تطورت تكنولوجيا تحديد الهوية عن طريق التعرف الى الوجه ومسح ملامحه إلكترونياً بشكل كبير خلال العقد الماضي ، ليكون الحل المتطور والسريع لتحديد هوية الأشخاص في المجال الأمني ومكافحة الإرهاب عالمياً ومانعاً للتزوير لاعتماده على بصمة الجلد والعين وغيرها من الملامح، ولكن يبدو أن الأمر تطور ليدخل منحنى جديدا في مجال الشركات التجارية التي يمكن أن تستخدم التكنولوجيا الجديدة للتعرف الى عملائها وتحقيق أكبر أرباح ممكنة عن طريقها.
تكمن المحاولات الجديدة في توظيف تكنولوجيا مسح الوجه للتعرف الى الأشخاص العاديين ومعرفة بياناتهم الشخصية مثل الحالة الاجتماعية ونوع العمل ومكان الإقامة ومعدل الدخل السنوي وغيرها من البيانات الشخصية ، بغية معرفة قدراتهم المالية وميولهم واستثمار تلك المعلومات لعرض المنتجات والخدمات للبيع. تخيل أنك تسير بالشارع ويتم مسح وجهك والتعرف الى بياناتك الشخصية من قبل تلك الشركات من دون سابق تصريح بذلك، ما أثار الانتقادات حول حماية حقوق الأفراد في تداول المعلومات حول حياتهم الشخصية.
يقول ألفريدو بيدويا أستاذ القانون في جامعة جورج تاون الأمريكية، إن ذلك يحدث عادة في مواجهة عدم المرونة التي يبديها اللاعبون في تلك الصناعة عند محاولة الاتفاق على السلوك الصحيح الذي لابد أن يتبناه المستخدمون لتلك التكنولوجيا، وأضاف أنه من البديهي أن يتم دعوة الشركات التكنولوجية العاملة في ذلك المجال للاتفاق على معايير استخدام تقنية مسح الوجه، ما قام به عدد من الأساتذة بالفعل، ولكنهم رفضوا الفكرة برمتها.
يؤدي عدم وجود توافقحول الغرض من التعرف الى الوجوه إلى نتائج مجتمعية وقانونية كارثية، فعلى سبيل المثال تعمل شركة «فيس فيرست» الأمريكية على نظام خاص لصالح متاجر التجزئة يسمح بالتعرف الى وجوه وكشف هوية الأشخاص والزبائن وتحديد قدراتهم المالية، وترى الشركة أن تلك الطريقة سوف تحقق مكاسب هائلة لمتاجر التجزئة بتحديد الزبائن الأغنياء والذين يقومون بعمليات شراء كبيرة، حيث تتعرف أجهزة مسح الوجه على أولئك الأشخاص الذين يمتلكون أرصدة بنكية أو يقومون بعمليات شراء كثيرة، وإرسال إشارة تنبيه إلى دخول أولئك الأشخاص إلى المتجر ليقوم البائعون بالاهتمام بهم وتوجيههم إلى شراء أكبر قدر من المنتجات، ويقول بيدويا، إن تلك التكنولوجيا ستقضي تماماً على خصوصية المعلومات، ويضيف: «تخيل أنك تدخل معرضاً للسيارات ويكون البائع على علم كم تتقاضى شهرياً ليتعامل معك على هذا الأساس، فهذا عالم لا أحب أن أعيش فيه»، تقوم أيضاً شركة أخرى تدعى «تشرشيكس» بالترويج حالياً لنظام مسح الوجوه وتحديد الهوية للمنشآت الخدمية والترفيهية ودور العبادة، حيث يقوم العاملون بتحديد هوية الأفراد الزائرين لتلك الأماكن وتسجيل عدد زياراتهم ومشاركاتهم بهدف إعداد قواعد للبيانات ولأهداف دراسة سكان المناطق الجغرافية التي تقع فيها تلك المنشآت.
لم تكن شركات التكنولوجيا العالمية بمنأى عن تلك التقنية المغرية، حيث أعلنت شركتا «غوغل» و»مايكروسوفت» تبني تلك التكنولوجيا في المستقبل لخدمة بعض الأغراض، من دون الإفصاح عن الخطوات الجدية نحو تلك الأغراض، ومن المعروف أن تلك الشركات يمكنها تطبيق ذلك من خلال تقنية مسح الوجوه للصور الرقمية على الحسابات الشخصية على الإنترنت، ولكن يقول بعض الخبراء، إن تلك الشركات تمتلك بالفعل سياسة واضحة ومعايير عالمية في التعامل مع البيانات الرقمية، وبالتأكيد سيكون لديها قوانين صريحة يتم إخبارها لكافة المستفيدين من خدماتهم، يرى البعض الآخر أن المستخدمين سيكونون على علم بذلك، حيث إن تلك الشركات لن تستطيع تفعيل تلك التكنولوجيا إلا عن طريق بعض الأجهزة التي تتعرف الى الوجه مثل «الإكس بوكس».
يقولمارك موراي، المتحدث الرسمي لشركة «مايكروسوفت»، إن شركته تسعى بجدية نحو تفعيل عدد من تقنيات التعرف الى الوجوه وتحديد الشخصية، «بهدف إجراء عدد من الدراسات والأبحاث على نوعية المستخدمين والمستفيدين من خدماتنا، وذلك بسبب تعمد المستخدمين تضليل الشركة حول بياناتهم الحقيقية»، ويؤكد أن تلك البيانات ستكون بهدف تحسين الخدمات والمنتجات وغيرها.
ويضيف موراي أن الشركة تشجع الشركات الأخرى على تطوير تلك التكنولوجيا التي ستوفر عليهم عناء الكثير من الدراسات والمحاولات المرهقة للتعرف الى الأشخاص.
يتجه بعض الرافضين لتكنولوجيا تحديد الوجوه إلى استصدار قوانين استباقية بحق الشركات العاملة في هذا المجال عن طريق الضغط على حكومات المدن والولايات الأمريكية لإصدار قوانين تجرم الحصول على البيانات الشخصية وتسجيلها، تم ذلك بالفعل ضد موقع «فيس بوك» منذ عام 2009 حينما أضاف أداة التعرف الى الوجوه تسمى «tag suggestions»، وهي خدمة تسمح باستخدام تكنولوجيا التعرف الى الوجوه في الصور ليسمح للمستخدم بعمل «تاج» تلقائي للأشخاص في الصور عن طريق التعرف الى وجوههم اعتماداً على درجة الشبع بينها وبين صور الأشخاص في الأصدقاء، ما استدعى نشطاء وخبراء قانون لرفع دعوى ضد الموقع في ولاية إلينوي الأمريكية عام 2009، حيث تقول أوراق القضية، إن الكثير من المستخدمين يقوم أصدقاؤهم بعمل تاج لهم في العديد من الصور، ولكنهم لم يعطوا الموقع الحق في تجميع بياناتهم ومعلوماتهم الشخصية، بل والتعرف الى وجوههم لاستخدامها في خدمات أخرى، حتى داخل «فيس بوك» نفسه، ما يثير الريبة في استخدام تلك التقنية والبيانات في أنشطة أخرى، أو بيعها لعدد من الشركات التجارية والأمنية للتعرف الى الأشخاص واستقطابهم لأي غرض.
رداً على تلك الادعاءات أكد الموقع أن لديه خيارا في الإعدادات يقضي بمنع أصدقائه أو أي حساب آخر بعمل تاج له في الصور، وبذلك تم حل المشكلة.
حينها كان رد محامي صاحب الدعوى كارول ليساتا، أن ذلك الرد لا يرقى حتى إلى تحديد المشكلة، وقال: «إذا ما غيرنا الإعدادات والخصوصية، فهذا لا يعني أي شيء، وذلك لأن الموقع حصل بالفعل على البيانات التي يريدها ولا يزال يحتفظ بها»، وتساءل ليساتا ساخراً: «للأسف لا يوجد لدى الموقع زر للإلغاء، فإن كان موجوداً فليدلنا عليه»، وأكدت الدعوى المرفوعة على خطورة استخدام تلك التقنية على بصمة الوجوه وتطويرها في المستقبل وإمكانية سرقة تلك البيانات من قبل القراصنة وإعادة بيعها أو استخدامها في تصنيع أقنعة ترسم ملامح وجوه الأشخاص وارتكاب الجرائم بشخصيات مزيفة.
أجمع خبراء القانون والتكنولوجيا أن المضي قدماً في تطوير تلك التكنولوجيا أمر حتمي لا يمكن منعه، ولكنه يجب أن يكون قاصراً على سلطة الدولة ويخضع إلى حماية القانون من الانتهاكات التي يمكن أن يتسبب بها، وأن تكون تلك التقنية في مجال الأبحاث والدراسات التسويقية التي يمكن بيعها للشركات الموثوق بها فقط، إضافة إلى استخدامها في المجال الأمني في التعرف الى وجوه المجرمين وأصحاب سوابق الاحتيال وغيرها، وكذلك في المجال الطبي والجراحات التجميلية والأعمال الفنية التي تقتضي التعرف الى معالم الوجوه مثل التصوير والنحت ورسم اللوحات الفنية.