في كتابه الجديد سلمى جدة شعراء الإمارات يضيف الباحث عياش يحياوي رصيدا جديدا إلى مكتبة الإمارات التراثية وبالتحديد إلى ما تمت كتابته عن المرأة في منطقة الخليج والجزيرة العربية. سلمى، ذلك الاسم، الخيالي أو الواقعي، كما ناقشه عياش أو (هي مجرد بنت مضافة إلى اسم والدها)؛ هي مجرد ابنة فلان حتى لو لم يكن والدها ذلك العبقري، صاحب ذلك الأفق الثقافي الذي يعد مرجعية لتقاليد وأعراف بدو الصحراء. فالذاكرة الشعبية التي حفظتها لم تولِ اهتماما كافيا بحفظ اسمها، فقد تم تداول شعرها وسيرتها لأنها فقط ابنة الشاعر الكبير الماجدي بن ظاهر، ذلك الشاعر الفيلسوف، وذلك من أجل توسيع مجال أسطرة شخصية الأب. تعددت أسماء سلمى فربما يكون سلمى هو اسمها الحقيقي وهو يعني (الملدوغة أو الدنيا الغرور) أو مي (القردة الأنثى) أو عفراء (الظبي البطيء الجري) والغريب أن الأسماء الثلاثة ذات دلالات تعطي معاني الضعف والتشويه واللدغ، وهو الأمر الذي يؤكد تدني وضع المرأة في تلك العصور التاريخية، ذلك التدني الذي يصب لصالح الرجل ويقلل من مكانة المرأة ويحجم مركزها.
ومهما كان اسمها ودلالاته فقد حفظها التاريخ كامرأة خارجة عن السياق العام، فقط لأنها استأذنت أباها في قرض الشعر، وهو مجال ذكوري بحت بالنسبة لأعراف تلك الفترة، مفضلة إياه على الدور التقليدي للمرأة وهو الزواج والإنجاب، فكانت حياتها، والتي قضتها متنقلة كما تقول الروايات، أو الذاكرة الشعبية، على طريق القوافل القديم من السلع إلى واحة العين إلى الخران ثم دهان في رأس الخيمة مروراً بفلي والمدام والذيد وفلج المعلا والساعدي، حياة بدوية ناطقة بكل تفاصيل التعب والعناء التي عاشتها جداتنا في الماضي.
ولكن قد يكون أبرز ما في سلمى هو ذاك الشيء الذي ما انفك البحاثة في التاريخ يبحثون عنه: تفاصيل الحياة اليومية للمرأة وكيفية تعامل المجتمع مع امرأة خارجة عن المألوف، أو خارجة عن السياق العام للمجتمع الذي عاشت في إطاره. كيف تعامل المجتمع مع سلمى الشاعرة بدوا من أقرب الناس لها وهو والدها إلى المجتمع المحيط بها والمتمثل حتى في أولئك الذكور الذين رووا قصتها؟ ما هو موقف المجتمع الفكري والأدبي من سلمى الشاعرة، المثقفة التي كسرت أغلال الجهل وكسرت أعراف المجتمع الذي كان يصر على أن يرى المرأة مخلوقا صامتا لا ينطق، مطيعا لا يخالف، جاهلا لا يعلم، منغمسا حتى الثمالة في تقاليد المجتمع البالية، التي كان الذكر يفضل أن يراها باقية عوضا عن أن تزول لأن في بقائها ديمومة للهيمنة الذكورية على المجتمع؟
وعلى الرغم من أن ما ورد عن سلمى مجرد نتف من أخبار اشتقت من حياة والدها، إلا أن هذه النتف كافية لتقدم لنا بصيصاً من نور ينير لنا الطريق لمعرفة الحياة التي عاشتها امرأة من القرن السابع عشر. فبالإضافة إلى ما ورد من أحاديث جمعت من المرويات الشفاهية ومن تلك التي حفظها لنا التراث الشعبي نستطيع من كل ذلك التراث أن نكون صورة حقيقية مقاربة لواقع المرأة في ذلك العصر.
إن محور سلمى هو لسانها الذي قطع أوهدد بالقطع، فعلى الرغم من أن ذلك اللسان لم يحفظ لنا سوى قصيدة يتيمة، إلا أن تأثيره السوسيولوجي والتوثيقي له دلالات كثيرة، فقد حفظ لنا تراث وقيم المجتمع والنظرة النمطية للمرأة الخارجة عن المألوف، والصراعات الاجتماعية والنفسية والقيمية الدائرة في طيات المجتمع. كما رسخ من تلك الصور الذهنية التي حفظتها لنا الذاكرة الشعبية عن وضع المرأة في تلك العصور.
سلمى في رمزية عياش هي الأنثي في الماضي وفي الحاضر، وعلى الرغم من الصعوبة التي يجدها الباحث في التاريخ في تقبل المنهج العام لدراسة الأدب الشعبي والذي يصفه الباحث بأنه يختلف جذريا عن المنهج العام لدراسة علم التاريخ لأن من أهداف علم التاريخ تسجيل الأحداث... انطلاقا من وثائق مكتوبة وأثرية، فإن هدف الأدب الشعبي هو تسجيل النصوص الشفاهية ذات القيمة الجمالية والمعرفية ودراستها من دون أسانيد مادية دون اعتبار أن ما يحدث ضمن النص الشفاهي المسجل حقيقي أو غير حقيقي لأن البحث عن الحقيقة يحدث في علم التاريخ وليس في الأدب الشعبي، الا أن الباحث في التاريخ، وعلى الرغم من ذلك التأطير للتراث الشعبي إلا أنه يظل يرى في ذلك التراث الشعبي ثروة وثائقية لا تقدر بثمن.
ان البحث في التراث الشعبي والغوص فيه في محاولة لتحليله وإظهار معانيه هما في واقع الأمر مهمة كبيرة تتطلب تضافر جهود الباحثين والمؤرخين معا وتفانيهم في إظهار الصورة الحقيقية. فلا يكفي عمل توثيقي أو اصدار شعري أو انشاء أو تأسيس صالون ثقافي لتأطير هذا العمل الذي يحتاج إلى مجهود كبير ومهنية عالية وحب للبحث العلمي والأدبي. إن التراث الشعبي هو المادة التي نستقي منها هوية مجتمعنا في الماضي ومساره الاجتماعي، وهو التراث الذي نلجأ إليه حينما تعتم الدنيا من حولنا ونحتاج إلى بصيص نور يقودنا نحو المستقبل. إنه حاضر الأجداد وماضي الأجيال الجديدة.