الشك والوهم والقلق، مثلث خطر من الانفعالات التي تعني سيطرتها مجتمعة على أفكارنا وسلوكياتنا دق ناقوس وسواس قد يبدأ بالتفشي في حياتنا كأفراد، ويقتل أوقاتنا ويأخذ من جهدنا وتفكيرنا، ويجعلنا بإرادتنا ونحن بكامل قوانا العقلية، نسلم للإصابة بالوسواس القهري، هذا المرض العصبي الذي تتلخص أعراضه بسلوكيات وعادات يومية غير أساسية بل أحياناً غريبة يمارسها الفرد، وهو مدركٌ تماماً عدم جدواها، لكنه لا يستطيع التوقف عنها وعن التفكير بها، بينما تتباين خطورته (أي المرض) بحسب نوعيته وحجم تأثيره في الشخص والمجتمع المحيط به، إلى جانب مدى استمراره وسيطرته على الفرد لتوصله إلى مرحلة تتطلب العلاج النفسي وتناول العقاقير .
يجب على مَنْ يريد أن يقرأ ويبحث أكثر ويتعمق في تفاصيل هذا المرض أن يحذر من الوقوع في وسواس الإصابة بالوسواس القهري، أي أن يختلط عليه الفرق بين ملاحظته لعادات سلوكية يمارسها، وبين سلوكيات الوساوس، وهي نقطة جوهرية مهمة عمدت الصحة والطب من خلال هذا التحقيق إلى مناقشتها والتركيز عليها وتوضيحها عبر آراء الأطباء المختصين، بعد عرض نماذج من حالات الوسواس القهري التي يعانيها بعض الناس، والتعرف إلى ماهية هذا المرض، وأسبابه وأنواعه، وطرائق علاجه .
غسل اليدين
تقول فاطمة مزهر: كنت أعاني أكثر أنواع الوسواس القهري انتشاراً، وهو الغسل المتكرر لليدين، ولم أكن في بداية الأمر أجد أن في الأمر مشكلة، ولكن مع مرور الزمن بدأ أهلي وأصدقائي يلفتون نظري للمسألة، ويقولون لي أنت تعانين وسواساً في غسل اليدين، وحين بدأت أنتبه إلى الأمر شعرت بالفعل بمبالغة لا أستطيع السيطرة عليها، وأخذت تزداد وتزداد حتى وصلت إلى مرحلة الأذى العضوي، حيث أصبحت أعاني بعض التقرحات الجلدية، وأخبرني الطبيب بضرورة أن أتوقف عن غسل يدي بالماء، وأن أراجع طبيباً نفسياً بالتزامن مع علاج التقرحات حتى لا تزداد المسألة، التي باتت بحاجة للسيطرة الفورية، وبالفعل لجأت إلى طبيب نفسي، ولم أحتج إلى أكثر من ثلاث جلسات اقتصرت على الحديث والتفكير، اتخذت من بعدها قراراً حاسماً وتغلبت فيه إرادتي على مشكلتي دون الحاجة إلى أي عقار طبي .
الشك والعزلة
أما (محمود . ع)، فقد كان ولايزال يعاني مشكلة الشك بكل مَنْ حوله، ويقول: أفقدني الشك زوجتي والعديد من أصدقائي وأهلي ومَنْ حولي، فلديّ شعور دائماً بأنني أتعرض للخيانة والغدر، وأن هناك مَنْ يحاول الإيقاع بي ويخطط لإيذائي، وأنا مدرك تماماً أن المجتمع والمحيطين بي ليسوا بهذا السوء الذي أتخيله، وأن المشكلة في تفكيري وليست بمن حولي، ولكني يئست من العلاج، وبالفعل استسلمت لحالتي، فمنذ سنتين وأنا أزور أطباء نفسيين، وقد استخدمت كل وسائل العلاج من جلسات وعقاقير طبية، أوصلتني إلى مرحلة العزلة والاكتئاب، وأصبحت لديّ قناعة بأنني لن أستطيع العيش بعيداً عن هذه الأفكار التي تملكتني وسيطر على حياتي، لذا تأقلمت معها وأصبحت حياتي شبه معزولة عن كل مَنْ حولي، وهو الحل الوحيد الذي جعلني أشعر بقليل من الراحة والاستقرار، على الرغم من أن هناك شعوراً بدأ ينتابني بأنني أنا وضعت نفسي في هذا الوضع حتى أنتقم من ذاتي على أمور اقترفتها، وباختصار أصبحت أشك في نفسي .
كلنا نعاني
ومن جهته يقول محمد المحيسن، مدرس: في الواقع كلنا نعاني وسواساً قهرياً، وبمجرد أن نراقب أنفسنا نلاحظ أننا نقوم بسلوكيات أساسية يومية على الرغم من عدم فائدتها كالتأكد مراراً وتكراراً من إغلاق السيارة على الرغم من معرفتنا السابقة بأنها مغلقة، ولكنها تصبح عادة، وأعتقد أن هذه المسائل هي عرضية وبسيطة لا تصل إلى حد الوصف المرضي والحاجة إلى العلاج، ولكن القليل من الإرادة والوعي بضرورة التوقف عن هذه السلوكيات بتجاهلها والجزم بضرورة التغلب عليها حتى لا تتفاقم، وأنا كولي أمر لاحظت على طفلتي أنها فور عودتها من المدرسة تذهب إلى الاستحمام يومياً، ولا يمكن لأي أمر أن يعطلها عن هذه المهمة، وقد حاولت منعها مراراً وتكراراً لشعوري بأن الأمر قد يتطور إلى عادة دائمة لا تكون في مصلحة صحتها وسلامتها إذا استمرت معها في فترة الشتاء، لذا حاولت أن يتأكد لي من مدى إدمانها على هذا السلوك من خلال منعها، وبعد إصرارها وبكائها الشديد من أجل الاستحمام شعرت أن الأمر بدأ يتطور إلى حد الوسواس .
وسواس الأمراض
أمرض من القراءة عن الأمراض، بهذا لخصت (سوزان . م)، معاناتها وسواس توهم المرض والقلق منه، وقالت: أتجنب أن أسمع أو أقرأ عن أي أعراض لأي مرض مهما كان بسيطاً لأنني مباشرة أبدأ بالتهيؤ والتخيل بأنني مصابة به، حتى لو كان من غير المنطقي أن أصاب به، وأذكر أنني حين كنت في السادسة عشرة من العمر سمعت عن آلام الحمل من صديقة والدتي فبدأت أشعر بها، مع إدراكي التام لوهمية هذه الأعراض وأسبابها، ولكنني لا أستطيع الامتناع عن الشعور والتفكير بها لمرحلة الألم، وكانت تزداد حالتي مع زيادة استهزاء مَنْ حولي بي، وقد لجأت إلى طبيبة نسائية وإلى أطباء أمراض باطنية لأقنع نفسي بأن هناك مشكلة عضوية، وتناولت الكثير من الأدوية بلا جدوى، وفي نهاية المطاف سلمت بتشخيص أحد الأطباء بأني أعاني وسواساً قهرياً ويجب أن ألجأ إلى طبيب نفسي حتى لا تتطور حالتي .
وتابعت: بالفعل لجأت إلى طبيب نفسي وتماثلت للشفاء من تلك الحالة التي لازمتني سبعة أشهر، وأنا الآن أبلغ من العمر 20 عاماً ومازلت أتجنب القراءة عن أي مرض ومعرفة أعراض أي مشكلة صحية لخوفي الشديد من أن أعود لمعاناتي الأولى خاصة أنني مازلت أشعر بضعفي أمام تخيلاتي وأفكاري التي تسيطر علي .
الأسباب
يقول الدكتور عابد أبو مغيصيب، دكتور الأمراض النفسية في مستشفى النور: إنه لا يوجد سبب واحد ومحدد يؤدي إلى الإصابة بمرض الوسواس القهري، فالظروف والعوامل النفسية والقدرات البشرية مختلفة، ولكل حالة مسببات تتنوع بين القلق والخوف والفراغ وعدم الاستقرار في حياة الفرد أو وجود طاقة وقدرات لا يتم استثمارها في المكان الصحيح، فيلجأ الشخص لتفريغها بأسلوب خاطئ، ويقابل التنوع في المسببات النفسية، حقيقة عضوية ثابتة ومشتركة يمكن تشخيصها في مختلف أنواع الوسواس القهري، وهي وجود مشكلة في الجزء الأمامي من المخ، أي الجزء المسؤول عن الإحساس بالخوف والخطر والقلق، إلى جانب اضطراب عصبي في التركيبات الأكثر عمقاً للدماغ، أي في العقد العصبية القاعدية التي تتحكم في قدرة المرء على البدء والتوقف عن الأفكار، وهي أسباب تحتاج إلى لعلاج بالأدوية والمتابعة المستمرة لعينات العقاقير اللازمة للعلاج، لذا حين نتحدث عن الوسواس القهري نحن لا نتحدث عن مرض نفسي فقط، بل هناك جانب عضوي تتفاوت حجم الأضرار فيه من حالة إلى أخرى وبالتالي تتفاوت نوعية العلاج ومدته .
الوقاية والعلاج
وتابع الدكتور أبو مغيصيب: لا يجب الاستهانة بعلاج الوسواس القهري أو الاعتقاد أنها سلوكيات قد تتوقف مع مرور الزمن بشكل مفاجئ، فالكثير من المرضى يستسلمون لبعض السلوكيات على اعتبار أنها حالة عرضية ستنتهي بانتهاء الخوف أو الضغط والقلق، وهنا الخطورة، فالتعامل مع الوسواس القهري يجب أن يكون بالاعتراف بأنه مرض نفسي له جوانب عضوية متفاوتة تحتاج إلى علاج، وإلا قد تؤدي إلى أضرار تتعدى حدود مضيعة الوقت واستنزاف الجهد إلى مرحلة الأذى النفسي والجسدي بل والاجتماعي، بحسب كل حالة، والخطوة الأولى للعلاج تكون بالإرادة وعدم الاستسلام، واتخاذ قرار المواجهة والبدء بالعلاج الذي ينقسم إلى ثلاث حالات، الأولى وهي المزمنة، تحتاج أولاً إلى أدوية خاصة بالعلاج النفسي والعصبي، ثم بعد ذلك تبدأ جلسات العلاج النفسي . والحالة الثانية هي المتوسطة، تكون بتزامن العلاج النفسي مع الأدوية . أما الحالة الثالثة فهي العرضية التي تحتاج إلى جلسات من العلاج النفسي فقط . وبالتأكيد لكل حالة أدويتها وعدد الجلسات النفسية التي تحتاج إليها .
ماهية المرض
وعن ماهية الوسواس القهري يوضح الدكتور محمد عدنان الغوراني، الأستاذ المشارك في قسم علم النفس بجامعة الإمارات: إن الوسواس القهري هو نوع من أنواع القلق الذي تكوّنه حزمة من الاضطرابات العصبية، تؤدي إلى سلوكيات غير طبيعية يمارسها المريض كوسيلة يفرغ فيها ما يشعر به من قلق أو خوف أو شك . والوسواس القهري كمصطلح يختصر مشكلتين تتعلقان بالاضطراب النفسي، وهما الأفكار الوسواسة والسلوكيات القهرية، أي الأفكار التي تسيطر على ذهن الإنسان وتتكرر حتى تدفعه إلى القيام بسلوكيات لا يريد القيام بها، ويصعب عليه الامتناع عنها فيمارسها مقهوراً مجبراً، ولأكثر من مرة، بحيث تأخذ من وقته وتستنزف جهده وتفكيره، مع إدراكه عدم فائدتها وأهميتها، وعجزه التام عن التوقف عنها .
عادة أم وسواس؟
ويرى الدكتور محمد عدنان الغوراني أن الكثير من القراء فور اطلاعهم على المعلومات المتعلقة بالوسواس القهري يبدأون بالتفكير بمدى إصابتهم بهذا المرض بل والاعتقاد فعلياً أن لديهم وساوس سلوكية أو فكرية . وهنا علينا الفصل والتوضيح في نقطتين، أولاً التعرض للمعلومة الطبية الجديدة والبحث فيها، ومن الطبيعي أن نفكر بها وتأخذ وقتاً في تفكيرنا، ولكن يجب ألا نذهب إلى حد تلبس الحالة أو البحث عن أي سلوك يمكن أن يتصل بها . وهنا تأتي النقطة الثانية، بأن نميز بين العادات والسلوكيات، فمن الطبيعي أن يكون لكل منا سلوكيات خاصة به تختلف عمن حوله، بل هو الأمر المفروض بأن نختلف في ممارساتنا وسلوكياتنا، ويصبح الأمر وسواساً أو مرضاً حين تزيد هذه السلوكيات عن النمط الطبيعي، وتكون مصحوبة بفكرة قهرية تجبرنا على ممارستها، وأعطي مثالاً للتوضيح، بأن يقوم شخص بغسل يديه مراراً وتكراراً وبمعدل كبير ولكن غير مبالغ فيه، هو سلوك طبيعي يزيد أو ينقص باختلاف الأشخاص، ولكنه يصبح غير طبيعي حين يشعر الشخص بأنه يضطر لترك عمله أو مَنْ يجلس معهم ليغسل يديه ويكرر العملية وهو منزعج ومقهور، هنا تصبح الحالة مرضية بحتة، وخلاصة القول هو أن السلوك قد يتحول إلى وسواس قهري حين نكرره بمعدل غير طبيعي ونحن مرغمون عليه .
الاعتقادات الخاطئة والتوعية
وحذر الدكتور محمد عدنان الغوراني من بعض الاعتقادات الخاطئة التي مازالت في ذهن بعض من أفراد المجتمع حول الطب النفسي عموماً والوسواس القهري بشكل خاص، وقال: لابد من حملات التوعية بأهمية العلاج النفسي وضرورته كأحد أفرع الطب المساهمة في رفع الضرر عن المريض ومساعدته، والتأكيد على أن المريض النفسي ليس إنساناً معقداً أو مختلاً عقلياً، بل على العكس تماماً، فهو إنسان طبيعي يعاني مشكلة عصبية نفسية ناتجة عن ظروف قاهرة أحاطت به، بل يحتاج إلى عناية واحتضان جماعي وأسري كبيرين . وتابع: إن من ضمن الأفكار الخاطئة عن الأمراض النفسية ما يظنه البعض عن الوسواس القهري بأنه وسوسة شيطان، مشتقين مصطلح الوسوسة من ذلك المفهوم لديهم، معتقدين أن علاج هذه الحالة المرضية يكون بالقرآن الكريم والدعاء بأن يبعد الله عز وجل الشيطان عن المريض، ومع حتمية أهمية التوكل على الله في كل أمر والجدوى العظيمة للدعاء في الطب والاستشفاء إلا أن هذا الأمر لا يكفي، وقد أمر الله عز وجل بالعلاج والأخذ بالأسباب، وسخر لنا العلم والعمل لنبحث ونداوي، وأمرنا بالاجتهاد والتعقل مع التوكل، لذا يجب أن يعي أفراد المجتمع الترابط والتلازم بين العلاج الروحاني والطبي الذي لا يتعارض مع المبادئ والتعاليم الدينية، التي تحض على العلم والأخذ بنتائجه، ويجب أن تكون هناك حملات توعية للتعريف أكثر بماهية الأمراض النفسية والأشكال التي تكون عليها حتى ندركها ونقدم يد العون لمن يعانونها دون أن يشعروا وتحديداً مرضى الوسواس القهري، فالقلق والتوتر اللذان قد ينتابان المصابين بهذا النوع من الأمراض العصبية قد يشكلان خطراً حقيقياً عليهم .
دور المجتمع
وأضاف الدكتور الغوراني: إن المجتمع المحيط بمريض الوسواس القهري يؤثر فيه بشكل مباشر إما سلباً أو إيجاباً، ويكون سلبياً حين يقوم أفراد أسرة المريض أو المحيطون به بتجاهل حالته وعدم الاكتراث لها معتقدين أنهم بهذه الطريقة يساعدونه على التخلص من وساوسه، وهو بالتأكيد اعتقاد خاطئ، وللأسف سائد بين العديد من الناس، وعليهم أن يدركوا أنهم بهذه الطريقة يسمحون للوساوس بأن تزداد وتتطور، فهنا هم لا يتعاملون مع عادات سلوكية عادية ستتغير أو تتبدل بمرور الوقت، بل مع وساوس سلوكية مصحوبة بأفكار عصبية جعلته ينتقل إلى مرحلة مرضية تحتاج إلى علاج فوري، لذا أشدد على أهمية أن نميز بين العادات السلوكية والوساوس، أما فيما يتعلق بالجانب الإيجابي الذي قد يمارسه المحيطون بمريض الوسواس القهري فيكون بلفت انتباهه إلى ما يصدر عنه من سلوكيات مبالغ فيها أو أفكار غير منطقية وغريبة تسيطر عليه وتحكم تعامله مع الناس، وتشجيعه على ضرورة العلاج ومتابعة حالته وتقديم يد العون والمساندة له .