منذ عشر سنوات انتهى العلماء من وضع صيغة للجينوم البشري يمكنهم من خلالها الكشف عن أسباب الأمراض المتعلقة بالجينات وكذلك معرفة ما يميز كل منا عن الآخر . ويشير التقرير الذي نشرته مجلة فوكس العلمية إلى آخر ما توصل إليه العلماء في بحثهم عن الجينات الوراثية . وطبقاً لمشروع الجينوم البشري فإن الحامض النووي يتكون من مجموعة من الجينات التي تقوم بعمل البروتين، وعندما نكتشف كل هذه الجينات وطريقة عملها سيمكننا فهم أشياء كثيرة لا ندركها حتى الآن .
على الرغم من أنه لدينا حالياً 23.500 جين هو عدد كاف جداً، إلا أنه أكبر بقليل من العدد الموجود عند دودة النيماتويد التي يبلغ طولها 1 ملليمتر وتحتوي على 1000 خلية، بينما جسم الإنسان البشري على العكس تماماً يحتوي على تريليونات من الخلايا منها الحمراء البسيطة والخلايا العصبية الأكثر تعقيداً في أمخاخنا .
وتوجد المعلومات اللازمة لبناء الكائن الحي في جيناته وتحتوي على تعليمات لعمل البروتينات، والبروتينات هي جزيئات تحمل الوظائف المهمة في الخلية، وبينما يرى العلماء أن أجسامنا تحتاج إلى 100 ألف من الجينات التي تحمل البروتين، فإن تتابع الجينوم يكشف معرفتنا بأعداد قليلة جداً منها .
والسؤال هو: كيف يمكن للحامض النووي الذي يحتوي فقط على 23.500 جين أن يكون مخلوقاً معقداً مثلنا؟
يقول البروفيسور بنجامين بلنكو في جامعة تورنتو إن معظم الجينات تحتوي على التعليمات اللازمة لعمل أكثر من بروتين، والجينات المفردة والتي تقوم بوظائف معقدة يمكنها أن تحمل منتجات بروتينية مختلفة، فالجين الواحد يمكنه أن ينتج آلافاً من البروتينات، وتتكون معظم الجينات من أجزاء تتحد معاً بوسائل متعددة، تماماً مثل مخرج الأفلام عندما يقوم بتجميع المشاهد معاً من بكرة الفيلم، فالخلايا أيضاً يمكنها أن تقطع ثم تلصق طبقا للتتابع الجيني ثم يتم تجميع أجزاء من المعلومات الجينية في اتحادات مختلفة لإنتاج نسخ بديلة من البروتين، وهذا يحدث في مرحلة تقوم فيها الخلية بقراءة تتابع الحامض النووي للجين وتنقله إلى نسخة من الحامض النووي الريبي ذي الشريط الواحد والذي يعرف ب (آر إن إي) أو (رنا) . وتنشئ الخلية عدة حلقات في الشريط الواحد قبل أن تقوم بقطع أي أجزاء لا تحتاجها لعمل بروتين معين .
وتقود الأشكال المختلفة للحلقات إلى بروتينات مختلفة، وتنتج هذه العملية التي تسمى ب الاقتران التراكبي البديل أعداداً هائلة من البروتينات . وتقوم الجينات العصبية في الجهاز العصبي بنقل الآف من النسخ البديلة، وهذا هو التنوع الذي يحدثه الاقتران التراكبي البديل وهو يفسر لماذا هذا العدد من الجينات يمكنه أن ينشئ كائناً حياً معقداً مثل الإنسان .
وفي الإنسان هناك حوالي 90% من الجينات التي تحمل البروتينات تقوم بعملية الإقتران البديل ولكن في دودة النيماتويد هناك فقط 20% .
واكتشف العلماء مؤخراً الإجابة عن السؤال الذي ظل يحيرهم لسنوات عديدة وهو: ما الذي يجعل شخصين متميزين عن بعضهما بعضاً عند إجراء مقارنة بينهما على الرغم من أن البروتينات متطابقة فيهما؟
وقديماً كان يعتقد أن المسؤول عن ذلك هو التتابعات المشفرة وهي أجزاء الجين التي تنقل البروتينات، ولكن طبقاً لما قاله البروفيسور ميشيل سندر من مركز ستانفورد للجينوم والطب التشخيصي في أبحاثه الأخيرة فإن الاختلافات الرئيسية تكمن في تتابعات الحامض النووي (D N A) غير المشفرة الموجودة خارج الجينات، فعندما يحاول الأشخاص تحليل المرض فإنهم غالباً لا يجدون هذه التغيرات في الجينات نفسها، ومن الممكن أن يزداد نشاط الجين أو يقل من خلال التحكم الموجود في الحامض النووي (D N A) غير المشفر، وهذا يعتمد على الجزيئات التي تسمى ب عوامل النسخ وقدرتها على أن تتحد مع المناطق المسؤولة عن التحكم . وتساعد عوامل النسخ في نسخ المعلومات الموجودة على الجين من الحامض النووي (دي إن أيه) (دنا) إلى الحامض النووي الريبي (آر إن أيه) (رنا)، ولكنها لا ترتبط بالحامض النووي (دي إن أيه) إذا حدثت طفرة وأدت إلى تغيير حروف عديدة في منطقة التحكم، فالاختلافات في مناطق التحكم هي المسؤولة عن الصحة وعلاقتها بالأمراض، وتتضح قدرة الحامض النووي في ربط الحروف ببعضها بعضاً، ويقوم عامل النسخ الذي يلتصق بمناطق التحكم بتنظيم الجينات الموجودة في الجهاز المناعي، وبذلك بمكن تفسير لماذا يكون لدى بعض الأشخاص قدرة على محاربة العدوى .
لسنا متطابقين بدرجة 99.9%
يقول الدكتور شارلز لي من جامعة هارفارد الطبية إنه حتى عام 2004 كان يعتقد أن الجينوم البشري لشخصين ليس لديهما علاقة ببعضهما بعضاً، لكن إذا تخيلنا الجينوم مثل كتاب الحياة فما يختلف من شخص لآخر هو بعض الأخطاء الهجائية فيه والتي تشكل نسبة 0.1% .
وهذه الأخطاء الهجائية هي طفرات جينية ثانوية . ولكن اكتشف بعد ذلك فريقه البحثي اختلافات أكبر في الحامض النووي (دنا) وتسمى تكرار رقم النسخ وتشمل التغيرات الهيكلية مضاعفة أو إلغاء أجزاء أكبر من الجينوم وهو ما يعادل فصول إضافية من كتاب الحياة، وهذا التكرار لرقم النسخ يحدث 8 مرات مما يجعلنا متشابهين فقط بنسبة 99.1% .
وهناك 40% من تكرار رقم النسخ يتطابق مع تتابعات الجينوم الذي يحتوي على الجينات ويؤثر في كمية البروتين التي ينتجها، ومثال ذلك جين الأميليز والذي يحمل الإنزيم الذي يساعد على هضم النشا، وطبيعياً أن يكون لدينا نسختان منه واحدة من كلا الأبوين لكن بعض الأشخاص يكون لديهم 16 نسخة في كل خلية .
كما أن الأشخاص في الدول الصناعية في أوروبا يحملون نسخاً أكثر من جينات الأميليز عن الأشخاص الموجودين في إفريقيا حيث تحتوي وجبتهم على كميات قليلة من النشا .
وفي المستقبل، ستساعد خريطة تكرار رقم النسخ في الجينوم في كشف الأمراض، حيث سيكون بإمكاننا التعرف إلى الأمراض التي يسببها إلغاء أو مضاعفة الحمض النووي (دنا) .
ويقول فرانسيس كولينز مدير مشروع الجينوم البشري ومعهد الصحة القومي في الولايات المتحدة، إن أهم شيء تكتشفه عند عملك في المشروع هو أن الجينوم بسيط ومعقد في نفس الوقت، فهناك 3 مليارات حرف تقوم بتعريف الإنسان، وسيستغرق هذا الأمر سنوات عديدة لمعرفة كيفية عملهم، ويوفر لنا مشروع الجينوم البشري قائمة بأجزاء منها وقمنا باكتشاف 23 ألف جين تحمل بروتينات وهذا الاكتشاف هو البداية، فمازلنا نحتاج حساب كيف يتم تنظيم كل الجينات، وما يقوم به النسخ غير المشفر وكيف تقوم كل هذه البروتينات والحمض النووي الريبي (رنا) بوظيفتها وكيف تتفاعل مع بعضها بعضاً ومع البيئة وعلاقتها بالصحة والمرض في الإنسان .
كيف يساعدنا المشروع على فهم أنفسنا؟
يساعد تتابع الجينوم البشري الإنسان والإنسانية بطرق عديدة، بعضها لايمكن تخيلها حتى الآن، فإذا نظرنا إلى الوضع منذ عشر سنوات مضت، فإن مشروع الجينوم قد ساعدنا في اكتشاف جينات لها علاقة بأمراض، ففي الثمانينات عكف فريق بحثي على الكشف عن الجين المسبب لتليف المرارة لسنوات عديدة، واليوم وبفضل تتابع الجينوم البشري يمكن لأي طالب حديث التخرج أن يقوم بهذا العمل في أيام قليلة .
يضيف فرانسيس كولينز أنه في خلال العقد القادم من المتوقع أن تحدث ثورة في اكتشاف الأمراض بفضل مشروع الجينوم البشري .
الحامض النووي (DNA) غير المستخدم
هناك حوالي 1.2% من الجينوم هو الذي يشكل الجينات التي تحمل البروتينات، والباقي يتكون من تتابعات غير مشفرة تسمى دنا مهملة، يحتوي معظمها على جينات طفيلية متراكمة منذ ملايين السنوات .
وكشفت الأبحات التي أجريت مؤخراً أن الجينوم البشري بالكامل 90% منه يمكن نسخه إلى الحمض الريبي النووي رنا .
ويكشف التحليل الدقيق لتتابع رنا أن أقل من نصفه يحمل البروتينات، وذلك على حد قول البروفيسور توماس جينجراس من معمل كولد سبرينج هاربور في نيويورك كما أن معظم شفرات الحامض النووي الريبي رنا نفسها ليست موجهة لتكوين بروتينات . وهناك بعض من هذه الأحماض رنا غير المشفرة تكمن في المادة المظلمة من الجينوم، ويبدو أنها مفيدة حيث يعتقد عديد من علماء البيولوجي أنها مسؤولة عن الأمراض المشتركة والتي تتكون من طفرات جينية، ويرتبط جزيء الأحماض النووية الريبية رنا غير المشفر الطويل والذي يحتوي على 22 حرفاً في تتابعات محددة من الحروف في نسخة الجزيء الجينية مما يجعلها تنكسر ويمنعها من تكون البروتينات .
ويرتبط الحمض النووي الريبي رنا الصغير ب 60 % من الجينات التي تحمل البروتينات ويكون واحدة من الأحماض النووية الريبية رنا غير المشفرة والتي يتم انتاجها في أنواع مختلفة، من الخلايا، وبذلك تحتوي جميع الخلايا على نفس الجينوم ولكنها تكون مختلفة وهذا يوضح كيف أن شريط الحامض النووي الريبي رنا غير المشفر يمكنه أن يلعب دوراً كبيراً في تنظيم الجينات، وهوما يفسر لماذا يكون الإنسان أكثر تعقيداً من الدودة، وبذلك فإن مايزيد عن 20%من الحامض النووي المهمل يكون مفيداً .
ويرى العلماء أخيراً أن العوامل البيئية تؤثر في الجينات، فالجين (بي ار سي إي 1) والمرتبط بسرطان المبيض وأورام الثدي، ليس السبب الرئيسي فيه هو الطفرات النادرة في دنا، لكن هناك عوامل كيميائية غير عادية هي التي أدت إلى جعل الجين ينطفئ ويتوقف عن بناء البروتينات التي تكبح الأورام . وبذلك يمكن إيجاد العلاج لهذه العوامل الكيميائية والمساعدة على علاج المرض .