انعقدت في قصر الثقافة في الشارقة خلال يومي السبت والأحد الماضيين الندوة الثالثة من مشروع الاستراتيجية العربية للتنمية المسرحية، وخصصت للنقد المسرحي، وتأتي هذه الندوة استكمالاً لما تمت معالجته من قضايا المسرح في الندوتين السابقتين، فقد تناولت الندوة الأولى واقع المسرح العربي، مكامن الإخفاق وعقدت في الشارقة في إبريل/نيسان الماضي، كما تناولت الندوة الثانية المرأة في المسرح وعقدت في العاصمة الأردنية عمّان في يونيو/حزيران الماضي . ناقشت ندوة النقد مواضيع وقضايا مرتبطة بالنقد المسرحي سعياً إلى تشخيص متعدد الجوانب لواقعه، ومن جملة تلك القضايا تاريخ النقد المسرحي وواقعه الراهن وترجمته، والنقد الأكاديمي والنقد الصحفي وتدريس النقد المسرحي .
في مسألة التأريخ للنقد المسرحي تتبع الدكتور عبد الرحمن بن زيدان في ورقته التي جاءت بعنوان توصيفات ومرجعيات النقد المسرحي العربي، من منظور تاريخي نشأة النقد المسرحي رابطاً إياها بنشأة المسرح نفسه، فقال إن النقد المسرحي نشأ نقداً انطباعياً وظل على تلك الحال حتى قدم الدكتور محمد يوسف نجم نهجاً علمياً يرصد من خلاله تاريخ المسرح العربي، فهو أول من أرّخ بدقة للمسرح لتجاوز المرحلة الانطباعية، ووضع حدوداً للأجناس الأدبية والفنية التي كان سابقوه يخلطون بينها، ثم تبعه نقاد غربيون أرخوا للمسرح العربي مثل يعقوب لاندو الذي كتب عن نشأة المسرح في معظم البلدان العربية، وبعد مرحلة التأسيس هذه جاء نقاد استفادوا من المناهج العربية وبدأوا يطرحون رؤى نقدية مختلفة في دراسة المسرح العربي، لكن الإشكالية التي وقع فيها النقد المسرحي العربي كما يرى زيدان هي أنه انشغل بالنص المسرحي من دون العرض المسرحي، فظل في حيز الأدب ولم يحتك ببقية فنون المسرح الأخرى .
المعالجة التي قدمها ابن زيدان كانت في معظمها معالجة أكاديمية رصينة موثقة بالمصادر والمراجع، لكن ما يؤخذ عليه هو أنه بدل أن يتناول تاريخ النقد المسرحي تناول الدراسات المتعلقة بتاريخ المسرح نفسه، مما دفعه إلى تجاوز الكثير من النقاد الذين كتبوا نقداً مسرحياً وسبقوا الدكتور محمد يوسف نجم مثل د . محمد مندور ومحمود أمين العالم وغيرهم، وهو ما أشار إليه الدكتور حسن عطية في تعقيبه على ورقة ابن زيدان، وقد كانت مسألة البدايات المسرحية التي أشارت لها الورقة، مثار جدل واسع بين المشاركين في الندوة، حيث عادوا إلى الخلاف القديم حول من الذي بدأ أولا أهو أبو خليل القباني أم مارون النقاش أم يعقوب صنوع أم هو أبراهام دنينوس ومسرحيته نزاهة المشتاق وغصة المشتاق، أهم المصريون القدماء الذين تركوا آثارا وشواهد تدل على معرفتهم بالمسرح، أم هم البابليون الذين ألفوا نص كلكامش بما فيه من بناء مسرحي؟
ورغم ما شاب ورقة الدكتور مصطفى مشهور من تكرار لبعض الاسئلة بصيغ مختلفة كما لاحظت ذلك الدكتورة لطيفة بلخير في تعقيبها على الورقة، فإن معالجته للموضوع طرحت أسئلة في صميم التجربة النقدية المسرحية العربية، وأثار توقفه عند ضرورة أن يخرج النقد المسرحي العربي من سياق النقد الأدبي وينظر إلى الظاهرة المسرحية في خصوصيتها نقاشات كثيرة أكدت كلها وجهة النظر هذه، وضرورة أن يرفع نقاد الأدب أيديهم عن النقد المسرحي، وأن يستقل النقد المسرحي عن المناهج الأدبية، فالمسرح ليس أدباً خالصاً، وما لم يتمكن ناقده من معرفة أدوات العرض المختلفة فإنه لن يستطيع أن يقدم نقداً مسرحياً صميماً، ما لم يكن قادراً على معرفة دلالة حركة ممثل ما في سياق عرض ما، أو قيمة إضاءة أو قطعة أثاث، أو موقع شخصية أو غير ذلك مما يحدث على خشبة المسرح، فإنه يظل ناقد أدب في أحسن الأحوال وليس ناقد مسرح .
العلاقة بين النقد المسرحي والصحافة كانت موضوع ورقة عبده وازن، وقد ألقى فيها نظرة على تاريخ العلاقة بين الطرفين وما أسدته الصحافة للمسرح وللنقد المسرحي الذي نما وشب في أحضان الصحافة وأسهم بدور فاعل في تطوير الحركة المسرحية، وقد شجع انفتاح الصحافة على المسرح على ظهور نقاد مسرحيين هم في الوقت نفسه مخرجون ممارسون للعمل المسرحي مما جعل طرحهم ذا قيمة موضوعية ومصداقية لدى أهل المسرح أولاً ولدى الجمهور ثانيا، فكانوا هم تلك الواسطة المطلوبة دوماً في النقد المسرحي . وهو ربما يبدو جدلاً سفسطائياً لأنه لا يمكن حسمه ولا يترتب عليه أي شيء في واقع المسرح العربي الحالي، فبالنسبة للشخصيات التي شكلت أعمالها بدايات المسرح العربي الحديث ستبقى أعمالها مجرد إرهاصات أولية بدائية وذكرها لا يتعدى كونه تخليداً لاسم الشخصية .
وقدم الدكتور مشهور مصطفى ورقة بعنوان راهن ومرجعيات الممارسة النقدية بيّن فيها كيف أن النقد بعيد عن واقع الممارسة المسرحية، وعن التراث النقدي العربي، وذلك لانشغاله بنظريات النقد الغربي وآلياته من دون وعي باختلاف التجارب الإبداعية بين العرب والغرب، ولم تستطع تلك الممارسة أن تستفيد من الرؤى النقدية الثاقبة لمفكرين ونقاد عرب قدماء أمثال ابن سينا والغزالي والجرجاني، وأضاف أن النقد المسرحي العربي حينما أراد أن يستفيد من النظريات الغربية الحديثة كالسيمياء والسيميوطيقا وجدها لم تكتمل بعد حتى عند مكتشفيها ومنظريها .
وفرق مشهور بين النص المكتوب والنص الدرامي الذي هو النص في حالة العرض أيا كان أصله مكتوباً أو ارتجالياً، وهذا النص الدرامي هو ما ينبغي أن يهتم به الناقد المسرحي، حتى ينأى بنفسه عن النقد الأدبي ويدخل إلى بؤرة موضوع النقد المسرحي التي هي العرض المسرحي بكل جزئياته الحوارية والتمثيلية والسينوغرافية .
لكن رغم هذه البداية فإن العلاقة لم تتواصل بالشكل المطلوب، فقد شكل تراجع الاهتمام الرسمي والجماهيري بالشأن الثقافي إلى تراجع تلك العلاقة بين الصحافة والنقد، متأثراً بواقع الحياة والوعي الذي سطحته الفضائيات العربية وامتلأ بالصورة الفارغة المفرغة من أي وعي أو قيمة أخلاقية وإنسانية، وتبعاً لذلك أصبح الاهتمام بالثقافة يتراجع في الأوساط الصحفية العربية حتى أدرجتها بعض الصحف في إطار المنوعات وأضحت صورة لأية ممثلة أو مغنية أهم في خطة المحرر الصحفي من صورة أي علم من أعلام المسرح العربي، وأهم من أكثر المقالات النقدية المسرحية علمية ومصداقية، ولهذا كان لا بد أن يتراجع النقد المسرحي في الصحافة، وأشار عبده وازن إلى توقف أغلب المجلات المسرحية العربية بسبب فقدان التمويل والدعم، وغياب رؤية واضحة لدى بقية المجلات التي لا تزال تصارع من أجل البقاء .
ورقة وازن كانت مثار جدل كبير حيث اشتكى البعض من غياب الناقد المسرحي المتخصص في الصحافة الثقافية العربية، وتولي المحررين الثقافيين مهمة النقد المسرحي من دون أن تكون لهم دراية نظرية ولا تطبيقية بالمسرح، وهو ما يجعل ما يكتب في الصحافة العربية من نقد مسرحي فاقداً للموضوعية في كثير من جوانبها، ومحكوماً في جوانب أخرى بغايات شخصية لدى المحرر أو لدى الصحيفة، فيصبح النقد إذ ذاك مدحاً أو ذماً فاقداً لكل المعايير العلمية، كما دعا بعض المتداخلين الصحف إلى استكتاب نقاد مسرحيين حقيقيين وليسوا أشباه نقاد، يمتلكون الأدوات النظرية والتطبيقية لتقديم نظرة علمية ليكتبوا لها عن العروض المسرحية التي تقدم في البلد الذي تصدر فيه أو في الوطن العربي .
وفتح النقاش في هذه القضية ملف النقد المسرحي الأكاديمي وغيابه عن الساحة الثقافية وانزواء الأكاديميين في أروقة جامعاتهم ومعاهدهم المسرحية متشبثين بأطروحات نظرية هي في أغلب الأوقات غربية غريبة على واقع الحياة المسرحية العربية، وقد تعاقبت الآراء على تأكيد أن هذا الانزواء غير مبرر، فالناقد الأكاديمي مطالب بالنزول إلى ساحة الفعل المسرحي ومتابعة ما يقدم وإبداء رأيه فيه بالكتابة اليومية المواكبة له، لأن المسرح مرتبط بواقع الحياة وبتفاعلات هذا الواقع، ومهمته الأولى هي الارتقاء بالوعي الجماهيري، وما لم يكن المسرحي - أيا كان موقعه - منخرطاً في تلك المعمعة متفاعلاً معها، فإنه لن يكون لما يقدمه أية فاعلية بل يوشك أن يتجاوزه الواقع المسرحي، فتصبح رؤيته متخلفة عنه .
تدريس النقد كان موضوع ورقة د . إبراهيم نوّال التي عنونها بمناهج وأساليب تدريس النقد المسرحي، الحاضر والمستقبل، الجزائر نموذجاً، وقد رأى نوّال أن البحث اهتم في ما مضى بإيجاد قوالب نظرية للمسرح العربي تميّزه عن أشكال المسرح عند الأمم الأخرى والوقوف على الأصول التراثية له، ولم يجر التفكير في طرق تعليم المسرح وتناقل المعارف النقدية، وإذا استثنينا بعض الباحثين المغاربة فإنه يكاد لا يوجد باحثون في هذا المجال، وأضاف نوّال أن تدريس النقد هيمن عليه التنظير وغاب فيه التطبيق على واقع المسرح وظل منفصلاً عن الحركة المسرحية وواقع المجتمع الذي يقدم فيه، حبيسا للجامعات ومعاهد الفنون المسرحية .
الدكتور عبد الكريم برشيد في تعقيبه على ورقة نوّال قال إنه ينبغي الانتقال بالمسرح العربي إلى مرحلة العلم، وألا نبقى في مرحلة الهواية، وعلينا أن نعي أن بعض اختلالات المسرح العربي آتية من المدرسة، ومن النظام الدراسي، ومن بعض المدرسين الذين يفتقرون إلى الحس الإبداعي، ويفتقرون إلى الرؤية، الذين يرتجلون المواقف ارتجالاً آنياً، ولا يؤسسونها على وعي فكري، ولا على أرضية فكرية وفلسفية ثابتة وصلبة، وهذا يحتم ضرورة إيجاد مناهج مسرحية شاملة لجميع المراحل المدرسية، حتى نخرج الجمهور المسرحي كما نخرج الممثل والمخرج والناقد .
ولم يكن موضوع تدريس النقد أقل شأنا في إثارته للنقاش من المواضيع التي سبقته فقد تناوبت المداخلات على طرح أفكارها حول هذا الموضوع الذي يبدو شائكاً، فقد ربطه الكثيرون بواقع تدريس المسرح وهو واقع يحتاج إلى إعادة نظر، سواء على مستوى المناهج التي تدرس بشكل نظري فقط خصوصاً في المراحل المتقدمة التي تحتاج إلى تطبيق، أو على مستوى تعميم تعليم المسرح، ذلك التعميم الذي هو حاجة ملحة لأجل إيجاد ثقافة مسرحية لدى المجتمع، وطرحت آراء تدعو إلى تكوين النقاد كما يكون الممثلون والمخرجون بجعلهم يتعاطون مع العروض المسرحية، وحتى يشاركون فيها، بالإخراج والتمثيل، فمجرد التخرج النظري في معهد أو جامعة لا يمكن الخريج من أن يكون ناقداً ما لم يتمرس على خفايا العرض المسرحي، كما اقترح البعض إقامة ورش نقدية للصحفيين الذين يكتبون عن المسرح، وللممثلين والمخرجين الذين يسعون لأن يصبحوا نقاداً مسرحيين خصوصاً في البلدان التي لا توجد فيها معاهد مسرحية عليا .
ترجمة النقد كانت موضوع ورقتين لسباعي السيد وسيد علي إسماعيل، في ورقته خلص سباعي سيد إلى أن حركة ترجمة النقد قد أتاحت معرفة واسعة بالمناهج النقدية الحديثة، كما اطلعت الحركة النقدية على الاتجاهات والنظريات الجديدة في الإبداع العالمي، ورأى سيد إسماعيل أن الترجمة عرفتنا إلى المسرح العالمي، لكن علينا أن نترجم مسرحنا إلى لغات العالم ليتعرف بدوره إلى مسرحنا .
وأظهر النقاش حول ترجمة النقد أنه لا بد من إيجاد مؤسسة تعنى بترجمة المسرح وتحدد لها أهداف حتى ومنهج واضح لتعرف كيف تترجم وماذا تترجم ولماذا، فلا بد للمترجمين أن يكونوا مسرحيين أو على معرفة بالمسرح واطلاع على أشهر نظرياته ومفاهيمه، لكي نستطيع أن نحد من التسيب الحاصل في هذا المجال كما لا بد أن يكونوا مترجمين محترفين، لأن الترجمة الرديئة تسيء لموضوعها أكثر مما تفيده .
الميزة التي اختصت بها ندوة النقد المسرحي هي أن أغلب المشاركين فيها كانوا نقاداً متخصصين وجلهم حملة شهادات عليا وأكاديميون يدرسون المسرح أو ممارسون يعيشونه في الميدان، وقد ارتفع ذلك بالأوراق والنقاش إلى مستوى من العمق مس موضوع النقد في الصميم وطرح الأسئلة الحقيقية وطرائق معالجة لإشكاليات المسرح، ولا شك ما طرح من آراء واقتراحات في هذه الندوة سيكون له دور كبير في الصياغة النهائية للاستراتيجية العربية للتنمية المسرحية .