ينفتح الحوار مع الدكتورة زهور كرام الناقدة والأكاديمية والروائية المغربية على فضاءات مختلفة ومتعددة، فهي تمكنت من خلال خوضها غمار تجارب عدة، وإصدارها الكثير من الكتب البحثية والإبداعية منها السرد النسائي العربي والتعدد اللغوي في إنتاج جبرا إبراهيم جبرا الروائي والفضاء الأسطوري في رواية بين القصرين ومولد الروح وقلادة القرنفل أن تشكل رؤية موضوعية إلى الحقل النقدي العربي في مشهده الواسع، وإلى تطورات الرواية والسرد العربيين .

انخرطت كرام في الاشتغال على بحث مجموعة من العناصر التي أدت إلى التحولات التي عرفها السرد العربي، وخاصة في العقدين الأخيرين، ومن جهة أخرى فهي إلى جانب اهتماماتها البحثية معنية في واقع ممارستها الميدانية بتحولات المجتمع المدني في المغرب، كما أتاح لها عملها في غير لجنة تحكيم عربية في مجالي النقد والإبداع أن تكون صورة عن النظرات الجديدة التي راحت الكتابة العربية تؤسس لها، وبمناسبة مشاركة د . كرام في ملتقى الشارقة السابع للسرد كان اللقاء معها للاطلاع على تجربتها، ومعرفة آرائها في العديد من القضايا .

بداية كان السؤال للدكتورة كرام حول المشهد السردي في الإمارات حيث شاركت كعضوة في لجان تحكيم جائزة العويس الثقافية لدورات عدة، بالإضافة إلى مشاركتها في لجان تحكيم جائزة الشارقة للإبداع العربي، تقول د .كرام: منذ عقد من الزمن والسرد في الإمارات يشهد تطورات كبيرة، وخاصة السرد النسائي، وقد ظهر صوت المرأة بقوة في الكتابات الجديدة، ولهذا التطور أسبابه الموضوعية، حيث اهتمت الكثير من المؤسسات الثقافية بحركة الإبداع السردي وأطلقت جوائز خاصة للقصة والرواية، بالإضافة إلى العديد من الملتقيات التي تعنى بمتابعة التحولات السردية والتي أغنت الكتابة نفسها، فضلاً عن وجود الكثير من النقاد العرب المقيمين في الإمارات، وإصدار مجلات خاصة بالسرد، وهذه العوامل جعلت السرد يأخذ موقعاً مهماً إلى جانب الشعر الذي ما زال يحتل المرتبة الأولى من حيث كم الإصدارات، أو من حيث البرامج الإعلامية المخصصة له .

من جهة أخرى رأت كرام أن الكثير من الكتابات القصصية في الإمارات تحتوي على فنيات الرواية ومكوناتها، ونتيجة لذلك فهي تتوقع أن تشهد الرواية في الفترة المقبلة تطوراً من حيث عدد الروائيات، اللاتي كتبن القصة القصيرة، ويمتلكن إمكانات موضوعية تؤهلهن للخوض في مجال الكتابة الروائية، وهو ما سيحمل معه تنوعاً في المواضيع والأساليب في الوقت نفسه .

وبخصوص النقد المواكب للعملية الإبداعية فإن د .كرام ترى أن هناك غياباً للناقد الإماراتي، وهو ناقد في حال وجوده يترتب عليه الكثير من العمل لأن المطلوب منه مواكبة الأعمال الإبداعية، والتفاعل معها .

أما حول اتهام الكتابة النسائية بأنها بوح ذاتي، وبالتالي فإنها تفتقد إلى التخييل الذي هو صلب الكتابة السردية، فقد أشارت د . كرام أن مسألة البوح مرتبطة بالكتابة والحكي عن الذات، فالمرأة في الكتابة هي الحاكية والمحكية في الوقت نفسه تقول د . كرام: هذه محطة مهمة في الكتابة للمرأة، خاصة عندما تدخل مجال التعبير الرمزي، ونحن نعرف أن علاقة المرأة بذاتها في عموم الوطن العربي غير واضحة المعالم، كما أن جزءاً من الثقافة العربية يكرسها بوصفها تابعة للرجل، لذلك فالمرأة تكتب بألم، ونحن كما نعرف أن الكتابة عن الذات كتابة إشكالية، فنحن عندما نكتب عنها نكتب عن الجرح في الهوية، والمرأة الكاتبة تكتب عن حلمها بامتلاك مشروع، ولهذا فهي تحاول من خلال الكتابة أن تتصالح مع ذاتها، والمطلوب من النقد أن يتعاطى معها بالكثير من الموضوعية القائمة على فهم مشكلاتها، ومن دون أحكام مسبقة، وعلى الناقد أن يتعلم كيف يصغي إليها وهي تتحدث عن ذاتها، أو عن الرجل، أو عن المجتمع، فكتابة المرأة عن ذاتها تحرر الذاكرة الجماعية من عقدها، كما تحرر الوجدان من جروحه الكثيرة، لذا فإن كتابة البوح عن الذات ليست أمراً ينقص من الإبداع، وما ينقص من قيمته يتمثل في عدم امتلاك الساردة لمستوى معين من فنيات الكتابة وأدواتها .

وفي السياق ذاته رأت د . كرام أن هناك تحولات كبيرة في الكتابة نحو السير الذاتية، والحكي الذاتي، وكلها كتابات تجد أنها أخذت تدخل ضمن الجنس الروائي، فالحكي عن الذات يكشف بحسب د . كرام عن جزء من ذات المؤلف في الكتابة لقد تعودنا أن نقول إن ذات المؤلف غير موجودة في النص الروائي، وأنه يخلق عوالم متخيلة، لكن المؤلف الآن يطرح ذاته ضمن العملية الإبداعية، وفي إطار هذه النقطة هناك عودة في النقد إلى السؤال حول ما هو المتخيل؟ وما الذي يجعلنا أن نقول إننا أمام عمل تخيلي أو ذاتي؟ وفي نهاية المطاف فإن العمل الأدبي إما أن يكون عملاً أو لايكون، ومن بعد ذلك يمكن التحدث حول طبيعة حضور الذات في الكتابة .

وحول أهم المشكلات التي يعاني منها النقد العربي عموماً رأت د . كرام أن النقد هو الابن الشرعي للعقل النقدي، فالنقد يعني التفكير، وهو يستدعي الحرية بالضرورة، لذا فإن تطوره سيبقى رهناً بتطور حريات التعبير، وتطور آليات التفكير، وأهم مشكلة للنقد العربي أنه ما زال يستهلك الكثير من التصورات التي تكرس محدودية التفكير، أو تأطيره في خانات محدودة، لذا فإن تطور الخطاب النقدي يحتاج إلى عوامل موضوعية تساعد النقاد على تجاوز الأطر التقليدية في التفكير، والذهاب عقلياً ونقدياً إلى مناطق جديدة .

وحول تطور النقد في المغرب العربي ترى د . كرام أنه ارتبط بشروط موضوعية أهمها تطور البحث الفلسفي هناك، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من الحركة الفكرية وعدد المفكرين، وقد أسهم في ذلك تطور الحركة السياسية والعلمية والاجتماعية والتعليمية، حيث أفرز حركة نقدية فتحت المجال أمام النقد أن يعيد التفكير بأنواع السلطة المختلفة، وبحقوق الإنسان، كما أن تغيير التشريعات ونضالات المجتمع المدني والدور العميق والمهم للجامعات كلها عوامل أسهمت في انفتاح النقد على غير فضاء، بالإضافة إلى المثاقفة مع الفكر النقدي الفرنسي والأوروبي من ورائه .

وحول تجربتها كناقدة ومبدعة في الوقت ذاته ومدى تأثير سلطة الناقد عليها تقول: ما أكتبه حالة تستدعي نفسها، ولذا فأنا متصالحة مع ذاتي، ولا أدع مجالاً للناقد في داخلي أن يتسلط على اللحظة الإبداعية، وإلا ما كان الإبداع إبداعا، فأحد شروطه التحرر من سلطة ورقابة الوعي، لذا فإنني لا أسقط نظريات الأدب ومناهجه على كتاباتي، ولا أدع لها مجالاً كي تلوي عنق نصوصي وتحرفها عن مساراتها، أما بالنسبة للنقد فهو بالنسبة لي مسؤولية حضارية، وهي منطقة لا يمكن اللعب أو التهاون بشروطها، وعندما أكتب نقداً حول نص استمتعت به، والاستمتاع لدي شرط أساسي، أقرر المنهج الأصلح لقراءة النص، فالمنهج بمثابة عين، ولكل نص عين أكثر قدرة على التقاط كوامنه أكثر من غيرها .

وحول واقع الرواية العربية المعاصرة ترى د . كرام أنه لا يمكن التحدث اليوم حول مفهوم منسجم للرواية العربية: ليس هناك اليوم شكل واحد للرواية العربية، هناك روايات عربية ذات خصوصية سواء في المشرق أو المغرب أو الخليج، وتلك الخصوصية هي مؤشر إيجابي على التنوع في الرواية العربية، فقد بدأت الرواية تأخذ أصالتها من المحلية، ولم يعد ممكناً الحديث عن نموذج واحد، وقد حمل التنوع تطوراً في الجنس الروائي ذاته، فنحن نلحظ اليوم على سبيل المثال أن الرواية المغربية تقوم على التجريبية، وهي لا تعتمد منطق الحكاية التقليدي، حيث نجد أصواتاً متعددة في داخل النص .