لم تتوقف خلال القرون المتعاقبة النظريات والمدارس والقراءات المختلفة لطبيعة الفن والشعر والأعمال الإبداعية بوجه عام، بدءاً من نظرية المحاكاة عند أرسطو وصولاً إلى المدارس النقدية الكبرى التي تمخضت عنها العصور الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين وأوائل القرن الحالي . فلقد كان سحر الفن وجماله موضع تجاذب دائم بين النقاد والدارسين، الذين أمسك كل منهم بالطرف الذي يلائمه من خيوط العبقرية الفنية غاضاً النظر عن الخيوط الأخرى تبعاً لمزاجه الخاص، أو للزاوية التي يطل من خلالها على الأثر الفني والأدبي . هكذا تفاوتت مستويات النظر إلى الإبداع بتفاوت الزوايا والمقاربات التي توزعت بين الواقعية والرومانسية والرمزية والسوريالية والبنيوية ونظريات الحداثة وما بعد الحداثة . ولن ينتظر أحد بالطبع أن يتفق البشر على زاوية واحدة للرؤية طالما أن جمالية الفن شأن نسبي يخضع لأذواق القراء أو المشاهدين ويتعدد بتعدد ميولهم وأهوائهم والمعايير التي يضعونها للحكم على الأثر الفني .
في كتابها المميز "نظرية كروتشة الجمالية" تعرض الكاتبة والناقدة أفراح عبدالله للمفاهيم النظرية التي أطلقها الفيلسوف والمفكر الإيطالي الشهير بندتو كروتشة بشأن الأدب والفن والشعر، الأمر الذي جعل منه أحد أهم منتجي النظريات الجمالية في العالم المعاصر . ذلك أن ما قدمه كروتشة حول ماهية الفن وطبيعته، وحول التذوق الفني ومستويات التعبير الجمالي يضعه جنباً إلى جنب مع المفكرين الإنسانيين الكبار، من أمثال هيغل وكانت وشو بنهاور وبيرغسون، الذين أخرجوا الفلسفة من عزلتها الماورائية وربطوها بالإجماع البشري وطرائق العيش وأساليب الفكر والحياة . ثمة الكثير طبعاً مما يمكن أن يستوقف المرء من عوالم كروتشة ومفاهيمه التي تضع الفن جنباً إلى جنب مع الدين، في مكان الصدارة من تجليات الروح والعقل البشريين . ولكن أكثر ما يلفت عند كروتشة مثاليته الفائقة التي ترى إلى الروح بوصفها الواقع الوحيد الذي يمكن التعويل عليه في فهم معنى الوجود وطبيعته، إضافة إلى إعادة الاعتبار لمثالية أفلاطون وبعض فلاسفة اليونان الذين يرون في مثلث الحق والخير والجمال القاعدة الذهبية لكل عمل أدبي أو نشاط إنساني . لكن كروتشة يضيف إلى هذا المثلث قاعدة إضافية هي المنفعة، لا بالمعنى المادي الضيق للمصطلح، بل بالمعنى الذي يخرج الفن من عهدة صاحبه الفرد ليجعله أداة لتعميم المتعة المعرفية على بني البشر .
يحظى الشعر عند بندتو كروتشة بالمنزلة الأكثر رفعة بين الفنون الأدبية المختلفة، فهو يذهب مع سلفه الإيطالي جان باتيست فيكو إلى اعتبار الشعر اللغة الأولى للإنسان، واعتباره في الوقت ذاته أصل اللغة، لا بل يبلغ به انحيازه لهذا الفن حد اعتبار الشعر واللغة شيئاً واحداً . على أن الشعر عنده يتصل بالحدس لا بالعقل، وبالخيال لا بالمنطق، وبقوة العاطفة لا ببرود الذهن . وحيث إنه اللغة الأم للبشرية فإن كل الناس شعراء بشكل أو بآخر، والفوارق بينهم تتعلق بحجم الموهبة ومنسوبها، كما بالجهد والمثابرة والمكابدة . كما أن على الشاعر، وفق منظوره، أن يحسن التوفيق بين جمالية الصورة وحرارة العاطفة، حيث "العاطفة من دون الصورة عمياء، والصورة من دون العاطفة جوفاء" . ويحرص صاحب "مشاكل في علم الجمال" على إبعاد الشعر عن العقل الذي يعمل في منطقة أكثر بروداً واشتغالاً بالمعادلات الذهنية والتركيبية، وعلى إبعاده عن الفلسفة التي تشتغل على منطق مغاير يوقع الشعر في الاضطراب ويبعده عن عوالم البداهة والنقاء . فعنده "لا علاقة للشعر بالفلسفة لأن هذه الأخيرة تمارس إصدار الأحكام والمفاهيم وتركز على تقييم الحقائق، أما الشعر فهو نوع من الحدس الغنائي والعاطفي" . وعنده لا علاقة أيضاً بين الشعر والأخلاق، بمعناها الاجتماعي المتداول . فالشاعر ليس واعظاً ولا داعية، ولا مبشراً بغير الجمال وتحسين شروط الوجود، لهذا يكون الشاعر أخلاقياً تماماً حين يقوم بواجبه الإبداعي على خير وجه، ويكون مجافياً للأخلاق حين يجافي الدهشة والاكتشاف .

شوقي بزيع