تتسبب الإصابة بداء السكري عند الأطفال في عدم قدرة خلايا الجسم على استخدام الجلوكوز الناتج من الأطعمة لإنتاج الطاقة، ما يؤدي إلى تراكمه في الدم. وينقسم المرض إلى نوعين شائعين؛ الأول ناجم عن خلل في جهاز المناعة، ويحدث في عمر مبكر، أما الثاني فينجم عن نمط الحياة غير الصحي، والسبب وراء هذا النوع يتمثل في مقاومة الأنسولين، وتعد مراقبة الطفل أهم سبل الكشف المبكر عن المشكلة التي يمكن أن تكون سبباً في مضاعفات صحية تلازمه خلال العمر.
يقول الدكتور شريف الريفي استشاري الغدد الصماء وأخصائي مرض السكري، إن خلايا بيتا في البنكرياس تقوم بإنتاج هرمون يسمى الأنسولين يسمح للجلوكوز بدخول الخلايا، حيث يتم تخزين الجلوكوز الزائد للاستخدام لاحقاً، ونتيجة قلة أو انعدام الأنسولين تحدث الإصابة بالنوع الأول من المرض، أو عندما لا تستجيب الخلايا للأنسولين وينجم عنه النوع الثاني، وبالتالي يرتفع مستوى السكر في الدم لدى المريض، ولا تزال العوامل المسببة للداء من النمط الأول غير واضحة، ولكن هناك آراء تميل إلى أن الجسم يعتبر خلايا بيتا أجساماً غريبة، ما يدفع الجهاز المناعي لتدميرها.
ويشهد انتشار مرض السكري بين الأطفال ارتفاعاً في جميع أنحاء العالم لأسباب غير معروفة، مؤثراً في عدد متزايد من الأصغر سناً، وفي فنلندا وغيرها من البلدان الإسكندنافية تكون معدلات الإصابة بالمرض أعلى، فيما تنتشر في فنزويلا واليابان وأجزاء من الصين أدنى المعدلات.
أنواع المرض
ويبين د. شريف أن هناك أنواعاً مختلفة من السكري لدى الأطفال، إلا أن الأول يؤثر في نحو 90% من الصغار، ولا تمكن الوقاية منه، حيث يعد من أمراض المناعة الذاتية ويحتاج إلى جرعات أنسولين مدى الحياة، كما لا يرتبط بالأنظمة الغذائية السيئة أو قلة ممارسة الرياضة، ولا يصنف ضمن المشكلات الوراثية بنسبة 100%، حيث تشير البحوث والدراسات التي أجريت على التوائم المتطابقة إلى أنه في حالة إصابة أحد التوائم بمرض السكري من النوع الأول، لا تتعدى احتمالية إصابة الآخر نسبة 50%.
ويضيف: «يؤثر النوع الثاني في 5% وترتبط الإصابة به بالسمنة، ولذلك فاتباع النظام الصحي وزيادة التمارين والأنشطة الرياضية، مع تناول الأدوية، يسهم في التحكم في هذا النوع من المرض، ويمكن أن يقوم الصغير بالدراسة والأنشطة اليومية الروتينية بشكل طبيعي، وهناك أنواع نادرة تستهدف الأطفال مثل السكري ذي المنشأ الجيني المعروف ب«مودي».
أعراض متعددة
ويوضح د. شريف أن الشعور بالحاجة إلى التبول بشكل متكرر يعتبر أحد الأعراض الرئيسية لداء السكري، أو ربما التبول في الفراش، إضافة إلى العطش، والإحساس بالتعب، كما أن الأطفال المصابين يفقدون أوزانهم دون سبب، حيث إن مخازن الطاقة لديهم تصبح فارغة، ما يؤدي إلى قيام الجسم ب«حرق» الدهون للحصول على الطاقة، ما ينجم عنه تراكم نوع من الأحماض يطلق عليه اسم «الكيتونات»، وربما يكون هذا التراكم خطراً، وتشمل علامات ذلك رائحة نفس مميزة، إضافة إلى ألم في البطن وقيء ومشاكل في التنفس.
آليات التشخيص
ويفيد د. شريف بأن التشخيص يبدأ بزيارة الطبيب عندما يكتشف الوالدان ظهور بعض الأعراض على الطفل مثل التعب، والعطش الشديد، وكثرة التبول، ليقوم المتخصص بإجراء فحص دم للتحقق من إصابة الطفل بالسكري، وتشمل الفحوص الاختبار العشوائي لفحص السكر الذي يمكن إجراؤه في أي وقت، واختباراً أثناء الصوم، إضافة إلى اختبار الهيموجلوبين السكري التراكمي، الذي يقدم مؤشراً حول مستوى السكر في دم المريض خلال شهرين أو ثلاثة أشهر الماضية، كما تفيد اختبارات البول في التحقق من وجود الكيتونات التي يمكن أن تشير إلى النوع الأول أيضاً.
فئة مستهدفة
ويذكر الدكتور إدريس مبارك، متخصص في الغدد الصماء أن الأطفال الذين لديهم تاريخ عائلي بالإصابة بالسكري، أكثر استعداداً للتعرض للإصابة، ويعد داء السكري من النوع الثاني الأكثر شيوعاً عند الأطفال البدُن قليلي الحركة، الذين يتناولون كثيراً من الوجبات السريعة، ويمضون أوقاتاً طويلة أمام الشاشات، عوضاً عن ممارسة الأنشطة الجسدية، وهناك أنواع مختلفة من أنواع السكري تصيب الأطفال، وتختلف الإصابة بحسب عمر أو حالة الطفل:
منذ الولادة وحتى عمر 6 أشهر أو العام الأول، يحدث نوع محدد من داء السكري، يُسمى «سكري حديثي الولادة»، وعادة ما يكون هذا النوع عابراً، ولكن يمكن أن يستمر في بعض الحالات، ومن غير المألوف ظهور السكري في عمر سنة إلى 3 سنوات.
يميل داء السكري من النوع الأول للظهور بصورة أكثر شيوعاً نسبياً عند الفئة العمرية ما بين 4 إلى 6 سنوات وفي مرحلة النضج، أما النوع الثاني فهو أكثر شيوعاً عند المراهقين وتندر الإصابة به قبل مرحلة النضج.
أسباب وعوامل
ويوضح د. إدريس أن أسباب الإصابة بسكري الأطفال تتنوع، حيث إن السكري الذي يصيب حديثي الولادة ينجم عن نوع واحد من الطفرات الجينية، ويؤدي بدوره إلى اضطراب في إفراز الأنسولين، بينما تنجم الإصابة بالنوع الأول الذي يصيب بصورة أكثر شيوعاً الأطفال قبل سن البلوغ، عن حالات مرتبطة بالمناعة الذاتية، حيث يدمر الجسم خلايا البنكرياس، فيما يعد السكري من النوع الثاني مرضاً متعدد العوامل، مع تأثير أكثر قوة في نمط حياة المصاب، وتلعب البدانة وأسلوب الحياة الخامل والاستعداد الوراثي دوراً في ظهوره.
مشكلات صحية
وتشير الدكتورة فيروزة جافاروفا طبيبة الصحة العامة، إلى أن السكري من النمط الثاني زادت نسبة إصابة الأطفال به بشكل كبير منذ تسعينات القرن الماضي، تزامناً مع ازدياد معدلات السمنة بكافة أنحاء العالم. وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2035 ستزداد هذه النسب بأكثر من 80% في الشرق الأوسط والهند، حيث سيبلغ عدد المصابين بالسكري وأعراض ما قبل السكري نحو 67% من إجمالي السكان، ويبلغ متوسط عمر الأطفال المصابين بمرض السكري من النوع الثاني 10 سنوات فما فوق، منهم يافعين في مرحلة البلوغ المتوسطة إلى المتأخرة.
وتضيف: «السمنة هي المسبب الرئيسي للإصابة بالنوع الثاني، خاصة مع ضعف التغذية والعادات السيئة، وتناول كميات مفرطة من الكربوهيدرات بنحو 55-60% من الوجبات اليومية، في حال عدم معالجة الطفل مبكراً، فإن ضعف استقلاب الجلوكوز ربما يصيب كافة أجهزة الجسم، ويسبب مشكلات لوظائف الكلى والكبد والعيون، ويؤدي إلى ضعف قدرات التعلّم، والاعتلال العصبي، وجملة من المشكلات الصحية الأخرى».
تدابير وقائية
وتؤكد د. فيروزة أن علامات السكري يمكن أن تظل صامتة لسنوات لدى 40% من الأطفال، لذلك فإن الوقاية منه تعتمد على التخلص من العادات الغذائية الخاطئة لأطفالنا، والبدء باتباع نظام صحي يشمل كافة أفراد العائلة، حيث إن الصغار يتناولون ما يقدمونه لهم الأهل، ومعرضون لتناول كميات هائلة من السكر يومياً، لاسيما السكريات الخفية الموجودة في العصائر والمشروبات الغازية، حيث إن كوباً واحداً من عصير البرتقال يحتوي على أكثر من 11 ملعقة صغيرة من السكر، كما يؤثر البسكويت والحبوب والوجبات السريعة في استقلاب الجلوكوز لدى الأطفال، ما يؤدي إلى مقاومة الأنسولين، والإصابة بالسمنة والسكري، ويمكن إبطال هذه المخاطر دون أي مضاعفات إضافية خلال أقل من أربعة أسابيع في حالة المبادرة إلى اتخاذ الإجراء المناسب.
وتضيف: «ينبغي العمل على رفع مستوى الوعي ليس فقط من خلال تعليم الأطفال في المدارس، العادات الغذائية الصحية؛ بل تجب مشاركة الأهل أيضاً، خاصة فيما يخص الوقاية من السمنة، لمنع خطر الإصابة بالنوع الثاني قدر الإمكان، حيث أظهرت الدراسات الحديثة أن بناء أسلوب حياة صحي، واتباع عادات الطعام غير الضارة، وممارسة التمارين بشكل كافٍ، وتخفيض الوزن يؤدي إلى منع ضعف استقلاب الجلوكوز، والوقاية من داء السكري عند الأطفال».
إصابة المراهقين
يستهدف داء السكرى من النوع الأول الأطفال قبل سن البلوغ بشكل شائع، فيما ترتفع نسبة الإصابة بالنوع الثاني عند المراهقين، وهو يعد أكثر تعقيداً ويرتبط بالعديد من المضاعفات على المراهق، إضافة إلى أنه يجعل المصاب عرضة للإصابة بأمراض مصاحبة أخرى مثل ارتفاع مستويات الكولسترول، ضغط الدم المرتفع، اختلال الوظائف البطانية للأوعية الدموية، وهو ما يزيد من خطر الإصابة المستقبلية بأمراض القلب والأوعية الدموية، ولذلك فإن تنظيم الوجبات واختيار نوع الطعام الصحي يعتبر الحل الأمثل للسيطرة على عوامل الخطر الناتجة عن هذا المرض.