يوسف أبو لوز

في قلب الإنسان أربع حجرات، شعرياً، واحدة للحب، وواحدة للحزن، وواحدة للصمت، وواحدة للكلام.. أما المعدة التي يُقال إنها بيت الدّاء فهي حجرة واحدة يجري ملؤها وتفريغها وفق عمل بيولوجي جسدي منظّم.. ويقال إن وجبة من اللحم على سبيل المثال تحتاج إلى أربع ساعات كي تهضم وبعدها تطلب المعدة المزيد من الأكل، لكن هضم الأسماك يتطلّب أقل من أربع ساعات، ولعلَّ الصوفي الأقرب إلى النباتي هو أقرب في طبيعته إلى الكائن الحيّ في الماء، الكائن السريع الهضم.
حجرة المعدة، هذه، أو بيت الدّاء.. كناية عن الأمراض التي تفتك بالإنسان جرّاء تخمته وشراهته في الأكل.. كلّفت البشرية الكثير من الحروب على الطعام، وحتى الملح الذي كان في مطلع حضارات الإنسان يوزن كما يوزن الذهب، واليوم سعره أقل من سعر البصل جرت بسببه حروب وله تاريخ قد لا يكون تاريخاً أبيض مثله.
يشبع الإنسان ويملأ معدته بالطعام والشراب في بذخه الاجتماعي أو في امتلائه المادي الاقتصادي، ولكنّ نفراً في هذا العالم يدجّنون أمعاءهم.. يجوعون اختيارياً، واختيارياً ينأون بأنفسهم عن مجرّات الطعام.

(1)

يرى النباتيون أن أكل اللحم يفسد الروح والنباتي يذهب إلى الخضار والفاكهة، ويمتنع عن تناول أيّ مصدر غذائي ينحدر من حيوان وفق رؤية أخلاقية فكرية فلسفية، ومن الطبيعي أن يكون أهل القرى أقرب إلى مزاج النباتيين، ولكن تحمل الثقافات والحضارات شواهد على نباتيين من الحضر، بل، الكثير من المفكرين والفلاسفة والشعراء نباتيون، وبالطبع، وفق رؤاهم الفلسفية والرّوحية بالدرجة الأولى، وسوف ننتبه هنا أن الحيوانات نوعان: نوع يأكل كلَّ ما هو نباتي ولا يقترب من اللحم أبداً، ونوع يأكل اللحوم، ويدفعه جوعه إلى الافتراس والبحث عن طرائده في الغابة والفتك بها والتهامها بلا هوادة.
يختار الإنسان بمحض إرادته أن يتحوّل إلى كائن نباتي، ويعود ذلك إلى قناعات فلسفية أو فكرية أو ميثولوجية.

(2)

يميل النباتيّون إلى الهدوء، والسكينة الداخلية، معتمدين في طعامهم على ما هو بسيط ومُتاح من غذاء مصدره الحقل وليس الحظيرة، ومن المهم أن نذكر هنا الإشارات أو الدلالات التي يُحيل إليها الحقل، فالحقل الذي يرعى فيه الحيوان النباتي (الماعز، الجاموس، الحصان، الخروف... الخ) - مكانياً، هو فضاء مفتوح، وهو فضاء رحب يشي بالانطلاق والتحرّر والعيش تحت الشمس وفي الهواء الطلق، وتالياً، حرية الحركة للحيوان «الحقلي».. الرشيق، الخفيف، في مرعاه، أما في الجبال فهو قطيع يقوده الرّاعي، ويوجّهه إلى أرض الرعي وغدير الماء، وهذا الرّاعي له حكاية في حدّ ذاته، فهو المغنّي أحياناً لقطيعه، وهو عازف النّاي الوحيد المفرد مع قطيعه، وهو سيّد هذه الحيوانات التي تمتلئ بنسغ العشب وأطياب الماء.. وسوف «تسافر» لحوم حيوانات المرعى إلى تلك الحجرة المعوية المغلقة، وسوف يأخذ الإنسان آكل الحيوانات النباتية شيئاً من طبيعة هذه الحيوانات، أو يأخذ شيئاً من طبيعة الحقل الأفقي المفتوح والرحب حتى لو كان هذا الإنسان يأكل لحماً.. هذا بشأن تأمّل الحقل.
في مقابل حيوان الحقل، هناك إنسان لاحم أو لحومي، غير نباتي بالمرّة. لا يشبع مطلقاً من مائدة نباتية. هذا الإنسان اللّانباتي.. اللحومي تماماً سوف يأخذ الكثير من الطبائع أو الحالات التي تعتري الحيوان اللاحم، وفي كل الأحوال سيعتريه بعد الوجبة الثقيلة اللّاحمة ذلك الركود.. الشبع والاسترخاء. الشعور بالامتلاء تماماً، والشبع تماماً الذي يأخذه رويداً رويداً إلى نوم عميق.
مثل هذه الأكلاف المعوية والنفسية والجسدية (.. أي الركود والثقل والامتلاء حدّ التخمة) لا يُعانيها النباتيون مهما كانت مائدتهم عامرة بالأكل.. وسوف يكون هناك شبع ولكنه لا يشبه مطلقاً شبع المعدة اللاحمة، سيكون هناك استرخاء وركود، ولكنه ذلك الركود وذلك الاسترخاء اللذان يعقبان رحيل الجوع.

(3)

تقول كاتبة تدعى «فارشابهانا في داسي»: إن النهج النباتي يقلل حقاً من قسط العنف في العالم، ولكنها في الوقت نفسه تحرج النباتيين عندما تشير إلى العنف المستخدم في قطف حياة النباتات.. «.. لذا لا يكفي أن نكون نباتيين كيّ نتعالى..».. ترى ألهذا السبب يُدرج القرويون أشجارهم وزهورهم ونباتاتهم في مستوى أبنائهم؟ ولكن هؤلاء الذين يعيشون في الأرياف والقرى النائية عن المدن ليس لهم ثقافة المدن وعاداتها.. إنهم في الغالب نباتيون، وإن لم يكونوا نباتيين بالمعنى السلوكي أو العملي، فلهم، على الأقل أخلاق النباتيين، ذلك أن الفضاء الأوسع للقرية هو فضاء زراعي يُحَتّم على ساكنه أن يكون نباتياً.
من عادات أو من ثقافة النباتي سواء أكان ريفياً أم مدنياً أو مدينياً أن يقتنع بالقليل، بل أن الكلفة الاقتصادية لإنجاز طعام النباتيين، أي طهوه وتحضيره وتجهيزه للأكل هي أقل بكثير من كلفة طهو طعام اللاحمين أو اللحوميين من حيث استخدام النار ومتطلبها الآخر من وقود في زمننا الحاضر، ومن حطب في الزمن الماضي.
كلفة صيد الحيوان من حيث أدوات الصيد وصناعتها أو شرائها بالنسبة لآكل اللحوم أعلى وأكثر من كلفة الحصاد أو جني الثمار أو «حشّ» العشب من الحقل وتوفيره للماشية، ويكفي المزارع أو الريفي (النباتي) أن يخرج إلى حقله، ويقطف قليلاً من حبّات البامياء أو الطماطم أو رؤوس البصل، ويذهب إلى مطبخه ويحضّر طعامه بالقليل من النار والماء، فيما يحتاج آكل اللحم إلى وقت وأدوات أكثر ليصل إلى إشباعه واكتماله المعوي المغلق.

(4)

لم يفكر برنارد شو الذي امتنع عن أكل اللحوم وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وعاش، كما تقول سيرته 70 عاماً لا يأكل اللحم في كلفة النار أو الحطب والوقود عندما أصبح نباتياً طوال هذه السنوات، ولكن هناك دائماً ما يصل العقل بالمعدة، أو حتى القلب بالمعدة، وهنا فما أسوأ وما أثقل تلك العبارة التي يتداولها البعض.. وهي «أن الطريق إلى قلب الرجل يأتي عبر معدته»، فهي من السذاجة والخفة بحيث تجعل من المرأة كائناً ضعيفاً بحيث يستجدي رضى الرجل أو يستجدي قلب الرجل من خلال معدته، وكما أن هذه العبارة ذات الصلة بهذا الموضوع وهو «تاريخ الطعام»، وإن كان تاريخاً غير مكتمل بالطبع، تُسيء إلى المرأة، فهي أيضاً تسيء إلى الرجل.
المهاتما غاندي.. الزعيم الرّوحي والسياسي الهندي حارب الإنجليز بثورة الملح، وعاش ذلك النباتي النحيل على حليب الماعز وغزل قميصه من شعرها، صلب الإرادة، قوي القلب والرّوح.
من اللافت حقاً أن تكون النباتية خياراً نفسياً وصحياً، بل ووجودياً لأبرز مفكري وفلاسفة العالم.
يذكر أن «أبو» الفلسفة اليونانية «سقراط» ظل دائماً يتجنّب أكل اللحوم، هو الذي حوكم في أثينا بقضاء جائر دفعه إلى تجرّع السمّ، ولكنه، واجه مصيره هذا بقوة أسطورية جزء منها يعود إلى ما تركته النباتية في ذاته الشخصية وفي ذاته المفكّرة.
قبل الفلسفة كانت جنة آدم وحواء جنة نباتية، وستكون التفاحة ثمرة الغواية، وبسبب أكل آدم وحواء من الشجرة التي نهى الله سبحانه وتعالى عن الأكل منها هبطا إلى الأرض، يتبعهما الشيطان بغواياته أيضاً. إن جزءاً من عقيدة النباتي هي دينية وليست فلسفية أو فكرية أو إيديولوجية فقط، فالصّوفي مثلاً.. المتقشف، القابل بالقليل، المتلفّع بالخرقة، والماشي حافياً إلى باب الله من مصر إلى مكة هو نباتي في كلّيته الفكرية وجذرها الدين.
تذكر بعض المصادر المسيحية أيضاً أن النبي حزقيال كان يأكل ما هو نباتي في صومه.. قال له الرب، كما تذكر الموسوعة الحرّة وكذلك المرجعيات الدينية.. «.. خذ أنت لنفسك قمحاً وشعيراً وفولاً وعدساً». وما هو نباتي أيضاً كان طعام النبي دانيال.
الروائي الرّوسي «ليو تولستوي» الذي تبدو حياته أو يبدو جانب منها تصوّفياً تقشفياً يعيب على آكلي اللحم باعتبار أن جسم الواحد منهم «يصبح قبراً للحيوان الذي أكله..»، أما آينشتاين.. العقل الرياضي فهو نباتي آخر.. يقول.. «يبدو لي دائماً أن الإنسان لم يولد ليصبح حيواناً مفترساً..».
أبو العلاء المعرّي، ليوناردو دافنشي، نيوتن، جان جاك روسو، أنيس منصور، وغيرهم المئات من أعلام الفكر والأدب والعلم والسياسة نباتيوّن بالفكر أو بالتجربة أو بمعاينة العالم والإنسان والوجود والحياة.

(5)

في رواية زوربا للكاتب اليوناني «نيكوس كازنتزاكي» يولع أحد شخوص الرواية بأكل «الكرز» إلى درجة الشغف اليومي الذي يلفت نظر بطل الرواية، فيدفع بالفتى المولع بتناول الكرز إلى أن يأكل صندوقاً كاملاً من هذه الفاكهة (الحامضة - المالحة) دفعة واحدة، وبلا توقف، الأمر الذي يجعله يُصاب بالتخمة حتى يأخذ بالتقيؤ، وإذْ يرى الفتى قيأه، وقد تحوّل الكرز الذي يحبّه إلى هذا «الشيء» المقرف، فإنه في الحال يُقلع تماماً عن أكل الكرز.
هذا المشهد النباتي الذي يُحيل إلى اعتبار تناول الطعام سواء كان نباتياً أو حيوانياً شكلاً من أشكال العادة يقابله اعتبار الطعام، وبخاصة عند اللحوميين، شكلاً من أشكال السادية المرضية أو شكلاً من أشكال التعذيب، ففي كتاب «تاريخ التعذيب» لِ «بيرنهاردت ج. هروود» من ترجمة الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان، يتحدث المؤلف عن إمبراطور يدعى «القيصر كايوس» المشهور باسم «كاليغولا» فقد «.. كان مهووساً هوساً كاملاً، وكان يجد في ممارسة التعذيب أفضل وسيلة لقضاء الوقت. وكان من المألوف عن هذا الحاكم المعتوه أن يجلب السجناء أو العبيد ليعذبوا إلى جانب مائدة العشاء حيث يقوم بتسلية ضيوفه..».
في هذا المشهد العصابي لمائدة القيصر الشره يرتبط العته أو الجنون أو الشراهة المعوية بالشراهة في القتل ورؤية الدم، وبعض كتب التاريخ تروي كيف أن بعض الطغاة كانوا يتناولون طعامهم على سجاجيد مفروشة على جثث وجماجم أعدائهم.