تعد نصوص مجموعة قبلة على خد القمر للشاعر حارب الظاهري، إحدى المجموعات الشعرية الجادة، التي أسهمت في رسم ملامح الشعرية الإماراتية، على اعتبارها تجسد تعبيراً عن الهاجس الحداثي للشاعر الظاهري، كما هو حال كثيرين من أبناء جيله، ممن أولعوا بسؤال الحداثة، وراحوا يترجمونه في إبداعاتهم التي شكلت، بمجموعها، حالة خاصة .
تضم المجموعة واحداً وعشرين نصاً، على امتداد ثمان وتسعين صفحة من القطع الوسط، جاء أغلب عناوين هذه النصوص مؤلفاً من مفردتين،أو ثلاث مفردات، أو مفردة واحدة: دمعة الياسمين، محراب أنثى، فتاة الغلاف، وله، زهور الصحو، شرفة الحب، الصمت، طيف الهوى، وردة المطر، تعالي، رحيق اللقاء، وداعاً أيها الانتظار، قلما تأتين، كيف لا أهواك؟، بين هنيئات السفر، من وحي القمر، نسمة أنثوية، عبير، عشق الغاب، زنبق الورود . . .! .
افتتح الظاهري مجموعته، هذه، بإهداء عنونه ب فينيسيا الحب، وجاء على شكل قصيدة، وإن كان قد وقع النص باسمه الأول، كما تقتضي طبيعة الإهداءات، عادة:
منذ أن قبلت خدك
وأنا أستلهم من وجهك المطر
ألتذ بطعم الحياة
يا وردة في سفر
لا مفر من حبك لا مفر
لا أعرف إلا اسمك
لفظاً للعشق والقدر
وشوقاً للقبل والعطر
نظرة في عمق الصدر
تفتح شهية العمر
يا رحيق البكر
منبت الحسن
ما أخفيت من نصف
جمالاً وسحراً
ساطع خيالك
في القلب
أنت في السماء قمر .
بالرغم من أن الظاهري حاول أن يقدم إهداءه - كما أشير في استهلالة هذه الوقفة النقدية - على شكل نص شعري، محاولاً أن يوقعن النص، من خلال الاتكاء على تقفيته، وجرسه الخارجي، خلافاً لما تتطلبه طبيعة قصيدة النثر التي توجد إيقاعها الخاص - عادة - ما جعل النص يفقد شيئاً من رهانه النثري .
ومنذ القصيدة الأولى دمعة الياسمين يمنح الشاعر متلقيه مفتاح عوالم نصوصه، لتظهر هويتها، وملامحها الأولى تدريجياً، ضمن حقل قصيدة النثر، بناء، ولغة، وصورة، ومناخات، ومما جاء في هذه القصيدة:
وردة تسكن
وراء النهر
هي في دمي
سوسن الأمل
تسكب دمعة الياسمين
وتصلي باسم الزنابق
تشتري زقزقة العصافير
من فم قطرات الندى
وترحل فجراً
يرحل ظلها وراء النهر . .
إن أية قراءة للنص، تبين أن الشاعر يتعامل بمهارة عالية مع صورته الشعرية، بل وعمارة النص، وإن كانت اللغة لديه، غير ميالة للخروج عن معجميتها كثيراً، تجديداً وانزياحاً، كما أن النص يظهر رغبة عارمة لدى الناص في الاستفادة من بعض مقومات القص، حيث يقول:
تنفض عشقنا الوردي
على رفات العمر
تسقط أوراقها همساً
يداعب الصمت
يحف عرش الحب
أنفاس النهر
تدغدغ رحيقك
والشمس تجفف تاجك
لتزرع شرنقة الورد
حباً واحداً لايكفي
لعصر أكاليل العطر
لا تكفي أحلامنا
لبناء أسوار
ضد الريح والأهوال
لايكفي لتكوني وردة
تمزقك الأعاصير
والأشواك
وأنا تمزقني القبل
التي ضلت طريقها
عن شفتيك
مثل مزنة تعبت
فسكبت دمعة حزينة
على أرض جرداء .
يلاحظ القارىء، أن ثمة إيقاعاً داخلياً، يتشكل من جراء تفاعل مجمل أدوات الشاعر، على امتداد الشريط اللغوي للنص، حيث هناك تجسير باد بين النص ومتلقيه، وهو ما يجعل النص قادراً على استفزاز متلقيه، وجذبه، وإدهاشه .
صحيح، إن دارس مثل هذه النص، سيجد-في المقابل- فائضاً من النثرية، يترى على شكل استطالات، وبخاصة حين يحاول الناص أن يقدم مزيداً من الصور المتناسلة، المتواشجة، ليبين مدى درجة استهداف الوردة، من قبل الشوك والأعاصير، وهو ما كان قادراً على الإيماء إليه، بالروح نفسها التي بدأ النص يحقق من خلالها دراميته، في خط تصاعدي، لاسيما في بدايته، وفي منتصفه، وحتى النهاية نفسها، لولا ما أشير إليه، من هيمنة للدفق على شريط الصور المتتالية .
ثمة بساطة واضحة، تهيمن على عوالم نصوص المجموعة، بعيداً عن أية فنتزة، أو عملقة، ومن دون التفكير - كثيراً - بالشكل، واللغة، اللذين تهيمن عليهما العفوية، ليكون هذا النص، ابن الدفقة الأولى، عفوياً، شبيهاً بعوالم روح الناص، في أقصى درجات لحظات حساسيتها، وشاعريتها، يقول في نص محراب أنثى:
كأس تمتلئ
وليل يعتلي
صهوة النغم
للسكون
محراب أنثى
تتحدى الأفق
تشبه شمعة
لا تأبى إلا . . . .
أن تطفىء رحيقها
ثمة إمعان في الوصف، أثناء رسم الحالة، في محراب الأنثى، وهو ما يأتي نتيجة صعود اللحظة القصصية،إلى ذروتها، وغير بعيد عن فضاء التشكيل، حيث يتم التعويل على حركة خطوط الصورة، وإن بأمداء اللغة، العادية، ليكون ذلك مكمن سر شعرية النص يقول الشاعر:
كأسها يمتلىء عطراً
أحلامه ترقص سحراً
فمنتهى الحب
أن تلامس شفاهها
الوردية الشهد
وأن يضيء وجهها القرمزي
والظلام على محياها ينسكب
عيناها تتقد عشقاً . . .
والليل كأس أخرى
وللعشيقة ملذة
إن توحد جسدها
في سهرة قمراً
طاب العمر
في هواها سكراً .
ولع الشاعر بغنائية النص، يدفعه إلى استحضار مغامرة إهدائه الذي افتتح به مجموعته، حيث لا يستطيع الفكاك من الإيقاع الخارجي، وإن كان يربط ذلك بالإيقاع الداخلي نفسه، يقول في نص فتاة الغلاف:
لم يبق لي
لم يبق . . .
سوى صدى صوتك
يرتجف
رحيق حبك
قد مضى
وكنت من ليله
أرتشف
لغيابك أعترف!
وهل الصبابة
ذنب يقترف
أم هي النهايات
تنفي الذكريات
من العمر إلى العصف
تشطر نهر الحب
فتذبل وردة . . وتموت
والماء لم يجف .
وقد يأتي النص - أحياناً - في شكل رسالة، كما هو حال زهور الصحو حيث تشكل العبارة المدهشة، البؤرة الجمالية للنص، وفق إيقاع أحادي، تتكرر عبر مساحة النص، العبارة في لباس الشفافية، وإن كنا لا نجد تلك الانزياحات التي تعطي للغة بعداً آخر، بيد أننا نجد حذقاً في استخدام اللغة، ضمن معجم يوميتها، كي يشعل الشاعر ضراوة الجدة والحياة في اللغة:
كم هو جميل هذا الصحو
حين يداعب عينيك
وتفتح زهور وجنتيك
بريق شعرك
نعومة يديك
تصافح النفس
صدرك يرقص كالطير
يضم عبقاً ليلياً
من خبايا الأمس
صباحاً طفولياً
لم يولد بعد
لم تكسه إشراقة الشمس
وزخرفة النسك
تطوق وجهك المخملي
أنت الصحو البعيد جداً
القادم من خلف السراب
يزاحم الزنابق
أنت عبير النفس
تطلبك ألوان قزحية
تمزق السحب
يبدو رونق عينيك
كالسماء في عشقها
تلدغ النهر حياً .
أجل، تظهر اللغة، في هذا النص، وقد بلغت ذروتها، بل إنها لتشير إلى روح شاعرة، اشتغلت بمهارة وحذق فائقين، لأننا لم نكن أمام مجرد لغة يومية،عادية، بل أمام توهج باد، كان من شأنه النهوض بهذه اللغة المعجمية، لتشكل بعضاً مما يلزم في المعادلة الشعرية .
تشكل الأنثى محور عوالم نصوص المجموعة، برمتها، وإن كانت هذه الأنثى تظهر من خلال رسم الشاعر لها، حيث ثمة حجاب يترك بين المتلقي، وتلك الأنثى التي تشغل الشاعر، وتوقد في أعماقه حرائق هائلة، يقول في نص زنبقة الورود:
ترحلين هذا المساء
حين يحط الرحال
تقلمين أظافر النوى
كعبق أنثى
توشوش صدر الخفاء
تبوح بأسرار الليل
فينفجر سري للفضاء
لحناً يلد زوبعة سوداء
كيف ينتزعك الرحيل
من عطري؟
ومن سفري بالحياة
وحبك يدغدغ
سنابل الهواء
يرتشف من عنقك
عطر الصفاء .
نلاحظ سمة بارزة لنصوص الظاهري، إنها لا تفقد خيط تواصلها مع المتلقي، وإن كانت لا تعمد للهاث وراء البهلوانيات اللغوية، الفضفاضة، بل إنها تواظب على سلاستها، وشفافيتها، من دون قطع الخيط الذي يربط اللغة بتقليديتها، وإن كانت المفردة السهلة، البسيطة هي التي تجذبه بأكثر كي ينسج بها صورة موغلة في الشفافية، تنوشها الذهنية والشفاهية أحياناً .
كما أن نص الظاهري يصر على وحدته العضوية، وهي بدورها سمة أخرى، تسم نصه الشعري، وتجعله متماسكاً، محصناً من الانفلاش، بل إن هذه الوحدة العضوية، ترتب في المقابل إيقاعاً داخلياً، خاصاً، يعد أحد العوامل التي تشد من وثاق العلاقة مع المتلقي، عبر ميكانيزما الجذب والتشويق، ليصلح كي يكون مقروءاً، بعد عقد ونيف على إصداره .
كما أن تمكن الناص من جعل مفردته مطواعة، تسلس بين يديه، أعطى إحدى أهم الأدوات المطلوبة من الشاعر، في مختبره اللغوي، وأعني بذلك اللغة نفسها، عناية، وبعداً، خاصين، هذه اللغة التي رأى بعض النقاد أن القصيدة الشعرية - في الأصل - عمارة لغوية، وإن كان الشاعر، يهادن لغته، هذه، ولا يزجها في مغامرة التحطيم، لتكون لغته أقرب إلى اللغة الماغوطية، منها إلى اللغة الأدونيسية، وهو ما يموقع قصيدته لتكون قصيدة، أقرب إلى الشفاهية منها إلى الرؤيوية .