تتقدم الأمم وتتطور على أيدي أبنائها الأكفاء المخلصين المهمومين بقضايا وطنهم والإنسان المقيم على أرضه، كما تتخلف هذه الأمم وتفشل الأوطان في تحقيق أهدافها نحو إرساء أركان المجتمع الإنساني المتحضر، الذي يكفل لأبنائه سبل الحياة الكريمة، ضمن منظومة قيم، تحافظ على بقاء هذا المجتمع واستمرارية تقدمه في ركب الحضارة الإنسانية، وفي كل هذه المجتمعات والأوطان، تظهر كوكبة من الأكفاء ليشكلوا النواة العلمية والفكرية والفنية والثقافية، التي يبادرون إلى خلق ذلك الشعاع الفاعل والمؤثر في حركة المجتمع، عبر جهودهم وأفكارهم وأعمالهم، التي تمنح مجتمعاتهم دورها الوطني والإنساني والحضاري.
تحديداً في شهر أغسطس/ آب قبل الفائت، احتفت الأوساط الثقافية والعلمية والفكرية في قاهرة المعز، بمرور عام على رحيل مؤرخ الشعب والوطن د. رؤوف عباس، الذي صال وجال خلال مسيرته التي امتدت لسبعين عاماً مجسداً القيم الأصيلة للمثقف الوطني، والشخصية العلمية المعطاءة من غير حدود، فقد أكد جل رفاقه أن رحيله يمثل غياب أحد أهم أركان مدرسة أسست لمنهج التفكير العلمي التحليلي، وللثقافة البناءة الفاعلة بقيمها، تلك المدرسة التي أفرزت كوكبة من الرواد في التاريخ الاجتماعي في مصر الحديثة، والتي أسهم في وجودها أجيال متعاقبة من الأفذاذ، الذين يأتي في مقدمتهم محمد صبري السوربوني وشفيق غبريال ومحمد رفعت وأحمد عزت عبدالكريم ومحمد أنيس، ليأتي د. رؤوف عباس في طليعة الجيل الرابع من هؤلاء المؤرخين، الذين حافظوا على أسس المدرسة التاريخية العلمية، فكانت أبحاثه وكتبه حول تاريخ الملكيات الزراعية في مصر منذ القرن التاسع عشر، وعن الحركة العمالية في ضوء الوثائق البريطانية، إلى جانب تكوينه وتأهيله لجيل من الباحثين في تاريخ مصر الاجتماعي والاقتصادي، إضافة لمؤلفاته التي تزيد على عشرين مؤلفاً، مع ترجماته ومقالاته، التي تفيض بالكثير من الأفكار والرؤى التحليلية الجديدة في قراءة التاريخ الحديث والمعاصر، لتصبح دراساته وأبحاثه مرجعية تصور الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الحياة المصرية بعدما كانت الدراسات الاجتماعية تقتصر على وصف الأحداث وذكر المشاهدات ورصد البطولات التي حدثت، ما أعطى نتاجه الفكري والثقافي والاجتماعي بعداً مؤثراً في استكشاف أبعاد التاريخ الاجتماعي في مصر.
أما على المستوى الشخصي فقد كان رؤوف عباس وبشهادة الخصوم قبل الرفاق، كان فارساً في كلمته ونزاله ومعاركه العلمية والفكرية والسياسية، لا يكل في الدفاع عن العدالة الاجتماعية وأنظمتها، بعيداً عن الهوى أو المكاسب الشخصية التي لم يقترب منها طوال حياته، على الرغم من مؤهلاته ونشاطه وفاعليته في تأسيس العديد من الجمعيات والهيئات، لأنه أراد أن يمثل الحق والعدل كمعيار أصيل في وجود مجتمعه، والارتقاء به، مسخراً كل علمه وخبرته وثقافته وإيمانه المطلق بأهمية بناء المجتمع العادل الخير المتطور الصاعد والواعد.
كما كانت ترجماته مثالاً يحتذى بها، لأنه جسد من خلالها جهده كمثقف عالم ومتابع ومتخصص معاً، فترجم كتاب عن هيروشيما وفيه تاريخ لضرب المدينة بالقنبلة النووية والآثار المدمرة على المجتمع الياباني، وكتاب دراسات في تطور الرأسمالية والذي استغرقت ترجمته ثلاث سنوات متواصلة من عمره، لحرصه على الأمانة في نقله إلى العربية وكتاب الحركة الوطنية في مصر زمن الثورة العرابية ورصد فيه مرحلة مهمة من تاريخ مصر، مركزاً فيه على الزاوية الاجتماعية والسياسية، وكتاب التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إضافة إلى تراجم عديدة منها مذكرات السير رونالد ستورس المستشار في السفارة البريطانية في مصر والحاكم العسكري في القدس، والذي لعب دوراً مهماً في صناعة القرار السياسي البريطاني في الثلاثينات من القرن الفائت، وغيرها من الكتب التي أبرزت الرؤية البريطانية نحو الشرق، وهو ما يقودنا لموقفه من الاستشراق، حيث كان يؤمن بأن كل ظاهرة تاريخية ليست وليدة الصدفة، ولا بد أن تكون نتيجة لمقدمات طويلة من الإرث المعقد والمركب، قبل أن تبرز على السطح في لحظات نضوجها واكتمال دورتها من النمو والتشكل، مما يتعين على المؤرخ أن يعتمد في دراسته لهذه الظاهرة على واقع المادة التاريخية، وليس على الأفكار النظرية المسبقة، وأن يهتم بإعادة تركيب هذه الظاهرة، والبحث في عوامل الحركة فيها، ثم تفسير تطور المجتمع في إطارها، من دون التقيد بقالب نظري ثابت، لذا فقد كان على الضفة الأخرى من قضية وفكر الاستشراق، الذي يقوم أساساً في نظره على النهج الانتقائي في اختيار المادة التاريخية التي تخدم بالضرورة أفكاراً مسبقة، تم تشكلها وبلورتها خارج السياق التاريخي للواقع والأحداث، إضافة للتجاوز عما يتعارض مع هذه الأفكار.
لذا دعا إلى ما سماه المنظور التاريخي الواقعي في دراسة وفهم التاريخ، وضرورة التحرر من النزعة الذاتية الضيقة، على أن يراعي الاهتمام بمعالجة الظاهرة في إطار السياق التاريخي، الذي برزت فيه، محللاً ما نجم عنها من آثار مختلفة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، والتعامل مع تجلياتها المباشرة وغير المباشرة، على تشكيل البنية السياسية والثقافية للمجتمع، وهو ما جعله يقف في مواجهة الفكر الغربي، الذي يقتصر فيه دور المستشرق على تأويل ما ينتقيه من حالات فردية استثنائية تؤدي إلى فكرة فصل ما هو شرقي (متخلف) وبين ما هو أوروبي أو غربي (متقدم). وهو ما فسره في قضية ارتباط الاستشراق بالكولونيالية أو الإمبريالية، المنحازة وبشكل ايديولوجي بعيداً عن حقيقة الواقع الحقيقي والأصلي، وبالتالي رأى أن ما قدمه الاستشراق ليس إلا رؤية افتراضية متخلفة عن الشرق، وهي لا تمت بصلة للواقع لكونها نظرة أحادية للتاريخ كما وصفها.
ونجح أيضاً د. رؤوف عباس في إثارة علاقة التناقض في التوجه المنهجي بين المستشرقين والمؤرخين الاجتماعيين في مسيرة البحث العلمي، لذا كانت فكرته تعتمد على أن المجتمعات لا يمكن أن تتطور وفق سياق تاريخي واحد، لأن كل مجتمع له مقوماته الخاصة نحو التطور، إضافة إلى أنه ليس ثمة نموذج واحد لهذا التطور، وبالتالي فقد رفض كل النماذج الجاهزة، التي أريد لها أن تطبق على مجتمعات مختلفة في خصوصيتها وشخصيتها عن هذه النماذج مثل النمط الإنتاجي الآسيوي، أو نمط الإنتاج الخراجي، إيماناً منه بأن لكل مجتمع إنساني سياقاً خاصاً لتطوره يختلف عن غيره من المجتمعات، وأن التشابه بين هذه المجتمعات، إنما هو تشابه جزئي يقتصر على الملامح والمتغيرات لا على الثوابت في الجوهر، وهو ما جعله يرفض اتجاه المدرسة الاستشراقية في التعميم على المجتمعات الشرقية والإسلامية، للإيحاء بوجود نموذج نمطي واحد لكل المجتمعات الشرقية، واعتبر ذلك خطأ منهجياً يقدم الأفكار المضللة، كما أوضح أن وجود الغرب في المجتمعات الشرقية لم يكن عاملاً مساعداً للتطور بقدر ما كان من معوقات تطور وتقدم هذه المجتمعات، بعيداً عما يدعيه الغرب من محاولته بعث الرسالة الحضارية، مستشهداً بالأساليب الاستعمارية والغزو الذي أعاق عملية النمو والتطور في هذه المجتمعات، بل وتعمده ربطها بالتبعية للاستفادة منها في تجارته واستغلال المواد الخام التي تمتلكها طبيعة هذه المجتمعات، كما دافع عن الإسلام الذي اعتبرته الرؤية الاستشراقية ثقافة تدعو إلى التواكل والتكاسل بعيداً عن ثقافة العمل والإبداع والابتكار، مستشهداً بالبعد الحضاري للإسلام وتاريخه الثري والغني في تجسير التواصل بين الثقافات الإنسانية.
كما عمل بجهد وتضحية من أجل استقلال الجامعات بعيداً عن التسلط والتوجه الفكري والسياسي، معتبراً أن الجامعة ستظل مركزاً للإشعاع العلمي والوطني، وسعى بل وحارب بضراوة من أجل تشييد مبنى الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، والتي أسهم في وجودها دعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، والتي تعتبر الآن نقطة تحول في تاريخ مسيرة المؤسسات العلمية المتخصصة، التي تقدم خدماتها لشريحة كبيرة من المهتمين بالدراسات التاريخية في المنطقة العربية.
إن د. رؤوف عباس من المثقفين الاستثنائيين، اتسم خلال رحلته الحياتية والعلمية والفكرية وإسهاماته الجادة، بالنزاهة والوعي الاجتماعي والانتماء الأصيل، والمحافظة على القيم الأكاديمية وحرية البحث العلمي، ومواجهة كل مظاهر الفساد أو محاولات طمس التاريخ وتشويهه، ليظل بعد رحيله الباحث الوطني المقاتل والمنحاز لأبناء مجتمعه المصري والعربي.
قالوا عنه
* من أهم من أسسوا للتفكير العلمي والتحليلي في تاريخ مصر والعرب، من دون أن يتخلى عن المبادئ الإنسانية علمياً وحياتياً.
أحمد ثابت
* هو أحد أبرز المؤرخين العرب الذين ينتمون إلى مدرسة التاريخي الاجتماعي العربية، في إطار الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بروح الباحث الوطني والأكاديمي النقدي.
أسامة عرابي
* كانت معركته من أجل الحفاظ على الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، من أشرس معاركه التي خاضها، فقد حافظ من خلالها على هيبة مدرسة التاريخ المصري، التي أبرزت ملامح ثقافتنا المعاصرة.
إيمان يحيى
* يتصدر مؤرخي مصر المعاصرة لتميزه كباحث يمتلك أدواته ومنهجه وخلفيته الثقافية والمعرفية الشاملة إلى جانب حسه الوطني الاجتماعي في منظومة إنسانية ثقافية علمية متكاملة.
أحمد الجمال
* كان فاعلاً أصيلاً في انتظام المجتمع وتجاذبه مع نظام الكون وأسسه، وقادراً على استخلاص لب الموضوع والأسباب والنتائج في قالب متماسك يرتقي من مرتبة المعرفة إلى مرتبة الفكر.
أحمد حلمي السيد
* إن دراساته في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي لمصر الحديثة، سيظل فتحاً جديداً وريادة للمدرسة التاريخية الجديدة في مصر.
أحمد زكريا الشلق