المغامرة اللامشروطة للخيال، هي إحدى إمكانات الكتابة الجبارة التي تضع القدرة الإنسانية الخلاقة على حافة امتحان الواقع وحدود الاكتشاف والاختراق . ري برادبري حالة إبداعية طارئة في القص الموسوم بنزعة الخيال العلمي خاصة والكتابة الفانتاستيكية عامة .
اتخذ القاص الأمريكي برادبري في كتابته القصصية مسلكاً مجازفاً بجنوحه المدهش إلى هندسة عالم تخييلي قوامه حقائق الفيزياء وتراث الشعوب والأسطورة والشعر .
تحكي قصة التفاح الذهبي للشمس بطرافة مدهشة، رحلة مركبة فضائية اسمها بروميثيوس نحو كوكب الشمس . المهمة الخطيرة كانت ملامسة الشمس وسرقة قبس منها . ومن أجل نجاح مثل هذا السفر العجيب يجهز الصاروخ بحجيرات من الجليد تشبه شتاء قطبياً . حين تصل درجة الحرارة سبعة آلاف فهرنهايت، يتمكنون بالفعل من ملامسة الشمس ويموت أحد أفراد الصاروخ . فدرجة الحرارة في الداخل كانت ألف درجة تحت الصفر، وهكذا يموت من البرد من كان يخشى الموت من الحرارة . ثم سرعان ما بدت تلك المقاومة الجليدية تتراجع بسبب الذوبان وارتفاع درجة الحرارة وبدأ مطر حار يتساقط عليهم .
في غمرة الكابوس والخوف من تفجر الصاروخ أمر القبطان بتجهيز القدر التي ستمسك بها يد آلية وتذهب بها نحو كتلة النار المتوقدة في الخارج، وفيما كان القبطان يوجه تلك القدر كي يسترق قبس الشمس تذكر قبل مليون سنة كيف لمع برق، ورأى رجلٌ عار النار التي خلفها بينما هربت قافلته، وأمسك بالنار فأحرقته ثم احتفظ بها وجعلها في الكهف ليلاً حيث أضاءت عتمتهم كما صيف إضافي . استغرق أمر سرقة الجزء الملتهب من الشمس أربع ثوان واستطاعت اليد العملاقة أن تنجز المهمة بدقة، وفكر القبطان أن حالتهم تجسد القافلة الثانية بعد حادثة البرق البدائية من يقبضون على نار مختلفة ويرجعون بها كهدية خرافية إلى الأرض، فبصرف النظر عن أنها ستعوض الطاقة الذرية الهزيلة في الأرض، فالأمر كان محض لعبة ومغامرة أيضاً . إنه القبس الذي سيفتح باب معرفة الكون مدة ألف سنة مقبلة وليس كمصدر طاقة وحسب . استدارت السفينة كي تقفل راجعة إلى الأرض . وانتاب القبطان شعور طفل راجع من المدرسة إلى أمه محملاً بالحلوى .
تعالق الأسطوري والعلمي وتزواج الشعري والتاريخي يتحققان في القصة بشكل متوازن . فالأسطورة تلبس النص كجلد ثان، تلك المتعلقة بشخصية بروميثيوس الذي سرق النار من زيوس في الميثولوجيا الإغريقية، ومنحها للإنسان كهبة مقدسة لم تعد تقتصر على الآلهة، قبس النار هذا الذي يجسد المعرفة والاكتشاف والحقيقة والإبداع والعقل، فكان عقابه من طرف زيوس أن علقه بجبل القوقاز وأمر نسراً لأكل كبده كل يوم . يستثمر برادبري هذا الحدث الأسطوري ويبني عليه لحظة استرجاعية تاريخية للرجل البدائي الذي اكتشف النار عبر لمعة برق وحملها إلى أصدقائه في الكهف ليلاً كي يهديهم صيفاً، وبالاستناد إلى هذه اللحظة البدائية يشيد اللحظة الموالية المغامرة للصاروخ الذاهب صوب كوكب الشمس من أجل سرقة قبس منها على غرار بروميثيوس كي يهدي البشرية طاقة جديدة ستفتح طوراً أكثر حداثة، قابلة لاكتشاف حقائق مجهولة مدة ألف سنة أخرى .
أبرز الكتابات التي وظفت أسطورة بروميثيوس، مسرحية كلاسيكية للإغريقي أسخيلوس، وقد تحولت الشخصية عبر انزياحات نصوص معاصرة واضطلعت بحمولة شعرية أيضاً، حيث صار يرمز للشاعر بسارق النار، القصة تعي هذه الخلفية الشعرية تماماً وتستولد من ثقلها الإيحائي موضوعها المركزي الخلاق وصورها السردية البديعة بدءاً من العنوان: التفاح الذهبي للشمس المأخوذ عن قصيدة للشاعر الإيرلندي وليام بتلر ييتس، مشفوعة بقصدية واضحة من خلال تلميحات شكسبير ورامبو في النص .
براعة القصة لا تكمن فقط في متعة فكرتها الحاذقة والعجيبة والزج بخيالها في درجة سبعة آلاف فهرنهايت، بل تتعزز من خلال طريقة سبكها الحكائي وحبكها المتمرس . إحدى وجوه هذه البراعة تكشف عنها المفاصل الثلاثة للحكي، عندما يقوم القبطان بثلاثة استرجاعات طفولية، تجسد المنعطفات أو التخلص النبيه من وحدة سردية إلى أخرى (استرجاع ذوبان الدلايات الشتائية بالربيع واسترجاع ما قبل مليون سنة لاكتشاف الرجل البدائي للنار واسترجاع إحساس الطفل الذاهب بالحلوى إلى أمه) .
برادبري زحزح جنس القصة، وخرج بها عن خطية المألوف خائضاً معترك الموضوعات الكونية الكبرى لمجهولية العالم وغرائبية الفضاء، ولغزية الحقائق الشاذة الكامنة وراء واقع البشر المزيف .