العلاقة بين المثقف، أو المبدع، والفكر الجَمَالي، والموقف الجَمَالي الإنساني، علاقة وثيقة، متجانسة، ومتكاملة، ومترابطة، وتصنع خصوبة وثراءً وتميزاً في الفكر والممارسة، هذا هو الأصل والأساس.

الفكر الجمالي، والموقف الجمالي الإنساني عند تَمَثُلِه، واندراجه، ودخوله كمنهج، وإطار، بشكل مباشر، أو غير مباشر، كمصدر إلهام، أو كدافع، في أعمال ونِتاجات المثقفين، أو المبدعين، من أشعار وقصص وروايات ونثر ورسومات ومسرحيات ونصوص أدبية، وغيرها، من أعمال أدبية وفنية، مع تنوعها وتبايناتها، تصبح خَيّرة، نافعة، متوازنة، متناسقة، متناغمة، صادقة،

ليس فقط من حيث مواضيعها الأصلية المطروحة، وسيمياء التعبير، بل أيضا من خلال كوامنها الداخلية، والتي تُلامس دواخل الإنسان المُحِبة للنماء والخير، حيث تغدو تجارب إنسانية مُفعمة بالرؤى والنظرة المتقدمة، والمتطلعة للتقدم أكثر، تفتح للسعادة آفاقاً تطبيقية أوسع، تدخل القلوب والمنازل، وتكون النظرة أشمل تستطيع الوصول لحقائق الأشياء، تَشِفُ عبرها ظلال حقيقة نبحثُ عنها، وتغدو لدينا قُدرات نظر، تحليلية ونقدية، لم تكن ملموسة أو مُدرَكة بالنظرة الاعتيادية أو العادية، بعيداً عن سِمات النفس التوهمية، الضيقة في اهتماماتها وتعاملاتها ومصالحها، والباحثة عن اللاشيء، الداخلة في اللاشيء، في حين، بالفكر الجمالي والموقف الجمالي الإنساني يُصبح القلب أكبر وأنضر وأَرقّ، وتُصبح الأعمال الأدبية والفنية، إلى جانب كونها نماذج جمالية، نماذج لغوية جاذبة، وأشكالاً تواصلية، تصنع اكتشافات، وتدعو الآخرين للمشاركة في نفس الإحساس والشعور المُتمثل في العمل الأدبي أو الفني، وهذه هي نفسها مسارات فلسفة الجمال، كقيمة إنسانية ثابتة.

التعامل مع مفهوم الجمال، كقيمة إنسانية ثابتة، يأتي بالطريقة نفسها في تعاملنا مع مفهوم الحرية، كقيمة إنسانية ثابتة. قيمة الحرية في ضوابطها التي تحفظها من الفوضى، أو تحولها إلى حركة بلانظام، أو تَعَدٍ. وعلى سياق الحرية، هذا، تأتي فلسفة الجمال التي هي أحاسيس وأعمال في الكون والحياة تأتي في إطار نظامي، وذوقي، وتراتبي، وتنسيقي، وتناغمي، يعمل على تطور الإنسان، وتقدمه، وتحقيق التطور الحضاري، ووضع رؤى وتصورات وأنظمة للحياة، تجعلها أبهى، أرقى، أَحْكَم، أَعْدَل. وعلى سياق الجَمَال، هذا، تأتي الأعمال الأدبية والفنية التي هي عبارة عن إضافات جمالية في الحياة، تعمل على تثبيت أركان الجَمال، وتوسيع نطاقات اهتماماته، ومَدّ آثاره، وخلق الجذب نحوه، وتنمية معانٍ ودلالات خاصة، لدى الفرد، مثل: إحساس، وحدس، وتأمل، وإرادة، وتداعٍ، وانفعال، لتنحو مَنْحًى جمالياً، نراه ونلمسه في الشعور والفكر والممارسة والتطبيق.
إذا أخذنا بالمفهوم الأول للجمال على أنه قيمة في ذاته، وعبارة عن فكرة، فإن الأعمال الأدبية والفنية، تكون قيمة في ذواتها، وهي عبارة عن أفكار، نراها ونشعر بها في الأعمال الأدبية والفنية. وإذا أخذنا بالمفهوم الثاني للجمال على أن له طابعاً عينياً وواقعياً وحسياً، فإن الأعمال الأدبية والفنية، كذلك، تحمل أبعاداً عينية وواقعية وحسية، وتُظهر حقائق في طابع حسي ومادي وملموس، وبالتالي فإن الجمال كفعل خلاّق ينشأ من العلاقة بين الإنسان والموضوع الذي يتناوله، فالمثقف، أو المبدع، له علاقات كونية وحياتية، وهذه العلاقات تنعكس في أعماله ونتاجاته الأدبية والفنية، وبالتالي فهي جميلة، ومُعبرة، وهي انعكاس للفكر الجمالي، ما دامت تحمل مصلحة للكون والحياة والإنسان، وما دامت تؤدي إلى نمو وتطور وتقدم كوني وحياتي وإنساني ومجتمعي وفردي، فهي جميلة.
هذه العلاقة بين المثقف، أو المبدع، والفكر الجمالي، والموقف الجمالي الإنساني، تجعل من المثقف، أو المبدع عنصر التوازن المنشود والحقيقي في المجتمع، باعتبار المثقف أو المبدع، من خلال دوره، وأعماله، ونِتاجاته، هو مصدر استدرار الفكر، ومساحة مراجعة المواقف، ومجال فرص الخَيال، وبواعث الحركة، ومن خلال المثقف، أو المبدع، تأتي فرص التغيير للأفضل، وطُرق التطوير، وجعل الحياة على ما يُرام، مليئة بالدهشة المستمرة، كدهشة الأطفال في اكتشافهم للجديد، ونشر البساطة المُفعمة بالحيوية، وخلق السرور الدائم حتى تجاه الأشياء والأنماط العادية في الحياة، وخلق الحس السليم، وانتقاء الأفضل، وصُنع السلام.

يتحدد الموقف الجمالي الإنساني إزاء المجتمع، والكون، والحياة، عبر أعمال ونِتاجات المثقفين، أو المبدعين، التي تنشر مفاهيم وتصورات وتجارب وأحكاماً وقِيماً ومناهج وقوانين تأخذ صفة الجَمالية، وهذا نشر للوعي الجمالي، وهي مُهمة المثقف، أو المبدع، فغياب الفكر الجمالي والموقف الجمالي الإنساني عن العمل الإبداعي معناه دخول المثقف، أو المبدع، في الوَهم، وممارسته للوهم قد تتخذ أشكالاً ونماذج وتجارب عديدة، حيث إن المثقف، أو المبدع، وفق المبدأ الجمالي، يُمارس الخير، ويقدم المنفعة، وهذا هو نشاطه الحياتي والإنساني والكوني، بصورة عامة، والإبداعي، بصورة خاصة.

معايير القيمة الجمالية هي المنفعة والأخلاق والانتظام لأجزاء الأشياء المادية، ومحورية الإنسان، والاعتدال، والائتلاف، ومُحاكاة عالم المُثل، ومُحاكاة جماليات الطبيعة المحسوسة والملموسة، الموجودة من حولنا، في سِماتها وصفاتها، والتراتبية، والزِينة، والتناسب، والنظام، والتجانس، وتنمية الإدراكات الوجدانية للجمال، وإدراك الجماليات غير المرئية، الجمال الداخلي أو الباطني، وتنميتها. معايير القيمة الجمالية، هذه نفسها، يتمثلها المثقف، أو المبدع، ويعكسها، ليس فقط في أعماله الأدبية والفنية، من خلال أدواته اللغوية والفنية، بل يتمثل هذه المعايير في تفكيره وفلسفته ورؤاه وتصوراته وسلوكه، وعبر أنماط حياته. لا يفصل، المثقف أو المبدع، واقعه الإبداعي عن واقعه الجمالي عن واقعه الحياتي؛ منظومة متناسقة. لهذا فإن أعمال ونِتاجات المثقفين أو المبدعين هي دعوة للإنسان لاتخاذ مواقف أخلاقية في الحياة، حيث أن الآثار الأدبية والفنية هي ضرب من حلول الجمال بها، وحلول الجمال بها يجعلها آثار جمالية في الكون والحياة.
التحليل النفسي يدخل في الدراسات الجمالية، باعتبار أن الأدب والفن يساعدان الإنسان على التوازن النفسي الفسيولوجي مع الواقع الاجتماعي، وتحقيق تقدم صحي، في نفس الوقت، حيث إن أعمال ونِتاجات الأدباء والفنانين هي مشاريع وأنشطة بنائية وتشييدية، تعمل على بِناء وتشييد أفكار وتصورات ورؤى ومواقف وممارسات متسقة مع الفكر الجمالي، والموقف الجمالي الإنساني، وهذا يُساعد الإنسان على تحقيق توازنه النفسي في الحياة. ولهذا فأعمال ونِتاجات الأدباء والفنانين محسوسة، فمن المقولات في أدب الجمال «أن الجماهير تُفكّر أوّلاً بحواسّها»، «وقد يكون من الصعب تغيير أخلاق البشر، لكن من الممكن بيان هشاشة أفكارهم، واضطرابها» كما ذكر بعض العلماء.
إن الأفكار والتصورات والرؤى والفلسفات والممارسات غير الجميلة، غير الجمالية، المناوئة للجمال، المتشددة، المتزمتة، تتأسس عبر أدوات الجمال نفسه، مقاييسه، ومعاييره، المجردة والمادية، سياقاته المرئية وغير المرئية، كما يتم عبر الأعمال الأدبية والفنية، المبثوثة بها روح الجمال، حتى وإن كانت محض خيال وغير واقعية، كلازمة من لازمات الأدب، فالألوان والأشكال والنصوص، ليست صامتة، بل مُفكرة، وتُفكر بعمق، ومُثقلة بالفلسفة، والإحساس عِلم، فحين يتكون الإحساس نتيجة للأثر الأدبي أو الفني، فهذا عِلم قد تَكَوّن، وكما قال أرسطو«من فَقَدَ حِساً فَقَدَ عِلماً»، ومن مبادئ هوبز «أنّ الفكرة هي دوماً فكرة ملموسة»، بمعنى أنها موجودة، أو قابلة للتطبيق، فالجمال الفني الذي يأتي مثلاً في لوحة أو كلمة شعرية، هو انعكاس لجمال العالم، فالمَلَكة الشِعرية التي هي مُخيّلة، أو خَيَال، هي انعكاس لجمال كوني، منظور وغير منظور.
الفكر الجمالي، والموقف الجمالي الإنساني، يُمثله المثقف، أو المبدع، في سِماته الطبيعية والحقيقية، إذا كانت صفة الجَمال لاصقة به، ومن مكوناته الشخصية، وهذا يخلق ضرورة لدور المثقف، أو المبدع، هذا، ذو الطبيعة الجمالية هذه، في المجتمع والكون والحياة، أن يُمارس رسالته الجمالية، بصورة اعتيادية، كفعل طبيعي له، وسِمة أساسية له، في كافة المواقف الحياتية، كما يؤديها بصورة استثنائية، وخاصة، عند الأزمات الحياتية والمجتمعية والإنسانية والكونية، وعند تَكَوُّن الأسئلة والمواقف الحائرة، حيث الإجابات أكثر حيرة.

الأعمال الأدبية والفنية مَعَالِم تسمح برؤية المستقبل، ومعرفة صعوبات أزمنة تلوح في الأفق، استناداً إلى ما يملكه المبدع من عِلم مقرون بمُخيّلة وخيال ورهافة حس ودرجات عالية من الشعور وقدرة على النقد والتحليل والتقييم والتقدير والحُكم والتأويل والإلهام وفهم روعة الحقيقة واحترام العقل والمنطق وتطهير أو تنقية الانفعالات والنظرة المستقبلية والتنبؤ، مع ما فيه من شغف بالتجديد، والتنوير، ورغبة في صنع الأحداث الرائعة، ومعالجة الفظائع، على كافة المستويات، وكون القياسات والمعايير الجمالية واضحة للمثقف، أو المبدع، وبالتالي، فإن مُضاداتها تكون واضحة، أو حتى أوضح، بالنسبة له، كذلك.

د. منصور جاسم الشامسي
[email protected]