين الإمارات وقطر على سبيل المثال، وهي -أي قطر- قريبة جغرافيا .

ويدعو ناصر العبودي إلى ضرورة تخصيص لجان علمية مشتركة في مجال التراث مع عمان تقّيم هذه التشابهات الثقافية والبيئية بين الإمارات وعمان .

استراتيجية

يتفق الشاعر أحمد العسم مع ضرورة تنشيط المناخات الثقافية بين دول الخليج العربي التي لا تزال بحسب رأيه مشتتة وتحتاج إلى خطط وبرامج مؤسساتية ترفع من أطر التفاعل والحراك الأدبي والفكري بين الشعراء أو القاصين والروائيين وكافة المجالات الثقافية .

وينوه العسم بأهمية توفير مخصصات مالية من أجل تنشيط الملتقيات الأدبية في المنطقة، فاتحاد الكتاب فرع رأس الخيمة -على سبيل المثال- ليس بإمكانه تنظيم مثل هذه اللقاءات التي تحتاج إلى تكلفة مالية مرتفعة واستراتيجيات توفرها المؤسسات الثقافية الكبرى .

ويشير العسم إلى ندرة المنشورات التي يصدرها عدد كبير من الأدباء في قطر والبحرين والسعودية وغيرها، وأن تواصل الكتّاب الإماراتيين مع المنجز الإبداعي الخليجي يتم بطرق خاصة جداً تبعاً لاجتهاد الأديب وعلاقاته الشخصية، كما يرى العسم أن وسائل التكنولوجيا قد قلصت إلى حد ما من الفجوة الحاصلة بين كتّاب الخليج، وهذا متاح لمن تتوفر لديه ملكة استخدام الكمبيوتر والانترنت، لكن هذا لا يحقق مناخاً ثقافياً رحباً يحقق المعرفة بمعناها الحقيقي، كتلك التي توفرها فرص الالتقاء المباشر مع الزملاء الكتّاب وضرورة التعرف عن كثب إلى هواجسهم واحلامهم .

ويرى العسم أن هناك أسماء لكتّاب خليجيين باتوا معروفين في الوسط الثقافي والعربي، وذلك راجع إلى نشاطهم الدؤوب وامتلاكهم لمواقع إلكترونية مكنتهم من الانتشار خارج حدود بلدانهم .

فالقارئ الإماراتي بات على اطلاع واسع بتجربة الشاعر البحريني قاسم حداد وبنفس السوية الشاعر العماني سيف الرحبي الذي تنقل في أكثر من بلد عربي وساعده عمله في الصحافة وموقعه في مجلة نزوى الثقافية على الانتشار بقوة، مؤكداً أن هذا العدد القليل لا يشكل ميزة استثنائية يطمح لها الأديب الخليجي الذي لا يتجاوز نشاطه حدود بلده كما لا يتجاوز قراؤه حدود ما أمكن لكتبه أن تصل، وكذلك الأمر بشأن مشاركاته الأدبية في بلده والتي لا تتكرر أكثر من مرة أو اثنتين في العام على أكثر تقدير .

الشاعرة والكاتبة فوزية السندي تقول: يرتكز التواصل الثقافي بشكل أساسي على التخاطب البريدي الإلكتروني، وذلك على مستوى المثقفين في البلد نفسه وليس في منطقة الخليج أو الوطن العربي، لقد لعبت الحياة المعاصرة بتقنياتها التواصلية دوراً مهماً في تيسير هذا التواصل الذي عليه أن يردم الهوة الحاصلة بين المثقفين، كما أتاح الفضاء التقني حرية شاسعة للتبادل المعلوماتي عبر توفير منافذ ثقافية مهمة للمتابعة والدرس ومساحات للنشر، تيسرت المراسلة وأسهمت في توثيق الصلات، التواصل حاجة روحية لكل حضارة تعي معنى حضورها الإنساني، لذا كلما انقرضت وتلاشت الطرق للتواصل ازدادت التفاعلات بطرقها الجديدة والخلافة، أقرأ للعديد من الكتاب والكاتبات، وأجتهد من أجل متابعة التجارب الأدبية الجديدة والمتميزة أيضاً، تجذبني أكثر تلك التجارب لكونها تتقد بفرادتها ولا سيما المواهب التي بدأت تطرح تحدياتها الفنية بجرأة لافتة .

مراكز ثقافية

يؤكد القاص سعيد الكفراوي أن علاقة المثقف المصري بمنطقة الخليج ليست وليدة اليوم، بل إنها جزء معرفي من الثقافة العربية، صاغها في بادئ الأمر ذلك المدرس الابتدائي، الذي كان يقيم حياة تعليمية من جبال جيزان حتى جدة .

هذه العلاقة تتلازم مع دور أولى المجلات الثقافية، وهي الرسالة لأحمد حسن الزيات، وكذلك السينما التي كانت تنصب في عراء الصحراء، إنها حركة التنوير الأولى في الثقافة العربية، وبالتالي فإن هذا الدور كون معرفة وعلاقة ثقافية مع الثقافة المصرية، لأن أغلب هؤلاء الكتاب في الخليج تربوا على الرواية المصرية، يشاركهم في ذلك بعض الشوام والعراقيين . والآن يقول الكفراوي أنتج الخليج كتابه ومبدعيه، وبدلا من المركز التنويري الواحد تعددت المراكز، منها مركز الخليج، الذي يشارك الآن في صناعة الثقافة بالمجلة وإنتاج الفنون والجوائز، ولا يخفى على أحد الدور الفاعل لأهل الخليج في الثقافة العربية .

ويشير الكفراوي إلى أنه كان يعرف الكثير من مبدعي منطقة الخليج منذ منتصف السبعينات، عندما كانوا يأتون بادئ الأمر إلى مقهى ريش وكانوا أصدقاء لأمل دنقل ومحمد عفيفي مطر، ثم يتواصل الأمر الآن مع الخليج حيث تصدر المجلات وسلاسل الكتب وإنتاج المسلسلات الدرامية، والمشاركة في تقديم الثقافة والصحافة والتلفزيون في إنتاج نظيف ومشرف .

ويؤكد الكفراوي أن دولة الإمارات مثلا تشهد حركة شعرية قوية على رأسها الشاعر حبيب الصايغ وكذلك ظبية خميس، أما في الكويت فهناك ليلى العثمان وإسماعيل فهد إسماعيل، وتسهم هذه الحركة في حداثة النص العربي عموماً، وما من أحد يزور منطقة الخليج، ودولة الإمارات بصفة خاصة، إلا ويندهش من المؤسسات الثقافية والمتاحف والجمعيات الأدبية واتحاد الكتاب ومركز خليفة الثقافي، والكثير من المنابر التي يمارس فوقها الفعل الثقافي .

ويشير الكفراوي إلى أنه يتواصل مع أدباء الخليج العربي من خلال الوسائط الحديثة مثل الانترنت أو من خلال اللقاءات أو المشاركة في المهرجانات، أو الالتقاء بهم أثناء زيارتهم إلى القاهرة، كما أنه يتواصل معهم دوما من خلال الصحف والمجلات مثل دبي الثقافية والدوحة القطرية، لأنه يستشعر الحداثة والتطوير في حركة الكتابة الخليجية الجديدة .

ويرى الروائي محمد البساطي أن التواصل مع أدباء الخليج مقتصر على ما يصلنا من أعمالهم كما أن البعض منهم يرسل أعماله بشكل شخصي خاصة من المبدعين الشباب .

ويشير إلى أن الأدب الخليجي أصبح فيه نوع من التمرد الاجتماعي والتحرر، موضحا أن رواية عبده خال الأخيرة ترمى بشرر الحائزة على البوكر العربية رواية رائعة، ليس ذلك فقط، بل إن هناك أيضا نشاطا كبيرا في مجال القصة القصيرة، خاصة في الإمارات التي تزدحم بالكثير من الأسماء الجديدة والشابة، كما تشهد أيضا، مثلها في ذلك مثل مصر، نشاطاً إبداعياً كبيراً، لكن لا يواكبه نشاط نقدي .

ويقول البساطي إن الكاتب يوسف المحيميد من أروع الكتاب في منطقة الخليج وكذلك الشاعر قاسم حداد من البحرين الذي اقتسم معه جائزة العويس في إحدى دوراتها . وهناك أيضا الكثير غيرهم، مثل محمد الشارخ في الكويت، إضافة إلى الأدباء الشبان في كل الأقطار العربية، والذين تتم متابعتهم من خلال المجلات الثقافية لا من خلال الكتب، لأنها للأسف غير متاحة .

ويعرف الروائي محمد المنسي قنديل معظم الأدباء العرب بحكم عمله السابق في مجلة العربي الكويتية، مشيرا إلى أن الخليج منطقة ثقافية ناهضة تسعى للتخلص من التقليدية، ولدى أدبائها نزعة أدبية جديدة تميزها النساء وهذه الطفرة النسائية ليست موجودة في الكويت فقط، ولكنها موجودة في السعودية أيضا، وبأساليب جديدة، ففي السعودية يكتبون بأسماء مستعارة، والغريب أن تلك الظاهرة منتشرة جدًا .

أما الإمارات فحركة الترجمة فيها هي الأقوى على الإطلاق ويرجع لها الفضل في إضافة الكثير إلى اللغة العربية، ويشير قنديل إلى بزوغ الصوت النسائي في الثقافة الخليجية حيث نجد الكثير من الأسماء التي يتم التواصل معها من خلال النت حيث يقوم العديد منهم بنشر أعماله على الشبكة العنكبوتية ليطلع عليها الجميع، كما أن هناك العديد من دور النشر خارج الخليج تحتضن هذه المواهب الشابة وتطبع لهم أعمالهم ذلك لأن الأدب الخليجي في حالة تطور وثورة على الشكل، وهناك أسماء كثيرة يشار إليها بالبنان .

ويؤكد الروائي يوسف القعيد أن عشقه لأدب الخليج نابع من كونه ابناً للحلم العربي، وانطلاقا من الوحدة العربية التي يحلم بتحقيقها، ولذلك فهو يقرأ الأدب الخليجي مثل أعمال إسماعيل فهد وطالب الرفاعي وليلى العثمان حيث يرى أن لديهم تجارب إبداعية تستحق القراءة والتأمل تماماً .

وهناك أيضاً -الكلام للقعيد- ميسون صقر وحبيب الصايغ ومحمد المر وعبدالحميد أحمد وهم كتاب وشعراء شديدو الأهمية ولكن الكثير منهم للأسف غير معروف للشريحة العريضة في مصر .

ويشير القعيد إلى أن الإمارات قد تفوقت في مجال الترجمة وكذلك فهي تقدم العديد من الجوائز الأدبية، إضافة إلى مجلة الرافد التي تحتوي على نشاط متكامل، كما أن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة لديه كتاباته الرائعة في المسرح والتاريخ .

ولا ينسى القعيد أدباء سلطنة عمان ومبدعيها مثل سيف ومحمد وعبدالله الرحبي وأحمد الفلاحي الذي كان ولايزال يكتب عن الحلم القومي العربي، ويقول القعيد إنه يتواصل مع معظم هؤلاء المبدعين من خلال علاقات الصداقة التي تربط بينهم وكذلك من خلال المراسلات حيث يرسل العديد منهم أعمالهم إليه فضلا عن أنهم عندما يأتون إلى مصر لابد وأن يلتقوه .

ويرى القعيد أن الأدب الخليجي يشهد طفرة ثقافية قوية جدا ولكنه يأمل أن تكون طفرة متكاملة بين كل الدول العربية .

ندية

يشير الناقد والروائي المغربي صدوق نورالدين، إلى أهمية الأدب الخليجي اليوم في المدونة الإبداعية العربية، وأن هذا الأدب ينوع من منتوجه ويقدم نفسه كأدب ندي، يقول يمكن القول في الراهن، وبكل موضوعية إن الأدب الخليجي اليوم، يمثل رافداً أساساً من روافد الأدب العربي الحديث، ذلك لأن منجزه الأدبي لم يعد مقتصرا كما في السابق على التجربة الشعرية الفصيحة والمحلية، وإنما امتد ليطول القصة والرواية ثم النص المسرحي، وهذا في الجوهر يعود إلى عاملين: أولا عامل المقروئية: حيث إن التلقي الخليجي يعد مهما وبشكل لافت، خاصة في معارض الكتاب العربية، وذلك للنتاجات الأدبية العربية التي حالت الرقابات غالبا دون التعرف والاهتداء إليها، تحت ضغط عامل التقاليد، والمس بالجوانب الأخلاقية .

ثانيا، عامل التحول: ويتمثل بشكل رئيس في ما تعرفه الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من تحولات تحتم مواكبتها بما يعد كتابة إبداعية جديدة، وأعتقد أن نواة هذه الكتابة يجسده جنسان: القصة القصيرة والرواية .

وبالفعل لمعت في فضاء الكتابة الخليجية أسماء مهمة: مريم جمعة فرج، ميسون صقر، ابتسام المعلا، وصالحة غابش، أحمد المعلا، علي أبوالريش وأحمد راشد ثاني (الإمارات)، طالب الرفاعي، ليلى العثمان، فوزية سالم شويش (الكويت)، عبده خال، رجاء عالم، يوسف المحيميد (السعودية) . . وغيرهم .

على أن التلقي الأدبي في المغرب لهذا المنجز، لم يأت في العمق من الخليج مباشرة، وإنما عن طريق بيروت (دار الآداب/ المركز الثقافي العربي/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ دار الساقي . .) ومن مصر:(شرقيات/ ميريت) .

ومن ثم يحق الحديث عن: تراكم وتنوع وقيمة، فالتراكم يتمثل بالأساس في الجانب الحكائي(قصة/ رواية)، وقد يعود ذلك للتوق للبوح والتعرية وكشف المسكوت عنه، وهو ما تطالعنا به أساسا الرواية السعودية، ولا أدل على ذلك من رواية رجاء الصانع (بنات الرياض) والرواية الحائزة على البوكر العربية (ترمي بشرر) .

وأما التنوع فيتجسد في الموازاة بين الكتابة الشعرية والنثرية، وفق ما نتعرف لدى فوزية سالم الشويش وأحمد راشد ثاني الذي يعكس نصه الأخير ورقة السرير 2010 تجربة سردية قريبة من السيرة الذاتية إن لم أقل بأنها تتأطر ضمن التخييل الذاتي مادامت لا تشمل حياة راشد في كليتها، وما يقال في هذا الصدد ينسحب على السواء على تجربة ميسون صقر القاسمي .

إن التراكم الملمح إليه، أبان عن كفاءات إبداعية قوية وذلك من حيث وعي آليات الكتابة وإنتاج المعنى والجرأة وكفاءة تعرية المسكوت عنه وابتكار أساليب جديدة على مستوى الكتابة والتأليف .

من خلال اهتمامه بالرواية بدول الخليج العربي يؤكد الناقد المغربي الدكتور حسن المودن، أن الرواية الخليجية قد نجحت في الوصول إلى القارئ العربي، يقول من خلال قراءاتي القليلة للرواية في دول الخليج (وهي قراءات مكرسة لروايات الكاتبة الكويتية فوزية شويش السالم والكاتب السعودي عبد الله زايد، منشورة في كتابي الذي صدر ببيروت سنة 2009 تحت عنوان: الرواية والتحليل النصي، قراءات من منظور التحليل النفسي)، ومن خلال قراءتي هذا العام لبعض روايات الكاتب السعودي يوسف المحيميد، وخاصة رواية: القارورة، يمكن أن نفترض أن الرواية في دول الخليج قد نجحت في إعادة الاعتبار للحكاية من دون أن تغفل جماليات الكتابة وأسئلتها، أي أنها أعادت بناء علاقة التخييل بالمرجع، الذاتي والاجتماعي والتاريخي، من دون أن تضحي بالتراكمات التي حققتها الرواية، عربيا وعالميا، على مستوى تجريب طرائق وأشكال ومناهج جديدة في السرد والكتابة . وإذا جاز القول، يمكن أن نفترض أن الرواية في دول الخليج تحكي مغامرة ما أو تجربة ما، لكنها لا تكتفي بذلك، لأن الكتابة نفسها تركب المغامرة والتجريب .

في روايات الكاتبة والشاعرة الكويتية فوزية شويش السالم: مزون وردة الصحراء، حجر على حجر، رجيم الكلام، يتعلق الأمر في كل مرة بنصّ يبتلع ويفترس أشياء كثيرة ومتباينة، ويتغذّى من حياة العديد من الأشكال والأجناس والعلوم والمعارف والفنون والثقافات والحضارات والأزمنة والأمكنة .

واللافت في روايات الكاتبة هذا العمل الخلاق من أجل كسر الحدود بين السردي والشعري، والإبداع في بناء محكيّ شعريّ بأسلوب إشكاليّ: من دون أن يضيع هدف الرواية (الحكي والسرد)، يتمّ الاحتفاظ بخصائص الجنس الغنائي الشعري التي تكمن في الكثافة الصوتية والقدرة التصويرية .

وبهذا الانفتاح على الشعري، أصبحت للكتابة الروائية عند فوزية شويش السالم خصائص جديدة من أهمّها تلك التي تتعلق بفضائها، أي بتنظيم البياض والسواد على الصفحة . فهذا الفضاء لم يعد مجرد إطار، كما هو الحال في الرواية التقليدية، تقع وتشتغل داخله حبكة ما، بل إن الكتابة تتحول إلى علامات فضائية تشارك هي الأخرى في الحبكة كأية شخصية أخرى، وبهذا يتحول الفضاء إلى فاعل تخييلي .

في مزون وحجر على حجر ورجيم الكلام، تنقسم البنية السردية وتتفرّع إلى محكيات متجاورة متقابلة ومتناظرة، يكمّل الواحد منها الآخر، ويعيد المحكي الواحد إنتاج محكي آخر جزئيا أو كليا، أي بشكل يدفع إلى اعتبار كلّ محكي مرآة للمحكي الآخر، والمحكي في مجموعه يأتي عبارة عن جمع إشكالي يستخدم المرايا والعاكسات، ويعتمد التضعيفات التخييلية، ويستحضر محكيا آخر داخل المحكي، ويدمج الميتا تخييل داخل التخييل، ويخلق زواجا خلاقا بين عناصر متنافرة: أوتوبيوغرافية وبيوغرافية حقيقية وعناصر روائية تخييلية وشعرية رمزية، ويعدّد أصوات السرد وزوايا النظر . ويضيف من خلال المفهوم النفساني الفرويدي: الرواية العائلية، افترضت أن رواية المنبوذ (الصادرة سنة 2006) للكاتب السعودي المعاصر عبد الله زايد تقول، بطريقتها، روايتها العائلية، ليس على مستوى المضمون فحسب، بل وعلى مستوى الشكل الفني أيضا .

وبعبارة أخرى، فإننا نجد الرواية، على مستوى الحكاية، تقول الواقع العائلي الاجتماعي المعيش . وهي من خلال ذلك، تركّز على هذا الذي تنبذه العائلة، تقصيه وتبعده وتطرده من عالمها . ويجد المنبوذ نفسه مرغما على الانفصال عن عالمه العائلي الأصلي، فهو لم يختر يوما الابتعاد عن عائلته، قدر ما يجد نفسه مجبرا على الرحيل والهجرة بعيدا .

وفوق كل ذلك، أفترض أن رواية عبدالله زايد لا تقول الرواية العائلية على مستوى الحكاية (المضمون) فحسب، بل إننا نجدها تؤسس رواية عائلية أخرى على مستوى الكتابة (الشكل) . ويبدو أن علامات العالم العائلي المعثور عليه، العالم العائلي البديل، لا تتبدى بوضوح إلا على مستوى الشكل الفني للرواية، ومن أهم هذه العلامات: تعدد الرواة والأصوات، توالد الحكايات وتشابكها، التهجين وتكسير الحدود بين الأجناس الأدبية، المونولوج الداخلي . . وهي العلامات التي تقف ضد النبذ والإقصاء، مستحضرة بطبيعتها وبطريقتها ذلك الآخر المقصي المنبوذ، جاعلة من الحوار والانفتاح والتسامح قيمها العائلية الجديدة .

وفي رواية: القارورة للكاتب السعودي يوسف المحيميد، نجد الآخر بمعناه النفساني المزدوج: الآخر الخارجي، الذي يوجد في الخارج، في خارج الذات، والآخر الداخلي، الذي يوجد في داخل الذات .

وهكذا، فالرواية تتأسس على بنية ثنائية مزدوجة مؤسسة على لقاء بين فردين، شخصيتين، المثقفة الصحافية منيرة الساهي، والجندي الذي يحمل اسمين، علي الدحّال وحسن بن عاصي وله أكثر من وظيفة، عسكري برتبة رائد، وجنديّ مراسل، وله أكثر من شخصية وأكثر من وجه وأكثر من أهل .

ما حدث أن هذا الذي اعتقدته منيرة حبيبها المعثور عليه، آخرها في صورته المثالية، لم يكن إلا شخصا ممثلا مزيفا، يؤدي دورا في مسرحية من خلالها يريد أن ينتقم من شقيقها، وهو لا يدرك ما يمكن أن تحدثه هذه اللعبة المزيفة في نفس امرأة صدّقت اللعبة، في مصير امرأة مثقفة متحررة في مجتمع ذكوري قاهر .

وإجمالا، فأكبر إشكالية واجهت الأنا، وهي تغامر بالانفتاح على الخارج، على الآخر الخارجي، بحثا عن الحرية والحب والحياة، أن هذا الخارج عالم مزدوج، متفكك، متناقض . ولاشك في أن فكرة الازدواج، بهذا المعنى، هي التي تفسر لماذا جاءت الكتابة في هذه الرواية مؤسسة في شكل بنيات مزدوجة: محكيات بضمير المتكلم/محكيات بضمير الغائب، محكيات أوتوبيوغرافية/ محكيات بيوغرافية محكي إطار/محكيات مؤطّرة، قصص/رواية، رواية/مذكرات، محكيات استعارية رمزية/محكيات تقريرية تحقيقية، محكيات شعرية/محكيات وقائعية، مونولوجات داخلية/حوارات خارجية .