لما كنت أجوب الشارع الرئيسي الوحيد لمدينة لوقان مع استاذتي، كانت عيني تتنقل بين أسماء محاله بشغف استكشافي، الذي تحول إلى تصنيف معرفي، فبعض التسميات كنت أخبرها بحكم قروية العالم،كما يحب أن يدعوه الرومانسيين، أو العولمة كما يدعوها المعترضون، والبعض افصحت محتوياته عن كنهه، لكن مسميات البنوك لم تكن تشبه أياً من التسميات التي أعرفها، بل لاأذكر أنها مرت علي في أي مكان في العالم، بما فيه أمريكا ذاتها .

عرفت لاحقا أن لكل ولاية من الولايات المتحدة بنوك مجتمعية، تعمل تحت مظلة بنك أمريكا وهي بنوك محلية نشأت في المناطق المتوسطة وصغيرة الحجم والدخل، رأسمالها من أموال أعيان المنطقة، وعملاؤها من ذوي الدخل المحدود فيها، وبما أن دقيقهم في طحينهم، قامت تلك البنوك في بداياتها - قبل 200 عام - على مبدأ معاملة الموظفين بثقة يتحملون فيها بعض المسؤوليات، والعملاء كالأصدقاء، بينما تعد المعاملات البنكية المعقدة مجرد مزحة .

يوتا وزايون من البنوك المجتمعية بيوتا، بدا ليزايون نحو ألقاب مصممي الأزياء المتطرفين أقرب، إلى أن مررت بالحديقة الوطنية زايونز بارك وأنا في الطريق إلى لاس فيغاس، فأدركت حينها أنه اسم ليس له علاقة بالمظهر البشري، وأن علاقته بحتة بمظاهر سطح الأرض الجيمورفولجيا .

ولما اعتقدت أن معرفتي بهذا الاسم اكتملت، وجدتني أتعلم أن زايون Zion هو اللفظ العبري لجبل صهيون في القدس، الذي انطلقت منه الديانة المسيحية، وكان له معنى روحي في الديانة اليهودية، تحور المعنى في الفترة الأخيرة ليصبح استيطانيا!! شدني هذا الاكتشاف المعرفي، وجرجرني الفضول إلى معرفة تفاصيل تسميات المحلات العمرانية في ولاية يوتا، ذات الخصوصية الدينية المورمنية، فوجدت أن المسميات الجغرافية بها التي لا تعود للمكتشفين الأوائل، ولا للأسماء الأصلية للمنطقة، تكون مستوحاة من الأماكن المقدسة المذكورة في التوراة والإنجيل، أو من أسماء الأنبياء المذكورين في كتاب المورمان مثلاً هي Lehi ومورني Moroni، فتنبهت أن استيطان المورمان ل يوتا لم يكن اعتباطياً، بل كان مدروساً بعناية، فتضاريس الولاية تشبه تضاريس الأراضي المقدسة عند الكتابيين، التي تقع في بلاد الشام (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن)، إبتداء ببحيرة الملح التي تشبه البحر الميت، وانتهاء بالجبال ذات الصخور الرملية المحيطة بها أوالمتناثرة حولها .

وكما أن زايون وجهة سياحية في جنوب غرب ولاية يوتا، موآب Moab أي شرق نهر الأردن، التي تقع في شرق نهر كلورادو من أشهر المدن السياحية في جنوب شرق الولاية، هذا التشابه بين الشرقين والاسمين يجعلني أشك أن هذه مجرد صدفة، فهناك محلات عمرانية أقل شهرة وحجما مثل أينوخ Enoch أي أدريس، وبلوفديل Bluffdale، وEphraim أفرايم، مستوحاة من التوارة أيضاً . بالرغم من أن البعض يعتقد أن مواب ترجمة للفظ بعوض في لغة قبائل البايوت الهندية، لكني لا أذكر أني رأيت بعوضاً لما زرت المدينة في مايو الماضي، خاصة أن نجمة إسرائيل كانت على حوائط كنائس المورمان، بل إن للسفراء الإسرائيليين زيارات دورية لتلك الولاية البعيدة، التي لا أعتقد أن أياً من الدبلوماسيين العرب أو المسلمين قد فكر في زيارتها!

لذلك لا أتفق مع الرحالة الإنجليزي السير ريتشارد بورتون Sir Richard Burtonصs أن المورمان صنعوا لهم ديانة من الثلاث ديانات الكتابية مجتمعة، كما جاء في كتابه مدينة القساوسة، حيث بنى رؤيته تلك من إقامته الطويلة في مكة والمدينة، وبالطبع معرفته الجينية بالديانتين المسحية واليهودية . وأسباب عدم اتفاقي معه بسيطة، فالمورمان لم يقولوا ذلك عن أنفسهم، وتعدد الزوجات موجود في التوراة، وستر (حجاب) النساء موجود في التوراة والإنجيل معا، وليس عند المسلمين فقط .

أنا أيضاً قبل أن أقرأ عن المورمان تساءلت إن كانت لهم جذور إسلامية؟ لدرجة أن شطحت بأفكاري إلى أنهم قد يكونون من بقايا مسلمي الأندلس، بما أن اكتشاف الأمريكتين كان في الفترة التاريخية ذاتها التي قضي فيها على آخر معقل للمسلمين في غرناطة، فتبادر إلى ذهني - المنفرج عن أفكار لا معقولة دائماً - أن مجموعة من المسلمين الأندلسيين كتموا إسلامهم بعد أن تم تنصيرهم، ولمانزحوا إلى العالم الجديد، أظهروه بحلة مختلفة دمجت بين المسيحية والإسلام، نتيجة ابتعاد الفترة بين تنصيرهم في القرن الخامس عشر، وظهور المورمان في القرن التاسع عشر .

لكن بالقراءة والتواصل مع المورمان Mormons عرفت أن عقيدتهم تقوم على ما يعرف بالمسيحية الأولية، أي المسيحية كما كانت في زمن سيدنا عيسى عليه السلام، اقتبسوا كنيتهم من كتاب المورمان The Book of Mormons ،1830 لمؤلفه جوزيف سمث (1805-1844)، الذي ادعي في 12 من سبتمبر 1823 - وهو ابن 18 عاماً - أنه رأى الملاك مورني حارساً لكتاب كتب في لوح من الذهب، وأن الملاك بعد أربع سنوات أعطاه كتاباً مع حجرين، مكتوب عليهما باللغة الهيروغليفية، فقام هو بمساعدة أوليفر كوري بترجمته، وسماه كتاب المورمان نسبة للملاك مورني .

يؤمن المورمان بوحدانية الخالق، ويعتقدون أنهم سيحيون المسيحية قبل عودة المسيح الثانية، وكانوا حتى عام 1890 يمارسون تعدد الزوجات، إلى أن منعه رئيس الولايات المتحدة، وذلك قبل أن تنضم يوتا إلى أمريكا في يناير ،1896 بالمناسبة كان لجوزيف نفسه - الذي مات قبل أن يكمل أربعين عاماَ- عدد من الزوجات، والمورمان لا يشربون المواد المسكرة، ولا حتى المسهرة/ المنشطة مثل الشاي والقهوة، مع أنهم يشربون الكولا ويأكلون الشوكلاته اللتين بهما كميات لا بأس بها من المنبهات، وهذه المواصفات تختلف عن البعد السلبي الذي يظهرهم به بعض الأفلام، والبرامج مثل أوبرا ود . فل .

من احتكاكي النادر بالمورمان عرفت أنهم يحاولون دائماً أن يكونوا مثلاً أعلى ليقتدي بهم الناس، فذلك يسهل حملاتهم التبشيرية العالمية، فتذكرتنا يوم كان لنا مُثُل عُليا، وقيم أخلاقية أسمى، أدخلت نصف البشرية في الإسلام .

[email protected]