يبدو طبيعياً في سياق الحديث عن التجربة الإبداعية للشاعر الإماراتي عبدالعزيز جاسم أن ينظر الباحث أو الناقد أو المهتم عموماً إلى التجربة الفكرية لهذا الشاعر، خاصة تلك التي جمعها بين دفتي كتابه جحيم نيوتن، فنحن إزاء مبدع ومفكر في الوقت نفسه، أو لنقل إزاء شاعر يحتاج إلى مساحة إضافية غير الشعر، وهي مساحة قد تبدو للوهلة الأولى على نقيض الشعر، فكثيراً ما قيل إن الشعر غير منطقي، أما الفكر فقائم على المنطق، وإلا ما سُمي فكراً .

يقول جاسم في فصل خاص بعنوان الشعر في المياه الفيزيائية: لطالما ظلّ الاعتقاد سائداً في الشعرية العربية، باستحالة الجمع بين الشعر- والأدب عموماً- والعلم، تماماً كما لو أنهما على عداء دائم ولا يمكن لهما تذويبه أو كسر حواجزه أبداً . ولكنني شخصياً أنظر لهذا الاعتقاد كما لو أنه من متوهمات الماضي، بل هو بالنسبة لي أقل صحة اليوم من أي وقت مضى . وما يقوله جاسم في صفحات متأخرة من الكتاب، وتحديداً في الصفحة 474 يبدو وكأنه دفاع من نوع ما عن علاقة الشعر بالعلم، وما يمكن أن تعنيه هذه العلاقة من امتدادات ذات صلة بضرورة وجود منطق ما ينظم العلاقة بين الشاعر والفكر، أو بين الشاعر والعلم، وبمعنى آخر، فإن جاسم يرفض ألا يكون الشاعر منخرطاً في قضايا زمنه، وألا يكون له موقف من القضايا الإشكالية الموجودة في عصره، وهكذا فإن جاسم ينتمي إلى تلك الفئة من الشعراء العضويين الذين يسخرون من حصر الشاعر في نطاق العمل الجمالي المحض، وهو يقول في الفصل السابق ذاته: لقد دأب، من يمتازون بذهنية التسطيح والعقم النقدي الإفقاري إذاً، على وضع الحدود والسدود والعراقيل دائماً أمام لقاء محتمل بين المجالين الشعر والعلم، بل بين الشعر وأي مجال آخر . . لقد أرادوا أن يصنعوا أقفاصاً محكمة الإغلاق للشعر على شاكلة أقفاص حدائق الحيوانات، كما أرداوا أن يخفضوا سقف حريته ومغامرته وانفتاحه الذي يتبدى دائماً وأبداً كمرآة للكون أجمع .

لكننا إذا ما عدنا إلى عنوان الكتاب جحيم نيوتن وعنوانه الفرعي تأملات ثقافية في تحولات العالم سنجد أن جاسم أراد للعنوان أن يكون أكثر من مجرد مدخل إلى الكتاب، وكما هو معلوم أن نيوتن (1643-1727) هو عالم فيزياء وفيلسوف وعالم فلك بريطاني اكتشف قانون الجاذبية الأرضية، وكان التأمل هو أحد الأدوات الفكرية الرئيسية في عمله، ومن هنا يمكن أن نكتشف الرابط أو العلاقة بين العنوان الرئيسي والعنوان الفرعي في كتاب جاسم، لكن ربط نيوتن أو التأمل بالجحيم فهو ينم عن إحساس قوي بشقاء الوعي في ظل التحولات التي تحدث في العالم، وهو شقاء نابع من التناقض بين منجزات البشرية الفكرية وواقعها، وبين أعلى درجات التطور التي أحرزتها البشرية في بعض جوانبها بينما ما زالت الكثير من الجوانب تبدو وكأنها ما زالت تنتمي إلى العصور البدائية .

يحاول جاسم أن يقارب الكثير من القضايا انطلاقاً من قوة المعرفة ذاتها، وهو ينظر إلى المعرفة من زوايا عدة، فهي ليست محايدة، وهو أمر يؤكده -حسب جاسم - تحول المعرفة نفسها إلى أدوات للهيمنة، ورغماً أن المعرفة شكل من أشكال الحرية، أو نتيجة لها، إلا أن تحولات الواقع والمصالح تفرض تغيرات جذرية على الدور الذي تلعبه المعرفة في ظروف مختلفة: وهكذا، نتج عن تحرر المعرفة (معرفة الكون)، واتساع رقعة المعارف والثقافة عموماً في أوروبا، والإيمان بالعلم الطبيعي والعلوم الأخرى وبحتمية التقدم وبضرورة فصل السلطات، أن تصدعت السلطات القديمة تحت ضربات معول العقل الإنساني الجبار، وعلى هذه الشاكلة . . انطلق الغرب في صنع أنموذجه الضاري المهيمن على عالم اليوم .

لكن جاسم في خضم مقاربته لتطور المعرفة إلى حالة من الهيمنة القائمة على نموذج يحاول في الوقت ذاته أن يؤكد دور الوعي النقدي في تطور المعرفة، وهو وعي لا يؤمن بالمسلمات والبديهيات، ومرجعيته الوحيدة هي النقد ذاته، وكذلك فإن الأدوات النقدية تأخذ قوتها من تطورها، وهو ما يقاربه جاسم في سياق عصر الأنوار الأوروبي الذي يشكل نيوتن جزءاً لا يتجزء منه .

وفي مقاربة جاسم لعصر الأنوار تأتي مقاربته للوعي الجديد الذي نشأ في ذلك العصر في صلب رؤيته للكيفية التي تمكن منها ذلك الوعي بإعادة قراءة الظاهرة الدينية، خاصة أن أوروبا القروسطية كانت قد عممت الجهل بفضل التحكم بتفسير المقولات الدينية، ويقول جاسم: لم تعد الظاهرة الدينية، بالنسبة لنيوتن، ولا لفكر الأنوار عموماً مجرد ظاهرة دينية خالصة، ولا يمكن اعتبارها ظاهرة ميتافيزيقية متعالية ومحجوبة عن رؤية البشر وبصيرتهم، بل هي في متناولهم، ويمكن إدراكها إذا ما أرادوا، واستوعبوا ذلك فعلاً، لكن شريطة أن يعقلوا ويتعقلوا الدّين، بظاهرياته وغيبياته وبنياته ومعانيه المتعددة .

من جهة أخرى فإن إعادة قراءة جاسم للفكر في عصر الأنوار ليست عملية ترف، أو عملية بحث مفصولة عن هواجس يفرضها الواقع العربي نفسه على المثقفين والمفكرين والفنانين، وإنما هي قراءة تحاول أن تبني نوعاً من المقارنة بين حاجات أوروبا عصر الأنوار وبين حاجات العرب في العصر الحديث، وأهمية الفكر النقدي في فهم جميع الظواهر، خاصة الظواهر الميتافيزيقية أو ما يقاربها .

وفي هذا السياق، لا يغفل جاسم عن الدور الرئيسي الذي لعبته الحضارة العربية الإسلامية في تطور الفكر الأوروبي الحديث: ولعل التأثير البالغ الذي مارسته الحضارة الإسلامية على أوروبا، خاصة في ما يتعلق بالعلوم والفلسفة، ولم يعد ينكره اليوم حتى مؤرخي العلم الغربيين أنفسهم، الذين أصبحوا أكثر واقعية وأقل مبالغة في تقدير دور المعجزة اليونانية التي حامت حولها فكرة التأسيس الذاتي لأوروبا، تمثل في اكتشافهم مدى ما تدين به هذه المعجزة اليونانية للحضارات الشرقية القديمة، كما اكتشفوا ما تدين به أوروبا ذاتها للحضارة العربية الإسلامية وإذا كان الأمر تواصلاً وتفاعلاً حضارياً، فإن السؤال الذي يخطر على البال هو: ألا يحق لنا في ظل التفاعل الحضاري بين الأمم أن نتبنى المنجز الفكري الغربي بكونه منجزاً لأمم شتى؟

تهميش الإنسان

لا يكتفي جاسم في كتابه جحيم نيوتن عند الظواهر الفكرية، وإنما يتوغل في أكثر من ظاهرة، فما شهده العالم من تحولات وتناقضات في العقدين الأخيرين، قد أدى إلى مزيد من التهميش للإنسان، وهو تهميش لابد من رؤيته من خلال المرايا المختلفة التي تعكس ذلك التهميش، ويخصص جاسم فصلاً بعنوان صناعة الظلال وحصار المرايا ينتقل فيه من الذاتي إلى العام، وهنا لا نقصد بالذاتي الذات الإنسانية التي تتعرض لمخاطر كبيرة في لحظة تدميرية من لحظات الحضارة، ويبدأ الفقرة الأولى من الفصل بسؤال على النحو التالي: حين يقف شخص ما مثلاً، ليتملى جسده في مرآة مهشمة، فما الذي سيراه ساعتها؟ ويجيب جاسم عن السؤال بتقديره أن ما سيراه الإنسان في المرآة هو جسد ممزق إلى عشرات الكسر، وموزع إلى أجزاء صغيرة محشورة في تلك الكسر المتناثرة ذاتها والتعبير هنا شعري بامتياز حول حالة الإنسان الذي فقد الماهية الأساسية لوجوده، وهي إنسانيته، ويربط جاسم هذا الفقدان للإنسانية بالحركة القاسية لرأس المال يتزامن هذا الوضع المأساوي أكثر فأكثر، مع التنامي المخيف والعملاق لمضاربات القبضات الاحتكارية العالمية، التي تدير لعبة الاقتصاد والسياسة وتسيطر على وسائل الإعلام .

ما هو جلي في القراءة التي يقدمها جاسم لهذا الجحيم هو مركزية القوة، وهي قوة تحتكر كل أدوات السيطرة، وهي تدير العالم من دون أن تترك منفذاً واحداً للإنسان يتمكن من خلاله أن يتوحد مع إنسانيته، فما تفعله تلك القوة هو تشيؤ الإنسان: الخاسر الأكبر إذاً، في هذا الوضع المرآوي المشوش والبائس هو الإنسان الذي بات يستغل، ويهمش، ويزدرى، وتقوض حياته بألف قبضة وقبضة، ولكن أي حياة هذه؟ من دون إنسان معترف بوجوده ومصانة حقوقه، ومن دون ذات فاعلة وعارفة، ومن دون فكر حر وقيم إنسانية نبيلة، وحياة كريمة وتفتح طبيعي .

هل يمكن الفكاك من هذا الحصار المفروض على المرايا؟ قد لا يكون جاسم مهتماً بالإجابة مع أنه يسعى إلى فضائها، لكن توصيفه للواقع المشظى يؤشر إلى موقف مبدئي يقوم على السؤال أولاً، وعدم الركون لأية صورة تقدمها القوة الرأسمالية المسيطرة، مهما كانت تلك الصورة ناصعة، فمرآة الشاعر والمفكر عند جاسم تأبى إلا أن ترى تشظي صورة الإنسان، إنسان مهمش أكثر فأكثر .

الشاعر والمفكر

في جحيم نيوتن لا يستطيع عبد العزيز جاسم إلا أن يؤمن من موقعه -هذه المرة كمفكر- إلا بالشعر، فالشعر ليس حالة ترفيهية أو جمالية، وليس مجرد كلام فيه عبر، أو كتابة لغوية تظهر عبقرية الفرد في استخدام اللغة، إنما حالة فكرية، فالشاعر -هنا والآن- لا يستطيع إلا أن ينحاز للفكر، بل ربما هو طالب بذلك، خاصة إذا ما افترضنا أن أخلاقاً عليا تفرض على الشاعر اهتماماته: في المنقلب الآخر، يظهر الشاعر بوصفه باحثاً جاداً وملتزماً ببحثه التبصري الاستثنائي، وبإمكانه أن يكتب نصاً فلسفياً أو بحثاً علمياً أو لاهوتياً أو يؤرخ لقارة بأكملها .

وهنا، أي عند الإمكانية التي يعتقد بها جاسم، في أن يكتب الشاعر نصاً فلسفياً، يمكن أن نجد بعض ملامح وسمات هذا الشاعر: الشاعر - الملاح هو إذاً، شاعر مسافر من نوع خاص، نوع أسطوري متجاوز، دمه يجري عبر الأقاليم ويتنفس هواء القرون كلها .

ومن الصفات الأخرى التي يضعها جاسم عدم طاعة القوانين الجامدة، وعدم ترك الناس تلوث ثوبه واقتفاء روح الأشياء والعوالم وكلها صفات تبدو في حقيقتها أسطورية كما يقول جاسم نفسه، والسؤال هنا هو: هل هذا الشاعر موجود؟ أم أن هذا الشاعر -بتلك الصفات- هو كلي الملكات؟ وإذا كان هذا الشاعر غير موجود، أولا يمكن أن يكون موجوداً، فما هو الشعر إذاً غير النقصان؟

في الحقيقة، يشكل جحيم نيوتن فضاءً متعدداً، أو فضاءات لأسئلة لا حصر لها، أسئلة حول تاريخنا المعاصر، وحول التحولات العالمية، وتطور المعرفة، واحتكار السلطة، وأهمية الوعي النقدي، وعدم الركون إلى صورة محددة، وضرورة التفرد، وكل ذلك في مقاربة تتجاوز الطرح الثقافي -كما يحلو له أن يسميها- فهي مقاربة متعددة، فيها نزعة الفكر إلى التحليل والاستنتاج، وفيها روح الشعر المتمردة والثائرة، وفيها مزيج مركب من الذاتي والكوني، وهي تشير حقاً إلى مأساة الإنسان، وإلى جحيمه .