«كل السير الذاتية أكاذيب» عندما تتصدر تلك المقولة لأنورين بيفان الزعيم العمالي البريطاني، كتاب رياض نجيب الريس «آخر الخوارج» فإن هذا لا يعني سوى أن الصحافي والناشر الشهير يبحث عن مخرج لبعض الحكايات التي سترد في سيرته الذاتية، ولن يشفع له أسئلة من نوعية: «لماذا تصبح الذاكرة مع مرور الوقت أكثر توهجاً وتأججاً؟ لماذا يتذكر المرء في شيخوخته أحداثاً حصلت في طفولته ومراهقته وصباه، لم يكن يذكرها من قبل، وربما لا يريد أن يتذكرها، وليس هناك من سبب لكي تلمع الآن في ذاكرته؟ لماذا تطرق بعض الصور، وبإلحاح، مخيلته وكأنها شريط سينمائي يستعيده بصفاء ذهني؟».
يشير الريس إلى أنه لا يعتمد في هذا الكتاب على تدوين مفكرة، أو ملاحظات مكتوبة عبر السنوات، أو أوراق عائلية أو رسمية، يوضح: «لقد اعتمدت على الذاكرة وحدها، وعلى قصاصات ورق لأحاديث صحافية هنا وهناك، ومقالات في جرائد أصفر ورقها، وصور اندثرت بين صناديق شحنت من بلد إلى آخر عبر الهجرات المتعاقبة، حتى وصل قليلها إلى آخر المرافئ التي رست عليها مراكب صاحبها، وضاع كثيرها في زحمة الإهمال، وما هذه الأشياء إلا جزء من ذاكرة صحافية هي في الواقع سيرة كل شيء».
احترف الريس العمل في الصحافة، فهو من نتاج ذلك الجيل العربي الذي ذهب إلى لبنان، وهو في أوجه وعنفوانه، فدخل مدارسه وتخرج في جامعاته، وانضم إلى أحزابه، وتعلم السياسة في مقاهيه، وتسكع في مكتباته، وقرأ صحافته، وعرف من خلالها أن للرأي أكثر من وجه، وأن للفكر حرمة هي في اتساع العقل الإنساني وحريته.
عندما ذهب الريس إلى لبنان لم يكن هاربا من اضطهاد، لم يكن لاجئاً سياسياً، كان يبحث عن صحافة يعمل فيها، بعد تأميم الصحافة السورية في عهد الوحدة، وكما يقول: «كنت صاحب مهنة لم يكن مسموحاً بممارستها إلا في لبنان، وكان لبنان يعتز في ذلك الزمان بأنه أمسى البلد الوحيد في العالم العربي القادر على احتضان صحافة حرة».
رياض نجيب الريس هل هو سوري أم لبناني؟ لا أحد يعرف تماماً، نصف اللبنانيين يعتقدون أنه لبناني، دون أن يعترفوا بلبنانيته، ونصف السوريين يعرفون أنه سوري دون أن يقروا بأهليته، لكن كيف يرى الريس نفسه؟ إنه «نموذج مثالي لنتاج مقولة «شعب واحد في بلدين فلا سوريته خدمته، ولا لبنانيته شفعت له، وظلت عروبته مقياس هويته الوحيد، وإذا بوضعه كوضع دولة تعلن استقلالها من طرف واحد».
يحكي رياض نجيب الريس عن صداقاته أيام الشباب، ويختصرها في ثلاث شخصيات: توفيق صايغ ويوسف الخال وجبرا إبراهيم جبرا، كان الثلاثة من ذوي الثقافة الأنجلوسكسونية، وعندما نشبت الحرب الأهلية اللبنانية، عزلت كثيرين عن بعضهم بعضاً، كان توفيق صايغ قد مات في أمريكا قبل الحرب، ويوسف الخال كان محاصراً في لبنان بسبب الحرب، وكان جبرا إبراهيم جبرا محاصراً في العراق لا يستطيع السفر بسبب الحرب العراقية - الإيرانية، إلى أن مرض يوسف الخال، وقصد أوروبا للعلاج.
يقول الريس: «أنا أعتبر أن يوسف الخال قد ظلم دوره الكبير في موضوع الشعر الحديث، ظلم من شعراء مجلة «شعر»، تحديداً ظلم من مريديه الأساسيين، وعندما مات في تلك الظروف القاسية، ظروف الفقر والحرب، قررت أنه يجب القيام بعمل ما من أجله«.
كان الريس يتحدث عن مؤتمر شعري كبير في لندن لتكريم الخال، وإعلان جائزة للشعراء الشباب باسمه، وطباعة كتبه، حيث بدأ الريس حياته شاعراً، وبدأ حياته المهنية محرراً ثقافياً وكان - أثناء دراسته في لندن - يرسل مراجعات لدواوين من الشعر الإنجليزي إلى مجلة «شعر» ومجلة «الأديب» وذلك بين عامي 1956 و1960 وعندما بدأ حياته الصحافية في لبنان كان يقوم بتحرير الصفحات الثقافية، إلى جانب عمله في الصحافة السياسية، وصدرت أول مجموعة شعرية له عام 1962 بعنوان «موت الآخرين» بتقديم جبرا إبراهيم جبرا، كما صدر له كتاب «الفترة الحرجة» عام 1966 وهو كتاب يرصد الحركة الأدبية والكتاب الجدد، كما صدرت له مجموعة شعرية بعنوان «البحث عن توفيق صايغ» عام 1975، لكنها لم توزع، لأنها احترقت في المطبعة عند بداية الحرب الأهلية اللبنانية، وشارك في تحرير مجلتي «حوار» و«شعر».
وفي لندن عرف توفيق صايغ عام 1956، وكما يقول: «التقينا للمرة الأولى أنا وإياه على الأرصفة، وفي المقاهي، أيام الضباب والمطر، والغرور بأننا سنغير العالم».
يقول الريس: «حين التقينا تحدثنا في السياسة«ثم سأله: ما مشاريعك للويك إند، أجاب بمنتهى الهدوء واللامبالاة: سأنتحر، صدقه الريس، وأمضى ثلاثة أيام يحاول الاتصال به دون جدوى، حتى يثنيه عن الانتحار، ولم يجده، ولم ينتحر، تعمقت العلاقة بينهما حتى إن يوسف الخال طلب منه أن يتوسط لدى صايغ للكتابة لمجلة «شعر» وكان رد صايغ: «أترى كل هذه الكتب؟ وأشار بيده إلى أكوام الكتب في المكتبة، هل يعقل لمن تتاح له فرصة قراءة كل ذلك أن يضيع وقته في كتابة أشياء تافهة، ولو كانت شعراً، لمجلة يوسف الخال؟».
أصدر صايغ مجلة «حوار» عام 1962، ولم يتغير موقفه من الكتابة، حتى عندما أصبح مسؤولاً عن نجاح مجلته، كان همه أن يستكتب الآخرين، لا أن يكتب هو، ولم ينشر في «حوار» إلا القليل من شعره، كان الريس سكرتيراً لتحرير المجلة، وبالطبع لن تجد في سيرته ما يشير إلى ارتباط «حوار» بالمخابرات المركزية الأمريكية.
ينهي الريس قصة صايغ بالإشارة إلى أن حكايته مع «حوار» حكاية معركة من أشرس المعارك الفكرية التي عرفتها الصحافة الأدبية في العالم العربي، وعندما ماتت «حوار» بعد أربع سنوات من إصدارها وهاجر توفيق صايغ للمرة الأخيرة إلى المنفى (أمريكا) كانت «حوار»بفضل توفيق صايغ قد ظلت وفية له بقدر ما ظل رفاقه الكتاب على عقوقهم.
مات توفيق صايغ قبل أن يصدر ديوانه الجديد، مات بهاجس الحرية وبحرقة «حوار» لكنه مات قبلها، أو ربما بعدها، بهاجس العشق، لحبيبته ووطنه ومجلته، هكذا يقرر رياض نجيب الريس، المثير للدهشة أن الريس انتمى إلى أصدقاء ومجلات على النقيض تماماً من انتماءاته السياسية فهو كما يقول:«عندما صدرت مجلة «شعر» في شتاء 1957 كنت تلميذاً في كمبردج، وكنت شاباً مهووساً بالكتابة والشعر والأدب والفنون، ومراهقاً مسيساً غير حزبي (ناصري) السياسة، (اشتراكي) الميول، (تقدمي) الفكر (ليبرالي) النزعة (ديمقراطي) التوجه، كان العصر عصر جمال عبد الناصر، وعصر تأميم القناة، وعصر محاربة الإمبريالية والاستعمار وعصر التحرر والقومية العربية والاشتراكية والوحدة، وكنت من جيل ذلك العصر».
كان يوسف الخال كما يصفه «الريس» محباً للفن والثورة والتغيير، صانعاً ومؤسساً ومتواضعاً وأنانياً، كان كذلك يعطي للصداقة أهمية، لا يفرط فيها بسهولة، كان مهووساً بموضوع اللغة العربية، يدعو إلى التخلي عن الإعراب وحركاته، لكنه يخالف الدعوة إلى الكتابة بالحرف اللاتيني أو اللغة الدارجة.
بعد هذه الذكريات يحق لنجيب الريس أن يتساءل: من هذا الوراق المؤلف؟ هل هو شاعر أم مفكر؟ أديب أم سياسي؟ ناشر أم صحفي؟ ويجيب: «هو قطعاً صحفي ولا شيء آخر، يحب في الصحفيين تقلبهم، ويمقت في الأدباء والشعراء غرورهم، ويحب منهم من يستطيع حفظ شعره أو فهم أدبه، ويتمنى لو عرف عبدالرحمن الكواكبي، أو أمين الريحاني، لكان من أقرانهم، وتمنى لو أن توفيق صايغ لم يمت».
يختتم الريس سيرته موضحاً أن هذا «ليس كلاماً عن بيروت أو دمشق، هذا كلام عمن جاء المدينتين بأحلام كبيرة، واكتشف أن بيروت ضيقة، ودمشق أضيق مما تتصور، لا تضيق فقط بأحلامه، بل مع اعترافه هو، العلني والضمني، بتواضع أحلامه، المشكلة عنده لم تكن في ناس، كانوا في بيروت ودمشق، بل لعل المشكلة أنه جاء ليرتوي من بيروت وبردى، فإذا ببيروت عطشى أكثر منه، وبردى قد جفت ينابيعه، فرواهما مما كان لديه من أكسير لحياة نابضة».
يقول الريس: «ليس في هذا الكتاب أي شيء شخصي خارج سياق حياة هذا الوراق في الصحافة، إذ ليس فيه فضائح أدبية، ولا مغامرات نسائية، ولا بطولات وهمية، ولا مؤامرات سياسية، ولا تصفية حسابات شخصية».