لقد رافق تطور كتابة القصة والمسرحية العراقية خلال هذه الفترة اهتمام نقدي جدي يرتكز على أسس ومعايير موضوعية بعيدة إلى حد كبير عن الأهواء والمواقف الشخصية. ونتيجة لحاجة الكاتب للاطلاع المتزايد على الأدب الأوربي، بدأت تظهر بوضوح تأثيرات عدد من الكتاب الأوربيين الكبار في الكتابات القصصية والمسرحية العراقية على رغم التأكيدات المتواصلة على (ضرورة خلق أدب محلي مستمد من التربة العراقية).

أثارت سلسلة المقالات التي كتبها سهيل إدريس في مجلته (الآداب) البيروتية عام 1953 بشكل خاص، عن القصة العراقية اهتماما خاصا من قبل القراء والكتاب العراقيين. لقد اظهر (إدريس) تقديرا عاليا لأعمال بعض الكتاب العراقيين مثل فؤاد التكرلي وعبد الملك نوري وشاكر خصباك ومهدي عيسى الصقر، وأعتبر قصصهم وروايتهم في طليعة الأدب القصصي العربي من حيث تعبيرها عن واقع المجتمع. واستعراضاً لبعض الردود والتعليقات التي ظهرت في الصحف العراقية واللبنانية حول هذه المقالات في حينها، يكشف لنا، وللمرة الأولى ربما في تاريخ الأدب العراقي الحديث، عن وجود وعي نقدي لا يخلو من النضج والقوة لدى العديد من أصحاب القصة والمسرحية أنفسهم.

ولعلّنا نقف للمرة الأولى على محاولات جادة يبذلها هؤلاء الكتاب من أجل العناية بالأسلوب، وإعطاء الجانب الفني في المسرحية والقصة درجة أكبر من الأهمية. فالتصوير المسطّح للواقع ليس مرادفا للواقعية، والتعبير الفتوغرافي عن البيئة لم ينتج أدباً حقيقياً، بل إن التكلّف في نقل الآلام والمصائب ينتج زيفا وصورا مشوهة ، كما ورد في رسالة للقاص والمسرحي فؤاد التكرلي إلى زميله عبدالملك نوري في 31/1/1951.

وقد كانت اللقاءات والمراسلات بين الكتّاب العراقيين خلال هذه المرحلة تكشف، هي الأخرى، عن المعاناة التي يمر بها الكاتب من أجل إيجاد طريقه الخاص. ولنستمع، على سبيل المثال، إلى هذه الشهادة للروائي العراقي المعروف غائب طعمة فرحان: كان عبد الملك نوري أكثرنا حساسية إزاء هذه الأشياء. كم مرة قال لي: غائب إن الموضوع جيد.. ولكن الأسلوب.. اللغة.. وطريقة الكتابة. وكنت أعود أحيانا إلى البيت باكيا.. أريد أن ألتقط هذه الأشياء التي يصعب التقاطها..أبكي فشلي.. أريد أن أتلمس أخطائي وأتحسسها..كيف أعبّر عن نفسي.

الواقعية

وقد احتل القاص عبد الملك نوري،بشكل خاص،منزلة الأستاذ والموجّه الذي قاد التيار الواقعي خلال تلك الحقبة. سواء بقصصه ومسرحياته القليلة،أو عن طريق مقالاته وآرائه حول الواقع. ومسرحيته القصيرة (رسل الإنسانية) الصادرة عام ،1952 تدور حول حياة مجموعة من الأطباء، يعملون في مستشفى حكومي ولكنهم يتمادون في إهمال (رسالتهم الإنسانية) فيهملون المرضى،ويشربون الخمر، ولايتورع أحدهم في إحدى الليالي،وتحت تأثير السكر، عن اغتصاب مريضاته الشابات.

وهي مسرحية لم يكن النجاح الذي حققته كافيا لتكريس صاحبها للكتابة الدرامية مع أنها مكتوبة بعناية كبيرة. ونحن نحس في هذه الدراما القصيرة بشيء من المبالغة والقسوة في تناول حياة هؤلاء الأطباء وتصرفاتهم (غير الإنسانية)، بحيث نشعر أن ما كتبه نوري في ما بعد من تفضيله لتشتانيبك على كالدويل بسبب تعاطفه مع أبطاله، لا ينطبق على موقفه هو من أبطاله في هذه المسرحية.

وهكذا ورغم الوعي الفني الواضح في كتابته، والميل إلى المزاوجة بين الثقافة الأروبية والمحلية فإن عبد الملك نوري لم يسلم، هو نفسه، من الهجوم، خصوصا في القصص والمسرحيات التي ظهرت في المرحلة الأولى من حياته. فقد اتهم بأنه مقلد لتشيخوف وأنه (سرق) قصته (الصديقتان) من قصة لكاتب إسباني، وأن قصته الأخرى (نشيد الأرض) مأخوذة عن قصة لدستوفسكي... الخ. في حين يرى عبد الملك نوري نفسه أن زميله فؤاد التكرلي متأثر تأثرا شديدا بشخصيات دستوفسكي، ولكنه لايلومه على ذلك. فالتأثر بكاتب عظيم مفيد جدا، على شرط أن يجري التنبّه إلى الفرق بين الانبهار والتأثر. فالأول يبعد الأشخاص عن محيطهم، أما التأثر فإنه ينقذ الكاتب من الانقطاع والعزلة. وهكذا نجد أن ثمة ميلا لدى بعض الكتاب العراقيين للبحث عن الكاتب الأروبي الذي يختفي وراء كتابات أصدقائهم. وستكون الكتابة بهذا الاتجاه أكثر حماساً وقوّة كلما كان العمل المعني يحتوي على عناصر أكبر للنجاح.

وفي الواقع فإن المتفحص لبعض الأعمال التي ظهرت خلال تلك الفترة من سنوات الخمسين يحس بوجود رغبة أكبر للاستفاده من تكنيك الرواية والمسرحية الأوربية. فغائب طعمة فرحان الذي حولت روايته النخلة والجيران إلى واحدة من أنجح المسرحيات العراقية، مغرم بالكاتب الروسي (غوركي) في وصفه الواقعي الدقيق للأجواء الشعبية؛ وأكثر أبطاله يتميزون،مثل أبطال غوركي، بطبيعة ساذجة ولكنهم ذوو إرادة قوية إذا فرضت عليهم الظروف الاجتماعية ذلك. والفعل الدرامي في كتاباته لا يكتسبه من موقعه في العمل القصصي من دون علاقة بالظروف الاجتماعية والنفسية التي ترافق تطور أبطال قصصه ورواياته.

أما شاكر خصباك، فقد حاول في مسرحيته (حياة عائلية) و(الغرباء) اللتين طبعهما بعد 1958 أن يدرس نمو الحس السياسي داخل العائلة العراقية من الطبقة المتوسطة، ويرصد ردود الفعل المختلفة إزاء العمل الحزبي المنظم حينما ينخرط أحد أفراد هذه العائلة في احد الأحزاب السرية. وهي مسرحيات لايمكن للمرء أن يقرأها من دون أن تنبعث في ذهنه بقوة أجواء كتابات الكتاب الروس الذين ظهروا بعد ثورة أكتوبر/ تشرين الأول الاشتراكية، وغوركي منهم، على نحو خاص.

بينما تكشف كتابات القاص والكاتب المسرحي (نزار سليم) عن تأثر بكاتب آخر، هو الأمريكي ذو الأصل الأرمني (وليم سوريان). ولعل ذلك هو السبب في اهتمام (سليم) مثل (سوريان) بالحالات الحياتية المبسطة والعلاقات الحميمة. ولعل الحساسية (المرضية) التي كان يعاني منها بطل مسرحيته (اللوحة) 1952 هو من حصيلة هذ التأثر أيضا. فالرسام (أحمد) بطل هذه المسرحية سيواجه لدى رسمه إحدى اللوحات حدثا مشؤوما في حياته. وحينما تخبره العرافة الشعبية بعد رؤيتها تلك اللوحة أن حدثا سيقع لا محالة في حياته، تزداد مخاوفه قبل أن يعلم بانتحار صديقه (هشام) الذي كان يخفي حبه ل(ماجدة) حبيبة الرسام أحمد.

ورغم أنها مغرقة في روحها الشعبية، فان بعض مسرحيات (عبد الستار العزاوي) تعكس أثرا لكاتبين روسيين آخرين هما (غوغول) و(ديستوفسكي) من حيث عنايتها بالشخصية المأزومة، أو الواقعة في محنة اجتماعية تؤدي إلى أن تفقد هذه الشخصية الواقعة في محنة اجتماعية انسجامها وتوازنها النفسي في النهاية.

ولعل مسرحية (خليّها صنطه) أي (لا تقل شيئا) نموذج لهذا النوع من التأثر العام بأجواء دستوفسكي على نحو خاص، رغم أن الكاتب نجح في خلق جو عراقي حميم في مسرحيته التراجيدية هذه، ف(ممدوح أفندي) موظف بسيط يعمل رئيسا لشعبة صغيرة في إحدى دوائر الدولة. ولكن الصعوبات التي يلاقيها في حياته الخاصة (عائلة كبيرة، إيجار متأخر لأشهر عدة، ابن صغير مصاب في عينيه بسبب خطأ من والده) تجعله دائم القلق على مستقبله في الوظيفة. فهو يتخيل لسبب مجهول أنه سيُطرد من هذه الوظيفة وتلقى عائلته الجوع.

ويتحول عنده هذا الإحساس مع مرور الوقت إلى وساوس وكوابيس تغذيها بعض الأخطاء الصغيرة التي يرتكبها في أحد سجلات الدائرة من دون علم مديره. فهو يرى مرة في الحلم (ألف كاتب طابعة تقريبا يطبعون أمر فصله من الوظيفة.كلهم يضربون ضربة واحدة.. ترت ترت ترت.. وبيد واحدة كما لو كانوا يضربون على بيانو).

ويستغل بعض زملائه في الشعبة هذه الناحية عنده فيجعلونه هزأة بينهم ما يدفعه إلى ارتكاب مزيد من الأخطاء تنتهي بأن يوجّه له مديره القاسي إنذارا يؤدي إلى انهياره.

هذه الشخصية فيها من دون شك، ملامح من بعض شخصيات دستوفسكي (المُذلة والمُهانة). وكذلك في بعض شخصيات غوغول. ولست أدري لماذا كانت صورة (أكاكيفتش) في (المعطف)، قصة (غوغول) الشهيرة تلوح لي طيلة تتبعي لمأساة ممدوح في مسرحية عبد الستار العزاوي هذه. ألأن الوظيفة عند هذا الأخير، مثل (المعطف) عند الأول، صارت رمزا يختصر وجود هذا الإنسان ويفسر حياته، بحيث إن فقدانها يصيب هذا الوجود القلق بعطب بالغ، لابرء ولا خلاص منه؟

وفي هذه الفترة أيضا بدأت تتسرب إلى الكتابات المسرحية العراقية بعض الأفكار الوجودية. خصوصا ما يتصل منها بكتابات (سارتر) و(كامو) اللذين بدأت تصل أفكارهما إلى العراق منذ الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي وتجد تفاعلا وحماسا لدى العديد من الشباب المثقف.

وفي (فقاعات) وهي مسرحية قصيرة من فصل واحد ل(عبد الصمد خانقاه)، وصف لحياة بعض أولئك (الوجوديين) وسخرية من ذلك الشباب (الضائع) الذي يتعلق بسذاجة ببعض الأفكار والمصطلحات عن (الحرية) و(الوجود) و(الإرادة )، ويحاول أن يصوغ حياته وفقا لها رغم نقص فهمه إياها. غير أن (نديم) الشاعر الوجودي وصاحبُه الشاب الحالم (أكرم) بطلي المسرحية، سرعان مايصطدمان بقسوة الواقع ولا يجدان تفسيرا واضحا للتعارض بين (غنى) أفكارهما، و(بؤس) واقعهما!

فهما لا يجدان حتى ثمن علبة السجائر في جيوبهما، فيضطران إلى اقتراض بعض المال من خادم الفندق الذي يسكنان فيه في العاصمة بغية طبع ديوان الشعر الذي كتبه (نديم).

أكرم: لاشك أن وجودنا هو محور الحياة.

نديم:بلا ريب، والمهم هذه الرابطة بين الذوات التي تتركز حول وجود الإنسان. فلا شيء غير الإنسان، ولا شيء غير تلك الرابطة التي هي خليقة أن تكون حرة حريّة مطلقة..

والمهم أن لا تهتم مطلقا بالمشاكل والإهانات..إذ لا شيء غير حريتك المطلقة... كل ماعداها فقاعات خلقها المجتمع لتمسح عقول أصحابه بمبادئ عتيقة، وأوهام الأنظمة والأعراف.. أفهمت؟.

هكذا يتحدث نديم الشاعر الوجودي في هذه المسرحية من دون انقطاع، بينما يتضور صاحبه من الجوع. وحينما يُطردان من الفندق لا يجدان غير الحديقة العامة مكانا (حرا) يمضيان فيه ليلتهما، متحولين شيئاً فشيئاً إلى مشردين يمدان أيديهما إلى العابرين. ولعل مما له دلالة خاصة أيضا أن الديكور في عدد لابأس به من المسرحيات الصادرة في هذه الفترة يصبح هو الحانة. وهي مكان يتقلص فيه الفعل الدرامي وتسود فيه الثرثرة اللفظية والفكرية البائسة، ومحاولة استبطان المشاعر الداخلية، واستذكار الماضي الخاص بكل شخصية. أي أن مواجهة الواقع في كل هذه المسرحيات لا تكون إيجابية فاعلة. وتلعب الكحول في مكان كهذا دوراً أساسياً باعتبارها وسيلة لقتل الوقت وللتغلب على اليأس والفشل، والدخول في عالم من الأوهام والمشاريع المؤجلة.

وهذا (سامي) بطل مسرحية خانقاه الأخرى (الظلام) يشرح لبعض أصدقائه سبب وجوده الدائم في تلك الحانة القذرة.

- سامي.هأ..هأ.. نعم هو كذلك.. لقد قضيت عشرين عاما وأنا أنظر إلى ملابسه ).. وأنا هكذا كما تراني أخسر الحياة وأفني العمر بين الأوراق وجدران المنازل. ولّى الشباب.. أجل ولّى الشباب وذهبت الأفراح، ولكني يا حمدي أفندي تداركت الأمر، وهاأنت تراني أعوّض مافات بهذه المعبودة (يرفع الكاس إلى فمه ).

وهكذا يتحول الفشل المادي في الحياة إلى فلسفة عدمية تجد التعبير عنها هنا، وهناك لدى شخصيات هذا المؤلف.

ينتهي الليل ويبدأ النهار. الثور لايزال يدور.. يدور معصوب العينين.. الجدار الأسود يظل يصدم أفكاري. لا شيء إلا الجدار.. إلا ساعات السأم تملأ حياتي. وحتى حين يتحول الديكور في هذا النوع من المسرحيات إلى الصالونات الفخمة، ويتحول الأبطال فيه من مستوى هذه الطبقات (الدنيا) إلى الطبقات العليا،كما هو الحال في مسرحية (التافهون) لعبد الصمد خانقاه، فإن هذا الشعور بالملل والغثيان يبقى يطال الجميع. وحين (يحاول صادق بيك) أن يشرح لأصدقائه أسباب ذلك الضجر وإحساس اليأس والإحباط الذي يحيط به رغم ما يتمتع به من جاه وغنى، فإننا لا نجد في كلامه سبباً واضحاً لذلك غير التأثر ببعض الأفكار الوجودية المأخوذة من هنا أو هناك.