الشارقة عثمان حسن:

تعود بدايات، التجربة الشعرية المعاصرة في اليمن، إلى ثلاثينات القرن الماضي، وهي تجربة ثرية في تتبع تحولاتها الجذرية، مروراً بالمرحلة التقليدية والرومانسية إلى بداية السبعينات والثمانينات التي تجلت فيها كثير من التطورات الجمالية والفكرية على صعيدي المضمون والشكل، وما يعرف بإرهاصات قصيدة النثر، التي تسجل في ذاكرتها العديد من الأسماء التي سنأتي على بعضها.

وقفت التجربة النقدية بموازاة حركة الشعر اليمني الحديث، وهناك كتابات أرخت لهذه التجربة، أبرزها الدكتور عبد العزيز المقالح، وحاتم الصكر، ود أحمد قاسم الزمر، د. عبد الحميد الحسامي، فضلاً عن كثير من النقاد والمبدعين والأكاديميين الذين قدموا دراسات مستفيضة حول هذه التجربة، فاستقصت بداياتها عند الرواد وما بعدهم، كعبد العزيز المقالح، عبد الله البردوني، وإسماعيل الوريث، لطفي جعفر أمان، عبد الودود سيف، القرشي عبد الرحيم سلام، محمد محمود الزبيري، شوقي شفيق، محمد حسين هيثم، أحمد ضيف الله العواضي، علي لقمان، محمد عبد السلام منصور، بوصفهم شعراء رواد الحداثة في اليمن.

التجربة الشعرية ل عبد الله البردوني -على سبيل المثال- وكما يؤكد الناقد المغربي صلاح بوسرف، «زاوجت في شكلها ونمط كتابتها بين زمنين، وتصورين في الكتابة، وهو من الشعراء النادرين الذين حفروا في مجرى القصيدة العمودية، أفقاً فردياً يتميز بفرادة تلك الإضافات التي ميزت تجربته، كما ميزت تجربة الجواهري قبله».

يقول عبد الله البردوني في قصيدة «هائم»:

قلبه المستهام ظمآن عاني

                يحتسي الوهم من كؤوس الأماني

قلبه ظامىء إليك فصبي

                     فيه عطر الهوى وظل التداني

واذكري قلبه الحبيس المعنى

                واملئي الكأس من رحيق الحنان

إنه عاشق وأنت هواه

                        إنه فيك ذائب الروح فاني

أنت في همسه مناجاة أوتار

                       وفي صمته أرق الأغاني

إنه في هواك يحرق بالحب

                      ويدعوك من وراء الدخان

سابح في هواك يهفو كفكر

                    شاعر يرتمي وراء المعاني

تجربة لطفي جعفر أمان، أكدت مسار التشكيل الخاص لهوية شعرية يمنية حديثة، مغايرة للسائد قبلها أو معها وهو من الأسماء التي تتكرر مع محمد عبده غانم، وعلي محمد لقمان، ومن قبلهما صالح الحامد من حيث الوعي التعبيري والتشكيل الفني الجديد الممسك برؤية رومانسية، كما يؤكد ذلك د. علي الحداد، في حين مثلت تجربة إسماعيل الوريث واحدة من التجارب الإبداعية المتميزة على صعيد التأسيس لحداثة واعية، كما هو عند د. عبد العزيز المقالح، الذي قفز بالتجربة نحو أفق حداثي واع، وفق أسلوبية ذات رؤية وعمق ومغايرة.

بحسب كثير من النقاد، كان الشعر المعاصر في اليمن، في تحولاته يركز على الجوهر أكثر من تركيزه على الشكل، ويقصد بذلك النماذج المتطورة من الشعر العمودي، أنه في ذات السياق، ما لبث أن شهد تحولات وأسماء، رأت في الشكل العمودي السائد نمطاً تقليدياً، كان مع الانفتاح على تجارب مغايرة من حيث البناء اللغوي، والدلالي، والدرامي، وهو الذي يكشف في نهاية المطاف عن تجربة شعرية، تدرس في سياق تحولات الخطاب الشعري، المتفاعل مع الفلسفة والفكر والحياة والوجود.
بدأت التجربة الإبداعية المعاصرة في اليمن، متعايشة مع أشكالها الشعرية، ذات المضامين الوطنية، لاستيعاب روح العصر وهو ما تجلى في خمسينات القرن الماضي، مروراً بمطالع الستينات، حيث يذكر النقاد أسماء ثلاثة من رموز التجربة الشعرية الذين وضعوا البدايات الأولى في مكانها الصحيح وهم: لطفي جعفر أمان، ومحمد أنعم غالب، وعبده عثمان.
اتسمت بدايات لطفي أمان بالتحرر والاندفاع نحو الجديد المدهش، مرورا بعبد الله البردوني الموغل في المغامرة الشعرية، حتى نهاياتها في التجريب، وصولاً إلى فضاء التجديد في المعجم الشعري والاطلاع على التجربة الشعرية العربية، والخروج عن المألوف والسائد، مروراً بجيل السبعينات الذين ينظر إليهم النقاد بوصفهم شكلوا حلقة من حلقات التجربة الشعرية الحديثة، حيث عصرنة اللغة ووضوح الرؤية الفكرية بفضل انتشار التعليم على نطاق واسع، وأثر ذلك في الانفتاح على رؤى تعبيرية مغايرة، انتقلت بالشعر خطوة متقدمة غير مألوفة من قبل، من حيث بحثها عن مناخات وإيقاعات موسيقية وفنية جديدة تجسد عناصر الرؤية الشعرية في موازاة رتم الحياة الجديدة.
وفي موازاة عدم استقرار شعر التفعيلة، وعدم وجود أسماء راسخة تبنت هذا الشكل، ظهرت في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، قصيدة النثر، من خلال أسماء معروفة في الساحة اليمنية أبرزها: عبد الرحمن فخري، وعبد الكريم الرازحي، ومحمد حسين هيثم، وهي مرحلة أقل ما توصف بأنها مرحلة نضج وتنوع في موازاة قصيدة النثر العربية، وفي هذا الإطار يرد اسم عبد الودود سيف ضمن الشعراء الأوائل الذين كتبوا قصيدة النثر، بلغة شعرية متوهجة، كما في نصه: «متوجاً بصولجان الرغبة في استئناس جراد الوحش الضال بين أقدامي وخطاي أغادر آخر الخرائب المتعرية في أسمائي، وأدخل من قبلة الغيم مؤتلفاً مثل قوس السؤال».
أما في التسعينات فظهرت موجة جديدة من شعراء قصيدة النثر يقول عنهم الشاعر والناقد د. حاتم الصكر «يتمثلون كل بطريقته، ودرجة كفاءته، وخزينه اللغوي والثقافي، وحدود رؤيته، منجزات قصيدة النثر العربية والعالمية إلى حد ما، وعبر الترجمة غالباً، ويجربون إمكاناتها، والمتاح من آلياتها لرصد ما حولهم، حيث تجد أن هذه الكتابة في هذه المرحلة فيها تفاعل مع ما يكتب سواء داخلياً أو خارجياً».
هذه التجربة تزخر بمضامين وانفعالات تتجاوز الذاتي إلى الجمعي، ومنها: علي المقري، ومحمد الشيباني، وكريم الحنكي، وأحمد الزراعي، ومحمد المنصور، وابتسام المتوكل، وعبد الوكيل السروري، ونبيلة الزبير، وهدى أبلان ومبارك سالمين.
وصف علي المقري بأنه متميز في نصه متماه مع نص مغاير ومتنوع، يكتب بلغة سهلة وعميقة كما في نصه: «أنا الشعب، تعذبت في سبيل العذاب، وجننت في سبيل الجنون، أي بلاد لا تتسع لأكثر من ثورة هي ليست بلادي».
وتحتفي قصائد نبيلة الزبير بثنائية (الأنا والآخر) من منظور مختلف:
(سأدعي أنني عاقلة /‏‏‏‏ وستدعي أنك مجنون /‏‏‏‏ سألعب معك بعقلي /‏‏‏‏ وستلعب معي بجنونك /‏‏‏‏ ثم سأطاردك/‏‏‏‏ وأنت تجمع الحصوات وتعد مرات سقوطي).
استمرت تجربة قصيدة النثر بشعراء الألفية الجديدة، الذين يوصفون بالحماس والمثابرة، مجددين في جوهر قصيدة النثر وعناصرها المختلفة، فكانت نصوصهم مدهشة كما هو عند سماح الشغدري: «جمرة تنهشنا عند تعثرنا بالحقيقة الوطن، أعلال تقمع أصداء تحلم بالخبز الحاضر، شبح ينسج منه مجاديف واهنة نحو بصيص يومئ للمجهول القادم، ونحن ألوان أنهكتها التلميع مثقلون برفاة المسكوب على العتبة).