يتصل الشعر بالقلب اتصالاً وثيقاً كما هي الحال مع الحب. فكلاهما يتغذيان من عصب العاطفة والوجدان والانفجار الشعوري الداخلي، وكلاهما يضعان العقل البارد جانباً أو يؤجلان حضوره الطاغي مستسلمين لصفعة أخرى تجيء من جهة القلب وتضرم نيرانها في قش اللغة من جهة وفي جسد العاشق وروحه من جهة أخرى. لا يحضر العقل في هاتين الحالتين إلا ثملا بحالة الانخطاف أو متواريا خلف قناع من اللاوعي أو الوعي المغيب، وفق تشخيص سيغموند فرويد. وقد يدخل العامل الديني أحياناً على خط القلب كما هي الحال عند الصوفيين الذين يتصلون بالخالق لا عن طريق العقل الجرد، بل عن طريق الاشراف وبوصلة القلب أو كما كان الحال عند أبي حامد الغزالي الذي خانه العقل وتركه وحيداً وأعزلاً مع هواجسه وشكوكه التي لم تجد طريقها الى اليقين النهائي إلا عبر نور قذفه الله في الصدر لا في أخبية الرأس.
هكذا يحضر القلب دائماً كلما كان الشعر محوراً للحديث أو المساءلة أو الحوار. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يهتف الشاعر اللبناني الياس أبوشبكة في احدى قصائده اجرح القلب واسق شعرك منه/ إنما القلب خمرة الأقلام. فمن جرح في القلب نبدأ القصيدة وتشتعل أولى حرائقها، ومن جرح في القلب تتغذى اللغة وتنهمر مطراً أو شرراً فوق رأس الشاعر. والكلام في لغة العرب مشتق من الكلم الذي هو الجرح، صحيح انه جرح في الهواء أو على الورق ولكنه مع ذلك امضى من ضربة السيف، وفق ما تقول العرب أيضاً، لأن الجرح المعنوي والنفسي الذي يحدثه في داخل الانسان قد يصعب شفاؤه ان لم يتعذر ذلك بالكامل. والقلب من ناحية اخرى هو بيت المعنى وخزانه وبئرة العميقة التي قد لا تنكشف ألغازها. وقد يكون القول المأثور المعنى في قلب الشاعر هو الاختزال الأمثل لحالة الغموض والابهام التي تشوب الكتابة الشعرية أو تجعلها حمالة أوجه وقراءات قابلة للتأويل المتغاير وحتى الشاعر نفسه يصبح في هذه الحالة واحداً من القراء الكثر للقصيدة التي يكتبها لا اكثر ولا أقل. ذلك لأنه في حضرة الغياب وفق قول محمود درويش، غيره في الحضور الواعي والمفتاح الذي يلج به عالم قصيدته هو واحد من آلاف المفاتيح المماثلة التي يملكها القراء.
كان لابد تبعاً لذلك ان يتعب قلب الشاعر قبل سواه من البشر العاديين، وأن يستنفد طاقته ومخزونه من التحمل في وقت مبكر وأن يتعرض قبل الأوان الطبيعي للعطب والتلف وسوء الأداء. فهو أبداً في حالة غليان وتوتر واجهاد، وخفقانه مدفوع باستمرار الى حدوده القصوى وهو واقع بشكل دائم وسط حفل شائك من الضغوط والانفعالات والحروب المستمرة مع نفسه ومع الخارج، يتعب قلب الشاعر قبل سواه، لأن جسده ليس نباتياً كجسد الرسام، وفق ما يقوله بابلو بيكاسو، بل هو جسد عصبي وقلق مملوء بالثقوب. لذلك ليس مصادفة ان يتعرض عشرات الشعراء العرب في السنين الأخيرة الى أزمات قلبية متفاقمة كانت السبب الرئيسي لرحيلهم عن هذا العالم. فبخيانة آنية من جهة القلب شق نزار قباني طريق الرحيل الطويل، وهو الطريق الفاصل بين أزمته القلبية الاولى إثر وفاة ابنه توفيق في مطلع السبعينات ووفاته في النصف الثاني من التسعينات. وبفعل خيانة مماثلة قضى محمود درويش الذي يشاء القدر أن تتضمن مجموعته الأخيرة لا أريد لهذي القصيدة ان تنتهي قصيدة مؤثرة في رثاء صديقه نزار الذي قاسمه المرض نفسه وسبقه بقليل الى الموت، وممدوح عدوان أصيب بنوبة قلبية حادة قبل ان يدهمه السرطان. أما الأحياء من الشعراء فهم يتحسسون قلوبهم بهلع كلما سبقهم شاعر من بينهم الى اجراء عملية قلب مفتوح أو توسيع للشرايين أو تدعيم لعضلة القلب، وهو ما حدث في الحقبة الأخيرة لعباس بيضون وعبده وازن وحسن عبدالله وآخرين غيرهم.
لم يكن الشاعر اللبناني بول شاوول ليكتم مخاوف مماثلة بشأن وضعه الصحي. ولم تكن هذه المخاوف بأي حال لتحضر في شاعر بعينه، بل كانت تطال كل أبناء ذلك الجيل الذي سمي على سبيل الاصطلاح الزمني بجيل السبعينات في حين انه يغوص اليوم في ستينات العمر أو أواخر خمسيناته على الأقل وكثيراً ما كنا نحاول درء الكهولة الزاحفة أو الأمراض المحتملة عن طريق رياضة المشي اليومية على كورنيش المنارة في بيروت، قبل ان ينكفئ شاوول الى بيته ليزاول رياضته تلك عن طريق الآلة الكهربائية. ومع ذلك فلم يكن صاحب بوصلة الدم كثير الشكوى لأن شعوره الدائم بالتميز والكبرياء كما بالتوحد والعزلة كان يمنعه دائماً من التبرم والشكوى أو من الافصاح عن نقاط ضعفه. غير انه كان يخفي هذا الضعف وتلك الهشاشة الداخلية خلف حضور آسر وكاريزما شخصية واضحة وايهام بالقوة والاستحواذ.
قبل أشهر قليلة أصدر بول شاوول كتابه اللافت دفتر سيجارة الذي كان المحاولة العربية الأولى على الأرجح لمقاربة هذا الموضوع ورفعه الى مستوى الشعر. تحدث بول عن السيجارة كما لو انه يتحدث عن الحبيبة أو القصيدة أو الحياة نفسها موائماً بين دخانها الضبابي وبين ضباب الكتابة المتصاعد دائماً من بين أصابعه وتحدث أيضاً عن السم البطيء الذي يسري في جسده بسببها وهو الذي يدخن وفق قوله مائة سيجارة في اليوم.
بول شاوول يرقد الآن على سرير المرض في احدى غرف أونيل ديو في بيروت بعد اصابته بنوبة قلبية اقتضت إجراء عملية قلب مفتوح للشاعر الذي وهب قلبه حتى الثمالة للكتابة والصداقة وفرح العيش، ثمة اتساع في صمام قلبه، بقول الأطباء، بما يشبه الحالة التي عانى منها صديقه الراحل محمود درويش، وان بنسبة أقل خطورة. ونحن - أصدقاءه ومحبيه - لا نملك في أوج محنته الصحية سوى ان نتمنى لقلبه الشفاء ولقلمه ان يعود سبالاً ومعافى وحافلاً بالوعود.