بيروت - رولا حميد:
"عصفوران بحجر واحد" يمكن تلخيص آخر ابتكار لبحاثة الجامعة الأمريكية في بيروت بتوصلهم إلى تحويل فضلات الأشجار إلى فحم، يمكنه إزالة المعادن الثقيلة من المياه متى جرى تحفيزه، وحماية الغابات من الحرائق التي عادة ما تتسبب بها فضلات الأشجار خصوصاً الأوراق المتساقطة .
نجح فريق بحثي في الجامعة باستخدام فضلات الأوراق، خصوصاً الأوراق الإبرية الصنوبرية، وتحويلها إلى فحم (كربون)، وقاد الفريق أستاذ الهندسة المدنية والبيئية د .جورج أيوب، في سبق علمي، ذاكراً ل"الخليج" أنه "تم إخضاع إبر الصنوبر للاحتراق البطيء بالاختناق، أي من دون أوكسجين، بالطريقة التي يصنع فيه الفحم المنزلي عادة عبر مشاحر كبيرة، ثم جرى إخضاعه إلى عملية تنقية من المواد العضوية العالقة به، وبذلك يتم تحفيزه، ويتفاعل بطريقة أكثر نشاطاً وإنتاجية، ويسهل امتصاصه للمواد المعدنية الضارة" .
وقال د .أيوب إن "الفضلات المستخدمة أفضل من الخشب الكبير أو الحطب، فصغر حجمها يسهل تحويلها، ومعالجتها، وتنقيتها من الفضلات والترسبات، ومتى يبست تحت أمهاتها أمكن تفحيمها، وتحويلها إلى مواد نافعة"، لافتاً إلى أن الفريق البحثي آثر الانطلاق من مفهوم البيئة الصديقة التي يمكن الاستفادة منها والحفاظ عليها في آن معاً .
يستخدم الكربون المحفز لتنقية المياه ومرشحات الهواء، وفي العديد من العمليات الإنتاجية . وقام الفريق أيضاً بإجراء أول اختبار علمي لفعالية الكربون المحفّز في تنقية المياه من المعادن الثقيلة كالكادميوم والكروم والنيكل ومعادن أخرى تتسبب بأمراض خطرة، وتهدد الصحة العامة .
ومع أنه يمكن نظرياً تحويل جميع المواد العضوية إلى الكربون المحفّز، فإن الكربون والخشب هما الأكثر استخداماً والأسهل، والأقل تكلفة .
كما أن باحثي الجامعة وجدوا في إبر الصنوبر الجافة مصدراً للكربون من جهة، وآثروا اختياره بتحويله إلى كربون حيث يتم تنظيف الغابات من تراكماته التي عادة ما تتسبب بالحرائق في فصل الجفاف .
ساعد الباحثين في تجاربهم وفرة أشجار الصنوبر في الحرم الجامعي ووفرة الإبر المتراكمة تحتها بحيث أمكن جمعها بسهولة فائقة .
مع العلم أنه توجد في لبنان غابات شاسعة بآلاف الهكتارات، منها الصنوبرية التي تقضي الحرائق سنوياً على مساحات واسعة منها، إن عمدا للاستفادة من حطبها، بالاشتعال الطبيعي متى بلغت الحشائش الدقيقة، وإبر الصنوبر، درجة عالية من الجفاف، بتفاعلها مع الأوكسيجين في الهواء .
جاءت نتائج الاختبار إيجابية بعد سنتين من الأبحاث، بحسب أيوب، ما دفع الباحثين إلى التوصية بجمع إبر الصنوبر الجافة من الغابات، بدلاً من تركها كشرارة كامنة تهدّد أشجار لبنان المتناقصة باستمرار .
وذكر أيوب أنه "في حين يتم استخدام الكربون المحفّز لإزالة المعادن الثقيلة الملوثة من مياه الصرف الصناعي، فإن فعاليته تختلف من وسط إلى آخر"، ذاكراً أن "التجارب التي أُجريت في الأمريكية أظهرت أن الكربون المحفّز المُستخرَج حديثاً من إبر الصنوبر فعّال في امتصاص المعادن الثقيلة في مختلف الظروف" .
وأوضح البروفسور أيوب: "ما يميّز إبر الصنوبر هو أنها متوافرة حول العالم وبكميات كبيرة ويسهل جمعها، ولأنها جافة، يسهل تحويلها إلى كربون محفّز بطريقة أرخص بكثير من تحويل الخشب" .
وأضاف: "الاعتماد على إبر الصنوبر سيخفف من استهلاك شجر الصنوبر الذي يقطع لتحويل خشبه إلى كربون محفّز في ممارسات تؤدّي إلى تدمير الغابات، وإلى التدهور البيئي، وبتحويل إبر الصنوبر إلى كربون محفّز، نحوّل مادة ضارة واسعة الانتشار إلى مُنتج مفيد اقتصادياً" .
ومع أن التشريعات اللبنانية المحلية بشأن معالجة الملوثات الصناعية تكاد لا تُطبّق، يعتقد جورج أيوب بوجود سوق كبيرة للكربون المحفّز، ما يجعل جمع وتحويل إبر الصنوبر نشاطاً مربحاً .
ويختم: "الكربون المحفّز يُستعمل كثيراً في صناعة معالجة المياه . وهو أفضل منقّ ممكن، وله أيضاً استخدامات طبية" .

الفريق البحثي

إضافة إلى جورج أيوب، تألف الفريق البحثي من أحمد دمج (دائرة الهندسة المدنية والبيئية)، ومن محمود الهندي (برنامج الهندسة الكيميائية)، وحسام الراسي (دائرة الكيمياء) . وكانت أبحاث الفريق حول تنقية المياه من النيكل والكادميوم عُرضت في المؤتمر الدولي "المياه ضرورية للحياة" في جزيرة تينوس في اليونان في العام ،2013 ونُشرت في "سلسلة بلابان لأبحاث تحلية المياه" في العام 2014