في حين يشوّه الكيان العنصري الصهيوني جغرافية فلسطين بإقامة جدار فصل بائس من الاسمنت والحديد يشير في مضمونه ودلالاته، إلى انكماش هذا الكيان الدخيل على أرض العرب وخوفه وانغلاقه واقتطاع ثقافته واختزالها إلى منطقة عنصرية مغلقة يحيط بها جدار مادي مشغول يومياً بآلة البناء السلبية العدوانية التي تأكل الأرض والزراعات وحقول الزيتون وبيوت الناس وقلوبهم وأعصابهم.. في حين يحدث كل ذلك بالعقلية الإسرائيلية على خلفية حماية كيان هش وضعيف تتم حمايته بالقوة العسكرية التي تصل إلى حدود الاعتماد العلني على أسلحة الدمار الشامل بما فيها خزانة الأسلحة النووية المحرّم استخدامها في العالم كله، ومع ذلك يطلقها كيان القوة الغاشمة في المنطقة بكل أعصاب باردة تؤدي إلى قتل الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل والشباب والشابّات.. فإذا لم يحقق هذا الكيان الدموي تطبيقاته على الأرض باستعمال الحرب كوسيلة إلى الموت يحدث أن يلجأ هذا الكيان المزروع كالشوك في بلادنا إلى بناء جدار يقطع قلب فلسطين من الوسط تماماً.
مرة ثانية في حين يحدث ذلك بفعل إسرائيلي حقود يسعى بانتظام إلى زراعة الجدار في الأرض الفلسطينية بالقوة وبكل هذه البشاعة التي تخرّب جمال الأرض ومفرداتها الغنائية باستخدام البلدوزر والدبابة والتجريف والسلاح المطاطي والرصاص الحي وغير الحي التي تقتل كلها بالأداة الإسرائيلية أرض فلسطين بأكملها، وتقوم في سياق هذه البشاعة العدوانية الاحتلالية بتحويل الأرض كلها من فضاء أفقي مفتوح على الأزهار والنباتات والأشجار والحجارة = أي الطبيعة = إلى مقبرة ضيقة محصورة في جدار هو في الأساس من صميم ثقافة الإسرائيلي الذي تحركه ثقافته المعزولة والضيقة في تحديدات مكانية يسعى إليها دائماً لأن الخوف هو العنوان الرئيسي الذي يحول دون التفاعل مع أية إمكانية إبداعية حية في العالم، والخوف هنا بالنسبة إلى الإسرائيلي له أسبابه بالنسبة إلى كيان هو في الأصل كيان تجميعي، وكل كيان تجميعي هو خائف بالضرورة، لأن لا ثقافة أصيلة يرتكز إليها، وفي هذه الحال لا بد من جدار يحيط بهذه الثقافة وبهذا الشعب الذي جيء به من جهات الأرض لكي يؤلف دولة في منطقة متوسطية كل حزامها وحدودها المحيطة هي حزام عربي إسلامي.
.. إذن، بالنسبة إلى الإسرائيلي لا بد من بناء جدار يصنع نوعاً من التعتيم على ما تفعله دولة احتلال في حوالي 50 عاماً كانت خلالها قد قامت بكل أنواع الابتزاز والرشوة المادية والسياسية والحرب والاستغلال، وعليه، بنت إسرائيل وتبنى حتى الآن جداراً طوله 765 كيلومتراً يسميها العرب 765 كيلومتراً من الكراهية.
..في حين يقيم الإسرائيلي جداراً منبوذاً وكريهاً على هذا النحو، يقوم شاعر فلسطيني لا يحب الجدران ولا يحب اقتطاع الأرض ولا يحب عزل الحياة عن الحب، كما، لا يحب عزل الأرض عن الأرض هو الشاعر محمود درويش الذي قام بتشييد جدارية شعرية جمالية رفيعة المستوى الذوقي والإنساني والإبداعي لم يكن الموت أبداً هو مركزها الفكري كما ظن الكثيرون من النقاد والشعراء والصحافيين العرب الذين أحبوا هذه القصيدة الطويلة، وإنما = في رأيي = كانت الحيا ة وحب الحياة هي نقطة الارتكاز في هذه القصيدة التي هي جدارية درويش ضد جدار الفصل العنصري الكريه في فلسطين.
وفي حين يقوم الإسرائيليون بتشييد جدران إسمنتية تجرّف الأرض وتمحو صورتها الطبيعية البسيطة، يقوم الشاعر الفلسطيني محمود درويش ببناء جدارية شعرية من اللغة وليست من السلاح، وهو يمضي إلى تأليف نص يضم الحياة والحب إلى قلبه بأسلوب غنائي تبدو فيه عزلة الشاعر ليست أبداً جداراً محاطاً به كما جدار الخوف عند الإسرائيلي الذي يحمي نفسه بالسلاح والإسمنت، ولا يحمي نفسه باللغة والشعر والفن.
وفي مقابل الجدار الإسمنتي العازل وفي الأدوات العملية عند الإسرائيليين في قيامه ببناء سور غريب في بلد هي في الأصل ليست لي.. في مقابل ذلك، يقوم محمود درويش ببناء جدارية شعرية مركزها الجملة التالية في قصيدته الجدارية:
هزمتك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد
الرافدين. مسلة المصريّ، مقبرة الفراعنة.
النقوش على حجارة معبدٍ هَزَمَتْكَ..
فإذا كان مفهوم الجدار المادي العسفي الاحتلالي بكل تداعياته التي تحيل إلى الإحاطة والخنق والحصار.. إذا كان هذا المفهوم مسنوباً بالكامل إلى العقل الإسرائيلي في ضوء ما يفعله الإسرائيليون على الأرض الفلسطينية المحتلة..إذا كان هذا المفهوم الجداري الاحتلالي بهذه الصورة الفادحة مباشرآً ومرئياً على الأرض هكذا وبكل وضوح، أي بما يحيل إلى الموت، فإن الفن والحياة والجمال في رأي محمود درويش ستهزم كل هذا الفعل وسوف ينهزم الموت بالفن ويبقى الجدار نفسه معزولاً ووحيداً وساقطاً ذات يوم كما سقطت في التاريخ عشرات الجدران العنصرية العازلة.
في جداريته الشعرية الإنسانية يهدم محمود درويش فكرة الجدار ويذهب في هذا الهدم إلى تأسيس نص إبداعي إيقاعي دوراني جمالي سردي إن جازت العبارة، وكأنه في بناء هذه الجدارية الشعرية الفلسطينية يناهض وينبذ الجدرانية الصهيونية العنصرية ولو عن طريق الشعر.. التي هي أبسط أدواته التعبيرية وأقواها في آن واحد.
يبني محمود درويش جداريته على حقيقة محدودة جداً وهي في بداية القصيدة جاءت قولاً على لسان امرأة:
هذا هَوَ اسمك
قالت امرأة اللولبي
وغابت في الممر اللولبي..
بعد ذلك يدخل درويش في فضاءات من الغياب والحضور أبرزها اللون الأبيض الذي يرمز إلى الموت أو على الأقل إلى الغيبوبة.. يقول مثلاً..
.. وكأنني قد مت قبل الآن
اعرفُ هذه الرؤيا واعرفف أنني
أمضي إلى ما لستُ أعرفُ. ربما
ما زلتُ حياً في مكانٍ ما، وأعرف
ما أريدُ..
سأصير يوما ما أريدُ.
العبارة الأخيرة.. .. سأصير يوماً ما أريدُ ستكون في الجمل الشعرية التالية الجارية على تفعيلة متفاعلن من البحر الكامل..ستكون بناءات متتالية أشبه بالوحدات الجملية المتتابعة بحيث تبدو بداية الجدارية عبارة عن بناءات إيقاعية متماسكة، بدأت هادئة ما لبثت أن تصاعدت في ارتفاعات إيقاعية غنائية تؤسس بالفعل إلى نوع من الرحلة في الشعر وفي الذات وفي الوجود وفي العدم.. هنا يقول درويش:
لا الرحلة ابتدأت، ولا الدربُ انتهى
لم يبلغ الحكماء غربتَهم
كما لم يبلغ الغرباءُ حكمتهم
ولم نعرف من الأزهار غير شقائق النعمان،
فلنذهب إلى أعلى الجداريات:
أرضُ قصيدتي خضراءُ عالية..
وفي قصيدته الجدارية هذه لم يفصح محمود درويش عن أية كلمة تشير إلى أن قصيدته هي جدارية إلا في هذا المقطع السابق الذي أشار فيه إلى الذهاب إلى أعلى الجداريات.. ولكنه عند هذه الإشارة في القصيدة توقف تماماً وأخذ يستخدم عبارة أخرى كررها مراراً في قصيدته وهي: أرضُ قصيدتي خضراء، عالية وقد اتخذ أيضاً قافية محددة منتهية بحرف الدال وقد عمل في أول القصيدة على مواجهة صوت ب الصدى ربما هو كان صوت الشاعر وصدى صوته.. وهنا يتألق درويش أو يعود إلى غنائيته الكلاسيكية المعروفة في مقاطع يمكن القارئ أن يعود إليها خصوصاً بعد المقاطع التي يقول فيها:
في الجرةِ المكسورةِ انتحبت نساءُ
الساحل السوري من طول المسافة،
واحترقن بشمس آب.. رأيتهن على
طريق النبع قبل ولادتي، وسمعتُ
صوتَ الماءِ في الفخّار يبكيهن:
عُدْنَ إلى السحابة يرجع الزمنُ الرغيدُ
يظل محمود درويش عاملاً على بناء جداريته الجمالية الشعرية الوجودية الحياتية هذه مستخدماً كل قدرته المذهلة في الإيقاع.. مستخدماً أيضاً المفارقات التي عُرف بها في شعره والتي اعترف ضمنياً انه أخذ بعضاً منها من مفارقات المتنبي في قوله مثلاً في هذه الجدارية:
غَنّيت كي أزنَ المدى المهدور
في وجع الحمامة،
لا لأشرح ما يقول الله للإنسان،
لستُ أنا النبي لأدّعي وحياً،
وأعلن أن هاويتي صعودُ..
لكن محمود درويش في هذه الجدارية المشغولة بمهنية شعرية عالية يعمل بعد حوالي ربع القصيدة على قطع إيقاعي مفاجئ ولكنه سلس وغير مرئي أو غير مسموع إلا للقارئ المتخصص. فهو يستمر في الجدارية حتى المقطع الذي يقول فيه:
الوقتُ صِفر. لم أفكّر بالولادة،
حين طار الموتُ بي نحو السديم
فلم أكن حياً ولا ميْتاً،
ولا عدمٌ هناك ولا وجودُ..
وهو حتى هنا يستخدم تفعيلة مفاعلتن من البحر الكامل لينتقل بكل تيسير إلى مقطع آخر يقول فيه:
تقول ممرضتي: أنت أحسن حالاً
وتحقنني بالمخدّرِ: كن هادئاً
وجديراً بما سوف تحلمُ
عمّا قليل..
رأيت طبيبي الفرنسي
يفتحُ زنزانتي
ويضربني بالعصا
يعاونه اثنان من شرطة الضاحية..
أي أن درويش ينتقل إلى تفعيلة فعولن من البحر المتقارب بعدما قطع شوطاً من قصيدته على تفعيلة متفاعلن، وهي تفعيلة ثقيلة، وإن جازت العبارة تتيح لشعراء التفعيلة القدرة على السرد والشرح والتفصيل، فيما فعولن تفعلية غنائية بالكامل وسريعة الإيقاع وقريبة من روح النثر، وفي حالة درويش في هذه الجدارية كان عليه بالفعل أن يتنقل من تفعيلة إلى تفعيلة في هذا النص الدرامي الطويل الذي جاء بالفعل على شكل جدارية وليس جداراً.
الجدارية الشعرية هنا عند محمود درويش تحاول التماهي والاقتراب من المعلّقات الشعرية الكلاسيكية المعروفة في الذاكرة الشعرية العربية، وهي= أي المعلقات الشعرية = جميعها مبنية على نسق شعري عمودي خليلي أي الصدر والعجز، ومثل هذا البناء الشعري القديم هو بالفعل إذا نظرنا إليه من زاوية نظر تشكيلية هو بالفعل شكل من أشكال الجدار.
هذا الجدار الشعري الخليلي قد تم الانقلاب عليه من جانب شعراء التفعيلة في النصف الأول من القرن العشرين، وذلك عن طريق نسف الشكل الصدري - العجزي بتحويله إلى نص مبني على التفعيلة الحرة المفتوحة من دون الحاجة إلى سلطة الشكل الشعري الكلاسيكي، ولقد كان لهؤلاء الشعراء أن يتحوّلوا بالشعر العربي إلى مناطق حرة مفتوحة كان أوسعها قصيدة التفعيلة التي كان محمود درويش أحد أعمدتها الكبرى.
لكن محمود درويش كان دائماً ضد النمط والنسق في اللغة وفي الكتابة على كل محافظته الصارمة على الوزن، ولذلك يقول في جداريته:
.. وآثرتُ الزواج الحر بين المفردات
ستعثر الأنثى على الذكر الملائم
في جنوح الشعر نحو النثر
سوف تشب أعضائي على جميزةٍ،
ويصب قلبي ماءَه الأرضي في
أحد الكواكب..
أي ان محمود درويش كان في الكتابة وفي الحياة ضد فكرة النمط والنسق والجدار، فهو لم يبن جدراناً في شعره، ودائماً كان يتنقل مثل الفراشة من جملة شعرية إلى أخرى.
صحيح أن شعر درويش كله يمكن أن يوضع تحت بصمته وحده بحيث إذا قرأنا جملة شعرية ونحن قد أغمضنا أعيننا عن اسم الشاعر سنقول إن هذه لدرويش، ولكن مع ذلك استطاع محمود درويش تأسيس مملكة شعرية رفيعة المستوى، ولكنه كان دائماً وأبداً لم يبن جدراناً حول نفسه ولم يستطع أحد من أعدائه ومن أصدقائه الاستيلاء على شخصيته أو النيل من تلك الكاريزما الاعتبارية التي كان يتمتع بها في حياته، وحتى ظل يتمتع بها بعد موته.