عادي

المحاربون الصغار خطر يهدّد العالم

البراءة القاتلة
05:38 صباحا
قراءة 29 دقيقة
نبيل عطا

طبقاً لتقديرات منظمة اليونيسيف، فإن هناك ما يقرب من 300 ألف طفل تم تجنيدهم من قبل جماعات إرهابية في نزاعات مسلحة، تدور رحاها على أراضي 30 دولة حول العالم، والمؤسف أن أعمار هؤلاء الأطفال تتراوح ما بين 10 و18 سنة.
هؤلاء الصغار الذين ما زالوا في مرحلة البراءة، تحولوا بفعل أصحاب العقول السوداء والقلوب الميتة، إلى مقاتلين وقنابل موقوته تهدد العالم. ولنا أن نتصور ماذا سيحدث لو تم تفجير 300 ألف قنبلة، في مناطق متفرقة حول العالم، ونتخيل عدد القتلى وعدد المصابين من جراء مليون لغم بشري، أو خلية بشرية جاهزة للتفجير، وتدمير منجزات الحضارة الإنسانية.
ومع الوضع في الاعتبار القاعدة التي تقول، إن الإحصائيات لا ترصد أكثر من 10% فقط من حجم المخاطر والكوارث والفاسدين واللصوص الذين يحيطون بنا، فمعنى ذلك أن هناك 3 ملايين قنبلة تهدد العالم،
ومن هنا جاءت أهمية اليوم العالمي لمكافحة تجنيد الأطفال في الحروب والنزاعات المسلحة، الذي احتفل العالم به منذ أيام قليلة، أو كما يسمى يوم «اليد الحمراء»، أو «اليوم العالمي لمكافحة استغلال الطلاب كجنود»، والذي يوافق الـ 12 فبراير من كل عام. وفي هذا اليوم العالمي تتم مناشدة القادة السياسيين، وتقام الفعاليات في جميع أنحاء العالم، للفت الانتباه إلى مصير الجنود الأطفال، الذين يُجبرون على العمل كجنود في الحروب.
ويهدف يوم اليد الحمراء، إلى الدعوة للعمل ضد هذه الممارسات، ودعم الأطفال الذين يضطرون لهذا العمل. ويُعد البروتوكول الاختياري الملحق «باتفاقية حقوق الطفل»، والمتعلق بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، والذي بدأ سريانه في 12ـ 2ـ 2002، أحد وسائل الحماية القانونية للأطفال، ويساعد على الحيلولة دون استخدامهم في النزاعات المسلحة.
وينص البروتوكول الاختياري على رفع الحد الأدنى لسن المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية إلى 18 عاماً، كما يحظر البروتوكول التجنيد الإجباري في صفوف القوات الحكومية، لأي شخص دون سن الثامنة عشرة، ويدعو الدول الأطراف إلى رفع الحد الأدنى لسن التجنيد الطوعي إلى ما فوق 15 عاماً، وإلى تطبيق ضمانات صارمة في حالة السماح بالتجنيد الطوعي للأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً.
وفي حالة الجماعات المسلحة غير الحكومية، يحظر البروتوكول كل أنواع التجنيد، الطوعي والقسري، لمن تقل أعمارهم عن 18 عاماً.
المجتمع الدولي تنبّه للظاهرة، ومنذ منتصف الثمانينات، قامت منظمة اليونيسيف وشركاؤها بالدفاع عن الأطفال، وتأمين إطلاق سراحهم من القوات المسلحة في البلدان المتضررة من الصراعات، بما في ذلك أفغانستان وأنغولا وبوروندي، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وكولومبيا وساحل العاج، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وغينيا بيساو وليبيريا وموزمبيق، ونيبال ورواندا وسيراليون، والصومال وسريلانكا والسودان وأوغندا.
وعلى الرغم من جهودهم المستمرة، إلا أن نجاحاته اقتصرت على عدد من الدول الأفريقية وبأعداد لم تتجاوز ال 100 ألف، والدليل تكشفه الأرقام، حيث تم إطلاق سراح أكثر من 100000 طفل، وأعيد دمجهم في مجتمعاتهم المحلية منذ عام 1998 في أكثر من 15 بلداً متأثراً بالنزاعات المسلحة. وفي عام 2010، دعمت اليونيسيف إعادة دمج نحو 11400 طفل كانوا مرتبـــطين سابقاً مـــــــع القوات المسلحة والجماعات المسلـــــحة، فضلاً عن 28000 مــن الأطفال الضعفـــاء الآخــــرين المتـــضررين مـــــــن الصراعات. ولكن مع ظهور تنظيم «داعش» الإرهابـــي الدموي، عقب ما سمي بثورات الربيع العربي التي أشاعت في المنطقة خراباً ودماراً، بدأ «داعش» وتابعيه من التنظيمات المتعطشة للدم، تجنيد الأطفال ووصل عددهم طبقاً لبعض التقديرات في العراق إلى ما يقرب من 600 ألف طفل.
ظاهرة تجنيد الأطفال في الحروب ليست جديدة أو مستحدثة، ولكنها تحولت إلى كارثة مع تنامي ظهور التنظيمات السوداوية الدموية التي يتقدمها تنظيم «داعش» و«القاعدة»، الذين نجحا و«أذنابهما» في تجنيد وتشويه عقول ما يقرب من مليون طفل في المنطقة العربية.
وفي العراق على سبيل المثال هناك جيش من الأطفال العراقيين الذين رضخت مدنهم للاحتلال «الداعشي» بعد منتصف عام 2014، وهذا الجيش بات الآن ضائعاً بين فكر الإرهاب «الداعشي»، وبين العودة إلى حضن الوطن والانتماء، ويحتاج إلى ثورة فكرية وعلمية حتى لا يتحوّل إلى خطر داهم، يهدد مستقبل العراق والمنطقة والعالم.
وفي سوريا وبعد سبع سنوات، بات هناك الملايين من الأطفال السوريين خارج الدراسة، ينامون بين أطلال المنازل داخل سوريا، أوفي مخيمات النزوح بالدول المجاورة. وتدور الإحصائيات حالياً حول خمسة ملايين طفل سوري تأثروا بالحرب وبالعمليات العسكرية.
وبلغ عدد الأطفال المقتولين في سوريا، ممن لا ناقة لهم ولا جمل في هذه الحرب، نحو 20 ألف طفل. وفي سوريا اليوم ما لا يقل عن أربعة آلاف طفل محارب، ممن تم تجنيدهم في صفوف المنظمات المختلفة، بعضهم من إندونيسيا وماليزيا. وهؤلاء استقدمهم تنظيم «داعش» الإرهابي من بلدانهم، وحرق جوازات سفرهم، وقطع عنهم أي وسيلة اتصال بأهاليهم، وزجّ بهم في معاركه الإرهابية.
وفي اليمن صورة أخرى لاغتيال البراءة الإنسانية، حيث قامت الجماعات الحوثية المدعومة من إيران، بإغلاق المدارس وترحيل الطلاب لجبهات القتال ومعسكرات التجنيد، وبدلاً من أن يعود الأطفال لأسرهم بشهادات نجاحهم في اجتياز الفصول الدراسية، يعودون جثثاً هامدة، ويقدر عدد الأطفال المجندين في صفوف ميليشيات الحوثي بأكثر من 12 ألف طفل، وتعززت عملية تجنيد الأطفال لدى جماعة الحوثي بشكل كبير جداً وبوتيرة أكبر، عقب عزوف كثير من القبائل اليمنية في الشمال عن المشاركة في القتال أو السماح لأبنائها بالالتحاق بصفوف الحوثيين، لخوض معارك بالنيابة عن الحوثيين، ضد القوات الشرعية من الجيش الوطني والمقاومة، ليس هذا فقط، بل وصل الإجرام مداه عندما عبر وسار الانقلابيون من دماج إلى مدينة عمران، وصولاً إلى العاصمة صنعاء على جثث الأطفال الذين جنّدوهم في معسكراتهم الإجرامية.
البراءة تحولت إلى قاتل محترف، وكما يؤكد الخبراء والباحثون كنموذج بسيط لحجم الكارثة : هناك أكثر من 12 ألف مدرسة تابعة لتنظيمات القاعدة و«داعش» بمختلف فروعها في سوريا فقط، بخلاف المناطق الأخرى في العالم، وهو ما يعني أن الأجيال الجديدة من الأطفال السوريين، يعيشون حالة مسخ للهوية وغسل للدماغ بأفكار عنيفة، ستجعلنا أمام المئات والآلاف من أنصار التكفير والتفجير.. أومئات الآلاف من القنابل «الموقوتة» التي تنتظر الوقت والمكان لتنفجر.. فهل يتحرك العالم جدياً لمواجهة الكارثة؟ هذا ما نأمله.




تجنيد الأطفال.. «وقود القتل» في الحروب

عمّان: ماهر عريف

تضع المنظمات الأممية الدولية تجنيد الأطفال للقتال في مقدمة التداعيات الخطرة التي يصعب تداركها حتى بعد انتهاء الصراعات ليس بسبب أعداد القتلى الصغار فحسب وإنما للإشكالات النفسية والاجتماعية والتعليمية والصحية الملازمة للناجين وتحوّلهم غالباً إلى أحياء على هامش الحياة طوال سنوات عمرهم أو قنابل قابلة للانفجار.
وتزامناً مع اليوم العالمي لمكافحة تجنيد الأطفال 12 فبراير/ شباط أكدت تقارير حديثة صدرت عن الأمم المتحدة ومنظمات دولية أن الوضع أصبح شديد السوء وقدّرت وجود نحو 350 ألف طفل مجنّد حول العالم.
وجاء في مذكرة وُصفت بأنها مُلحّة أرسلتها «اليونيسيف» للمناقشة الطارئة أن العدد الذي كان مقدّراً في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعشرات الآلاف حتى عام 2015 تضاعفَ مع نهاية الربع الثالث من العام الماضي 2017 بلا رادع خصوصاً أن تنظيمات إرهابية في مقدمتها «داعش» في العراق وسوريا و«جماعة الحوثي» في اليمن وميليشيات أخرى لا تقل خطورة في دول مختلفة تستخدم الصغار بمثابة «وقود موت» قابل للتضحية والاحتراق فوراً كلما شعرت بتضييق الخناق عليها.
وأعادت الأمم المتحدة إدراج الأطراف المتورطة في تجنيد الأطفال ضمن قوائم العار السنوية نهاية العام الماضي واشتملت على إلحاقهم في عمليات التسليح وتنفيذ مداهمات للمدارس والمستشفيات واستغلالهم للاعتداء عليهم.
وشددت في تعميمها الأخير على أن القانون الدولي يعد عمليات تجنيد الأطفال دون 15 سنة للقتال أمراً محظوراً وجريمة حرب وفقاً للمحكمة الجنائية بناء على المعاهدات والتشريعات والأعراف المُثبتة. ويحدد قانون حقوق الإنسان 18 سنة الحد الأدنى للعمر بالنسبة للتجنيد.
يؤكد آرثر لونج وهو ممثل أممي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن ظاهرة تجنيد الأطفال وصلت إلى مرحلة «الكارثة الإنسانية القصوى» وأن القوانين والهيئات المعنية لم تستطع ردع قتلة البراءة والطفولة محذراً من دفع أثمان ذلك على صعيد واسع يتعلق بجيلٍ كامل.
وأشار لونج إلى مناطق طغت على السطح في السنوات الأخيرة في هذه الظاهرة نتيجة صراعات وأكد أن التنظيمات الإرهابية تقدّمت ذلك سواء بـ«غسل أدمغة» الصغار أو إلحاقهم اجباراً في صفوف المقاتلين ومجموعات عمل مساعدة لاسيما في العراق وسوريا واليمن وأفغانستان ونيجيريا والسودان والصومال.
وسردَ لونج من واقع لقاءاته حكايات التجنيد المتّبعة في التنظيمات الإرهابية بينها تجويع الأهالي وإجبارهم على إرسال أطفالهم مقابل المال والطعام والتغرير بالأطفال عبر مخيمات تأخذ شكلاً دعوياً مع توزيع الهدايا كما يفعل «داعش» وكذلك الخطف الجماعي من المدارس والشوارع ودور الأيتام وأبناء الفقراء والعاطلين عن العمل ومن يمارسون التسوّل والأطفال في ورش مهنية.
وذكر لونج أن تنظيم «داعش» الإرهابي استمال عقول أعداد كبيرة من الأطفال عن طريق شبكات التواصل الإلكترونية واستدرجهم من باب بحثهم عن التسلية والاستكشاف والانبهار بنماذج البطولة الوهمية والقتال ولم يقتصر ذلك على طبقات اجتماعية واقتصادية متواضعة.
واستعرض وسائل التدريب العسكري للأطفال التي اتبعها تنظيم «داعش» الإرهابي في سوريا والعراق وتخريج أعداد معدة للقتال دون 18 سنة وتحويلهم إلى سلاسل بشرية أمامية للدفاع عن قيادات قتالية والقيام بعمليات تفجير انتحارية والتنقل للحصول على معلومات أو استخدامهم في مهام إدارية وتنظيمية وتوفير متطلبات خدمية وهذا يشمل بعض الصغار من ذوي الإعاقة.

تنظيمات تُلطّخ البراءة بالدم

ورفعت اليونيسيف درجة خطورة الأمر في سوريا والعراق إلى الحد الأقصى نتيجة وحشية التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها «داعش» في تلطيخ البراءة بالدم واستخدام الأطفال دون 13 سنة كمخبرين وحراس مواقع استراتيجية وما دون 15 سنة للمشاركة في عمليات انتحارية وتنفيذ الإعدام على آخرين.
ولا يقل عدد الأطفال المخطوفين من قبل تنظيم «داعش» الإرهابي من أجل تجنيدهم عن 900 طفل في مدينة الموصل العراقية وحدها خلال 2015 تم تدريبهم عسكرياً.
وقام التنظيم الإرهابي بتقسيم مراحل التدريب للأطفال إلى مخيمات الأولى مخصصة لتلقي تكوين يُزعم أنه ديني والثانية للأطفال قوق 10 سنوات حتى 15 سنة يُقتادون فيها إلى معسكرات.
وضحّى إرهابيو «داعش» في سوريا بمئات الأطفال كدروع بشرية لحماية «القتلة الكبار» واستغلال سهـــولة مرور الصـغـار المجندين وتحركاتهم في تنفيذ عمليات تفجيرية في أماكن سكنية وتجارية ومدارس.
وافتتح «داعش» الإرهابي قبيل منتصف العام الماضي ما أطلق عليها «مدرسة الأشبال» في جنوب سوريا تتولى إعداد الصغار فكرياً وعسكرياً لخوض معارك.
وتزايدت معدلات العمليات التي تنطوي على أطفال في العراق وسوريا إلى ثلاثة أضعاف ونحو 40% من «المفخخين» في السيارات والشاحنات المجهزة بالمتفجرات كانوا أطفالاً.
ولجأت تنظيمات إرهابية في البلدين إلى زيادة استخدام الأطفال في العمليات القتالية والانتحارية كلما استمر الضغط عليها.

10 مواقع تواصل الخروقات

أدرجت منظمة الأمم المتحدة في أحدث تقاريرها العام الماضي 10 دول ومواقع رئيسية ضمن قائمة مواصلة الخروقات في هذا الشأن واعتبرت من ضمنها الجيش الأفغاني الحكومي وحركة طالبان حتى بعد صدور قانون للحكومة في أفغانستان عام 2014 يحظر تجنيد الأطفال مع بقاء نحو 280 طفلاً في جيش قندهار.
وجاء في التقرير أن الجماعات المسلحة في جمهورية إفريقيا الوسطى أخضعت أكثر من 10 آلاف طفل للتجنيد بينهم أطفال دون ثماني سنوات وفي جمهورية الكونغو هناك آلاف الأطفال يعملون مقاتلين وفي خدمات عسكرية.
ووثّقت منظمات دولية تجنيد أطفال في العراق بما في ذلك ميليشيات قاتلت في معركة السيطرة على الموصل وجنّدت جماعات مسلحة تابعة لحزب العمال الكردستاني الفتيان والفتيات.
وجنّدت جماعة «بوكو حرام» في نيجيريا الأطفال واستخدمت الفتيات الصغيرات في هجمات انتحارية في «مايدوجوري». وفي عام 2016 جندت «حركة الشباب» الصومالية 903 أطفال وجنّد الجيش الصومالي 218 طفلاً.
ويُقدّر حجم الاستغلال بهذا الخصوص بنحو 17 ألف طفل في جنوب السودان خصوصاً على يد فصيل كوبرا والجيش الشعبي وجماعات معارضة.
وفي سوريا جنّدت الأطراف المتنازعة ابتداء من 2014 أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم 7 سنوات وظهرَ قيام أطفال في تنظيم «داعش» الإرهابي بعمليات إعدام.

متوالية لا تتوقف

حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف» العام الماضي من عدم التحاق 14 مليون طفل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المدارس بما يشكل 40% من عدد الأطفال في هذه البلدان وذلك بسبب الصراعات المسلحة.
ويشكل التحاق الأطفال بأعمال عسكرية في الحروب متوالية لا تتوقف منذ العصور القديمة والوسطى وصولاً إلى الحديثة في دول أوروبا وآسيا وإفريقيا وأمريكا.
وانطلقت منذ سبعينيات القرن الماضي دعوات لتنظيم معاهدات وتوقيع اتفاقات دولية بهدف وضع حد لإشراك الأطفال واستخدامهم في النزاعات وحددت ذلك في خمسة مظاهر رئيسية ابتداء بتولي الأطفال دوراً مباشراً وعملياتياً في جبهات القتال وخطوط النار إلى تكليفهم بمهام الدعم وحمل الذخائر ونقل المصابين فضلاً عن مهام الاستطلاع كمراسلين وطهاة وتنفيذ واجبات روتينية إلى جانب القيام بأعمال إرهابية وانتحارية واستخدامهم كدروع بشرية وغايات الدعاية السياسية واستغلال الفتيات الصغيرات للاعتداء بالإكراه.
ويـوجـد الـيوم مــئات آلاف الأطـفــــال المستخـدمين بوصفــهم جنوداً فـي أغلب النزاعات المسلحة حول العالم كثير منهــم مختطفون وتعـرضوا للضرب وغســل الأدمغة وسواهم ينضمون فراراً من الفقر أو الشعور برغبة الانتقام أو لإشباع عاطفة دينية أو لإغراء نفسي.
ويؤكد تقرير لليونسيف أن تطويع الأطفال الجنود وإشراكهم في الحرب يطيل أمد الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة بين حركات التمدد والحكومات المحلية.
ويقر التقرير أنه بعد توقيع «برتوكول جنيف» عام 1977 الملحق باتفاقية عام 1949 وهما يمنعان استخدام الأطفال وتطويعهم لغايات عسكرية قبل سن 15 عاماً لم تتوقف هذه الظاهرة ورُصدَ اشراك أطفال دون 11 سنة في أماكن كثيرة في العالم بينها إيران والعراق وأمريكا الوسطى وآسيا وإفريقيا وتوالت بعدها اتفاقات حتى عام 2000 انتقد فيها مراقبون تناقضاً في تباين تحديد العمر بين 15 و18 عاماً واعتبروها ثغرة سمحت لأطراف رسمية (دول وتحالفات) وغير رسمية (تنظيمات) في استغلال ذلك.

طرق تجنيد مبتكرة

طرق التجنيد فتتم بالقوة أحياناً، أو بالاختطاف في أحيان أخرى كما حدث في مدينة الرقة بالتحديد. وذكر تقرير للمرصد السوري لحقوق الإنسان في تقرير له نُشر في أغسطس/‏آب 2015، وهو مؤسسة معارضة للحكومة السورية ويعمل من لندن، أن الأطفال السوريين المحاربين في صفوف تنظيم «داعش» بلغوا نحو 1100 طفل، وهم يسمون «أشبال الخلافة». وهؤلاء قُتل منهم نحو التسعين، وبعضهم قضى في عمليات انتحارية. واللافت أن «داعش» تعمل بدأب على تجنيد الأطفال الذين فقدوا ذويهم في المناطق الخاضعة لها. وفي سنة 2016 أطلقت «جبهة النصرة»، وهي منظمة تابعة «للقاعدة»، حملة «إنفِر» في حلب وإدلب وتمكنت من تجنيد نحو 500 طفل. وشوهدت سيارات «جبهة النصرة» وهي تجوب الأحياء والشوارع في إدلب

 


الحوثيون.. أغلقوا المدارس ونقلوا الأطفال لجبهات القتال

عدن: فاروق عبد السلام

الحسرة والندم ملخص مأساة ومعاناة طفل (11 عاماً) وهو واحد من أطفال اليمن الأسرى الذين كانوا يقاتلون إجبارياً في صفوف ميليشيا جماعة الحوثي الانقلابية الإيرانية، فيما استغلت الميليشيات الحوثية الانقلابية الأوضاع العامة والظروف الاقتصادية الصعبة الراهنة التي تعيشها البلاد بسبب الحرب، في عرض المال وشراء موافقة أحد الآباء «شمال البلاد»، لتجنيد ابنه (13 عاماً) واشتراكه في القتال ضد «أمريكا و«إسرائيل» وداعش» ـ وفقاً لمزاعم الحوثيين ـ ليعود إليه ابنه، بعد فترة من الزمن، جثة هامدة.
هاتان الواقعتان ليستا إلا قطرة في بحر غادر من انتهاكات وجرائم ميليشيا الحوثي، الذي قتلت والتهمت أمواجه براءة الأطفال والطفولة ومستقبلهم في اليمن، حيث لم تتوان تلك العصابة الإجرامية إطلاقاً في سبيل تنفيذ مخططاتها وأجنداتها بإيعاز إيراني للتوسع في اليمن والخليج، كما أقدمت على إغلاق أبواب المدارس في وجه أطفال اليمن بالمناطق والمدن والمحافظات الخاضعة بقوة السلاح لسيطرة الحوثي، واقتياد الأطفال عنوة إلى جبهات القتال تارة بالتهديد والوعيد وتارة أخرى بالإغراء والترغيب.
وباتت جريمة تجنيد الأطفال قسرياً من قِبل ميليشيا جماعة الحوثي، هماً يؤرق الأسر اليمنية نظراً لما تشكله جريمة الانقلابيين من خطورة كبيرة على أطفالها من خلال الزج بهم في صراعات مسلحة، لا ناقة لهم فيها ولا جمل، عوضاً عن انتهاك ميليشيا الحوثي وصالح، لحقوق الطفولة بالعيش حياة كريمة وآمنة ومستقرة أسوة بشريحة الأطفال في شتى أرجاء المعمورة.
وعمد الانقلابيون بدون أدنى مستوى من المسؤولية والضمير الإنساني على تقديم الأطفال القاصرين كوقود للحرب، وحرمانهم من حقهم في مواكبة مراحل فئات الطفولة مروراً بممارستهم هواياتهم المفضلة وتلقيهم التعليم وصولاً إلى بلوغهم مراحل عمرية متقدمة بحيث يكون أولئك الأطفال على أعلى قدر من المسؤولية والقدرة على البناء وتحقيق النهضة الشاملة ببلدهم.
يُقدر عدد الأطفال المجندين في صفوف ميليشيا الحوثي أكثر من 12 ألف طفل، وتعززت عملية تجنيد الأطفال لدى جماعة الحوثي بشكل كبير جداً بوتيرة أكبر، عقب عزوف الكثير من القبائل اليمنية في الشمال عن المشاركة في القتال أو السماح لأبنائهم بالالتحاق بصفوف الحوثيين، لخوض معارك بالنيابة عن الحوثيين ضد القوات الشرعية من الجيش الوطني والمقاومة بدعم وإسناد كبير من قوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية، وهو ما أدى إلى تحقيق قوات الشرعية والتحالف العربي انتصارات استراتيجية ميدانية كبيرة على حساب ميليشيا الحوثي الانقلابية في عدد من جبهات القتال بمختلف مدن ومحافظات البلاد.

«الحملة الوطنية للتجنيد»

خلال الأشهر الأخيرة ومع الخسارات المتتالية لميليشيا الحوثي في جبهات القتال مع قوات الشرعية، صعدت الجماعة من جهودها لتعزيز حملة منظمة لتجنيد الشباب والأطفال للقتال مع ميليشياتها، في إطار برنامج تشرف عليه وزارة الدفاع في حكومة الانقلابيين، تحت اسم «الحملة الوطنية للتجنيد»، ويشمل مديريات العاصمة صنعاء وبقية المناطق الأخرى الواقعة تحت سيطرتها.
وإزاء وضعها المتردي في مختلف جبهات القتال، ومع النزيف الحاد في عداد مسلحيها، لجأت الجماعة إلى فرض التجنيد الإجباري على الشباب، مع فتح باب التجنيد الرسمي (التطوعي)، بالــتزامن مع توســيع حملـة الاستقطاب الممنهجة للشباب والأطفال من المدارس والشوارع.
وكشفت وثيقة منسوبة للقيادي في الجماعة صالح الصماد، رئيس ما يسمى «المجلس السياسي الأعلى» اعترافه بالنزيف الحاصل لمقاتلي ميليشياتها في مختلف الجبهات، فوجه في رسالته الخاصة والسرية، بتاريخ 1 يناير 2018م، كلاً من القياديين الحوثيين: محمد علي الحوثي، رئيس ما يسمى «اللجنة الثورية العليا»، وأبو علي الحاكم، رئيس ما يسمى الاستخبارات العسكرية، بفتح ملف التجنيد الإجباري لطلاب المدارس والجامعات لاستقطاب مقاتلين للجبهات وذلك عبر إنزال مشرفين ولجان تتولى التجنيد.
وعلى عكس الحملات السابقة المماثلة، شملت «الحملة الوطنية للتجنيد»، التي أطلقتها ميليشيا الحوثي مؤخراً، إشراك كافة القطاعات والشخصيات التابعـــــة لهم في إنجاح الحملة، بما في ذلك القضاة وعلماء الدين والخطباء وكافة المسؤولين في الحكومة الانقلابية بصنعاء وبقية المحافظات الأخرى الواقعة تحت سيطرتها.

أرقام «أممية»

يذكر أنه في 2017م، أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أنه ما بين 26 مارس/‏ آذار 2015 و31 يناير/‏ كانون الثاني 2017، تحققت الأمم المتحدة من تجنيد ألف و476 طفلاً، وأنه من المرجح أن تكون الأرقام أعلى من ذلك بكثير نظراً لرفض معظم الأسر الحديث عن تجنيد أطفالها خوفاً من الانتقام.
وأشارت إلى أنه غالباً ما ينضم الأطفال الذين تقل أعمارهم عن الثامنة عشرة إلى القتال نتيجة التغرير بهم أو الوعود بمكافآت مالية أو مراكز اجتماعية، ويتم إرسال العديد منهم على وجه السرعة إلى الخطوط الأمامية أو العمل في نقاط التفتيش، وذكرت أن تجنيد واستخدام الأطفال في الصراعات المسلحة محظور قطعياً بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، وفيما يتعلق بحالات تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة فإنه قد يرقى ذلك إلى جريمة حرب، وحثت الأطراف على تسريح هؤلاء الأطفال بشكل فوري.
يقدر عدد الأطفال المجندين في صفوف الحوثيين أكثر من 12 ألف طفل مجند، كما كشف تقرير لمؤسسة وثاق للتوجه المدني حول تجنيد الأطفال باليمن أن ميليشيا الحوثي الانقلابية جندت نحو ألف و951 طفلاً خلال الفترة من يناير 2015م وحتى ديسمبر 2016م، في 13 محافظة يمنية، كما رصدت 83 مركزاً لاستقطاب الأطفال في مختلف المحافظات.

جريمة إبادة بحق اليمنيين

ومن جانبها اعتبرت الحكومة الشرعية تلك الممارسات بمثابة انتهاك خطر لحقوق الإنسان وجريمة إبادة بحق اليمنيين، وأكد وزير الدولة لشؤون تنفيذ مخرجات الحوار الوطني ياسر الرعيني، ضرورة استمرار المجتمع الدولي للشرعية واليمنيين، لإنهاء الممارسات الإجرامية للميليشيات الانقلابية والحفاظ على الأمن والاستقرار سواء المحلي أو الإقليمي والدولي.
وأشار الرعيني في حديث خاص لـ«الخليج»: إلى أن الميليشيات الانقلابية وضمن جرائمها البشعة في تجنيد الأطفال وطلاب المدارس، تجبر الأسر في المناطق والمديريات الخاضعة لها بدفع أبنائهم إلى الجبهات بقوة السلاح والتهديد والوعيد لكل من يخالف أوامرها، كما تقوم بخطف الأطفال دون علم أهاليهم في انتهاكات صارخة لكل المواثيق الإنسانية تضاف إلى سجلات جرائمها الممنهجة ضد الوطن والمواطنين.
وبيّن أن هذه الميليشيات لم تكتفِ بتدمير الاقتصاد الوطني ونهب المال العام والخاص، وتجويع وتركيع أبناء الوطن، بل استمرت في فرض الإتاوات ونهب التجار والمؤسسات الاستثمارية، فضلاً عن الإجراءات التعسفية التي تمارسها في حق القطاع الخاص بشكل عام والتي تسببت في تفاقم الأوضاع الاقتصادية وتدهور العملة، والتلاعب بأسعار المشتقات النفطية والغاز المنزلي وبيعها بمبالغ طائلة عبر السوق السوداء التي تديرها.
وجدد تأكيده على أن هذه الميليشيات لا تؤمن بالمسارات التفاوضية لأنها ميليشيات إرهابية تُدار وفقاً لأجندة خارجية تراهن على عامل الوقت لفرض متغيرات في الميدان واستثمار الأسلحة المهربة إليها للإضرار باليمن ودول الجوار وتهديد الملاحة البحرية، مؤكداً بأنها وعلى الرغم من هذه المحاولات البائسة فإنها تبوء بالفشل أمام صمود وبسالة أبطال الجيش الوطني والمقاومة الذين يحققون أروع الانتصارات في مختلف الجبهات ويضيقون الخناق على هذه الميليشيات، بدعم وإسناد من قوات دول التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، وثمن ما تبذله دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة من جهود كبيرة لدعم الجيش الوطني والمقاومة لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وعودة الاستقرار إلى اليمن واستكمال بناء اليمن الاتحادي وفقاً لمخرجات الحوار الوطني التي توافق عليها اليمنيون ودعمها الإقليم والعالم.
ويرجع عدد من المراقبين والمحللين السياسيين والاجتماعيين تجــنيد الأطفـال فـي اليمن، إلى استغـــلال الحــــوثـيين، التــداعـــيات الاقتصـــادية للحرب، ومنها انقطاع الــرواتب الحكـــومية، وارتفاع الأسعار، والضغوط الناتجة عن الوضع المعيشي، حيث لجأ الحوثيون إلى تجنيد الأطفال بعد انحسار رقعة مناطق سيطرتهم، وتكبدهم خسائر كبيرة بين أوساط المقاتلين، ولفتوا إلى أن إقدام الحوثيين على تجنيد الأطفال يأتي من أجل إطالة أمد قدرتهم على تحمل الحرب، كون الأطفال أسهل انقياداً من الكبار، ويسهل التأثير فيهم وتوجيههم.

جماعة الحوثي بدأت تجنيد الأطفال مبكراً

بدأت جماعة الحوثي المسلحة تجنيد الأطفال في اليمن مبكراً، فقد استخدمتهم في حربها ضد قبائل حجور الشام بمحافظة حجة مطلع العام 2012م، وحربها مع أبناء منطقة دماج بمحافظة صعدة خلال العام 2013م، وحربها مع قبائل محافظة عمران واللواء 310 مشاة المرابط فيها يوليو العام 2014م. وآنذاك كشفت منظمات حقوقية يمنية عن مقتل وإصابة عدد كبير من الأطفال، الذين قالت إن جماعة الحوثي المسلحة قد اتخذت من جثامينهم جسراً للعبور من دماج إلى مدينة عمران وصولاً إلى العاصمة صنعاء، فحسب إحصاء ات وثقها التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان خلال الفترة من 1 يوليو 2014 حتى 30 ديسمبر 2016م، إلى أن جماعة الحوثي والقوات الموالية للرئيس المخلوع حينها، تصدرت المشهد في الرقم القياسي بتجنيد قرابة 8000 طفل دون السن القانونية.

أطفال في سوريا: إذا لم نحارب ولم نستجب وننضم للقتال فسنموت
المجندون الأطفال.. جريمة حرب تتحملها الشعوب

بيروت: صقر أبو فخر

يتم التفريق عادة، في الدراسات النفسية، بين الأطفال والفتيان، فالأطفال هم الذين لم تتجاوز أعمارهم الـ12 سنة. أما الفتيان فهم من كانت أعمارهم بين 12 و18 سنة. وتُعرِّف «مبادئ باريس في شأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة» التي صاغتها الأمم المتحدة في فبراير 2007 الطفل، بأنه الذي لم يبلغ الثامنة عشرة، ويرتبط بجماعة عسكرية تستخدمه مع غيره من الأطفال كمحاربين أو طهاة أو حمالين أو جواسيس أو في أغراض جنسية. ويُعد تجنيد الأطفال جريمة حرب بحسب اتفاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، بينما تنص اتفاقية حقوق الطفل الموقعة في عام 2003، على أن تجنيد الأطفال تحت الخامسة عشرة، جريمة حرب حتى لو كان التجنيد ضمن تشكيلات داعمة وغير قتالية. والمعروف أن السن القانونية لتجنيد الأفراد في الجيوش النظامية لا يمكن أن تقل عن الثامنة عشرة حتى في زمن الحرب. ليسوا أطفالاً !
للأسف الشديد راح بعض شيوخ الجماعات المسلحة يشيعون أن الصبي الذي بلغ السابعة، مكلّف شرعاً بالتدرب على السلاح، ويصبح مُكلّفاً بالقتال حكماً ما إن يبلغ الثانية عشرة. والقاصر الذكر لدى تلك الجماعات هو مَن كان دون البلوغ أو دون الثانية عشرة. أما القاصر الفتاة فهي مَن كانت دون البلوغ أو دون العاشرة. ومن الطبيعي أن تُنتهك حقوق الأطفال هؤلاء في البلدان التي تتعرض للحروب الأهلية، ولا يبالي بها أحد. واللافت أن معظم هؤلاء الأطفال يعيشون في أحياء تسيطر عليها الجماعات المتحاربة في سورية، وقد وجدوا أنفسهم بلا مدارس وبلا عمل وبلا وسائل للتسلية وتزجية الوقت، وبلا حياة طبيعية، فانضم بعضهم إلى المقاتلين. وهؤلاء تعرضوا لأهوال لا يمكن احتمالها كالصدمات الناجمة عن فقدان الأب أو الأم أو الأخ، علاوة على تدمير منزل العائلة، والنزوح والتشرد ومشاهدة أعمال العنف عياناً. ثم إن القتال يصبح، بالتدريج، مصدر الرزق والملاذ الوحيد الذي يمنح هؤلاء الضحايا الحماية، ويقيهم، ولو جزئياً، تسلط المقاتلين عليهم وعلى عوائلهم في ما لو لم يكن أحد أفراد الأسرة منتمياً إلى جماعة مسلحة.
يعمل الأطفال المجندون حمالين ومسعفين وحراساً يحملون السلاح لحماية نقاط التفتيش والحواجز، وهناك من الايديولوجيات المتطرفة من تبلقن الأطفال ضرورة الاستجابة للتجنيد خشية الموت جوعا أو برصاص جماعة أخرى. وهم يعملون في مهن بائسة كطباخين أو عمال نظافة، وفي معظم الأحوال يكونون في خدمة المقاتلين الأكبر سناً، وفي السجون يتلذذون في التنكيل بالسجناء. كما يتم استخدامهم في التجسس وعمليات الاستطلاع. أما الفتيات فلأغراض الجنس بالدرجة الأولى، وقد استخدمت بعض المجموعات المسلحة الأطفال كألغام متحركة، فيتم تحميل الطفل، من دون أن يعلم، حقيبة مدرسية مملوءة بالمتفجرات، ويطلبون منه نقلها إلى مكان محدد بحيث يمر حكماً بحاجز أمني أو نقطة مراقبة تابعة للخصم، وتجري مراقبته من بعيد. وحين يصل الطفل المقنبل إلى النقطة المستهدفة يتم تفجيره من بُعد. وكثيراً ما تحدثت تقارير محايدة عن استعمال الأطفال كقطع غيار للقادة الذين يحتاجون كلى أو كبد أو عيون أو غير ذلك، وراجت تجارة الأعضاء البشرية جداً في مناطق القتال.
وتتنافس المجموعات المسلحة فـي سورية على تجنيد الأطفال، ويتذرعون لتبرير جريمتهم بالقول: «إذا نحن لم نجند هذا الطفل أو ذاك، فستأتي مجموعة أخرى وتجنده». وقد اتهمت منظمة «هيومان رايتس ووتش» في تقرير نشرته في 2016/‏‏‏‏‏‏6/‏‏‏‏‏‏23، المعارضة السورية بتجنيد فتيان وزجّهم في المعارك الدائرة في سوريا. وشمل اتهامها «الجيش السوري الحر» و«جبهة النصرة» و«قوات حماية الشعب الكردي» و«داعش» التي لم تتورّع عن إرسال أطفال في عمليات انتحارية.

الجميع ضالع في الجريمة

تجنّد «هيئة تحرير الشام» الأطفال السوريين بأعداد كبيرة لتعــويض النقص فـي المقاتلين الراشدين الذين إما يموتون في المعارك وفي الاشتباكات الدائمة بين المنظمات المختلفة، أو يهربون إلى تركيا ويعلنون انشقاقهم على تلك الجماعة. وعلى هذا النحو يجند «لواء فاطميون» الإيراني أطفالاً من أعمار متباينة. أما وحدات حماية الشعب الكردي فتجند، فضلاً عن الأطفال، فتيات في الرابعة عشرة.
وهناك معلومات وردت من مصادر متطابقة عن تجنيد تلك الوحدات التابعة لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي» أطفالاً من الذكور والإناث تتراوح سنهم بين 12 و15 سنة في عفرين وعين العرب والحسكة.

 


مختصون يؤكدون أن دولتهم الأكثر معاناة بسبب تنظيم «داعش»
العراق.. ثورة فكرية لإعادة تأهيل الأطفال ضحايا الإرهاب


بغداد: زيدان الربيعي

عانى العراق، وسيبقى يعاني المرحلة الصعبة جداً التي مر بها بعد منتصف عام 2014 عندما تمكن تنظيم «داعش» الإرهابي من السيطرة على الكثير من مدنه، وأقام دولته الزائلة على ترابه، ورغم زوال التنظيم الإرهابي من الأراضي العراقية من الناحية العسكرية بشكل نهائي، إلا أن هذا التنظيم ترك آثاراً سلبية جداً في المجتمع العراقي عموماً، وفي الطفولة بشكل خاص، لأنه قام بتجنيد الأطفال على القتال، وعمليات الذبح، وكل الأمور التي لها علاقة بالإرهاب، الأمر الذي يحتاج إلى جهود كبيرة جداً من قبل المؤسسات العراقية المختلفة لإنقاذ الأطفال من تلك الأفكار الهدامة والخطرة على المجتمع العراقي برمته.
فقد شاهد العراقيون، وغيرهم، الكثير من الأفلام المصورة التي قام بتصويرها وبثها تنظيم «داعش» لمجاميع من الأطفال وهي تحضر حفلات الذبح التي كان يقيمها التنظيم الإرهابي في مدينة الموصل لكل من خالف فكره المتخلف، كما قام التنظيم الإرهابي بزج مجاميع كبيرة من الأطفال في معاركه ضد القوات العراقية، فضلاً عن تدريبه لمجاميع أخرى عن كيفية الذبح من خلال قيام هؤلاء الأطفال بتنفيذ عمليات الذبح بحق دمى خاصة تم صنعها لغرض تدريب هؤلاء الأطفال الصغار على الذبح.
«الخليج» استطلعت آراء بعض المختصين بعالم الطفولة حول هذا الموضوع المهم والخطر.
فـي البداية يؤكد نائب رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتّـاب العراقييـن، والمستشـار فـي وزارة التربيــة العراقية، أنه سمع منذ مدة ليست بعيدة أن هناك جيشاً من الأطفال العراقيين الذين رضخت مدنهم للاحتلال «الداعشي» بعد منتصف عام 2014 وهذا الجيش بات الآن ضائعاً بين فكر الإرهاب «الداعشي» وبين العودة إلى حضن الوطن والانتماء إليه، وقال: أعتقد أنه يجب أن تكون هناك دراسات، وأن تكون بحوث من قبل اختصاصيين، علينا أن نأتي بخبراء من الدول العربية والمنظمات العالمية مع خبرائنا التربويين العراقيين لغرض الخروج بدراسة نضع بها الأسس لإعادة احتواء هؤلاء الأطفال، ومن ثم إعادة دمجهم في المجتمع العراقي من جديد.

تأهيل الأطفال وعلاجهم

وأوضح الجاف، أن « هؤلاء الأطفال الذين تأثروا بفكر «داعش» الظلامي والتكفيري هم يشكلون أعداداً لا يستهان بها، وإذا هذا الفكر يبقى معهم لفترة طويلة سيؤذينا في المستقبل القريب، قد يكون بعد عشر سنوات، أو أكثر يظهر لنا جيل متشدد يحمل الأفكار المريضة نفسها التي حملها «داعش»، الذي ذقنا على يديه الأمرين، ولكن صمود الشعب العراقي، وبطولة القوات المسلحة هي التي صدت هذا العنوان».

أمر ليس سهلاً

في حين قالت المختصة بمسرح الطفل الدكتورة إيمان الكبيسي، «لم تختلف سياسة الظلاميين ممن انتسبوا إلى تنظيم «داعش» الإرهابي عن سياسة وأساليب العصابات الإجرامية والمافيا التي عرفت على مر التاريخ، والتي كانت لا تستثني طفلاً، أو شيخاً، أو امرأة، فالكل وقود للحرب. وأول ما جنح إليه هذا التنظيم الإرهابي هو عسكرة الطفولة من خلال إشاعة مشاهد العنف والقتل في الشوارع، فضلاً عن نشر مشاهد العنف في بعض المواقع الإلكترونية التي تعلم أساليب الذبح وطرائق التعذيب والإهانة، تحت مسميات واهية ترفع راية الشرعية والدين، ما ضيع على الطفل براءته وفرص استمتاعه بطفولته».
وأضافت، أن «تنظيم «داعش» الإرهابي اعتمد على إشاعة القبح والعنف ونبذ الجمال من خلال تربية خاصة يلجأ إليها في التعامل مع الطفل تجعل من هذا الطفل مشروعاً جديداً للإرهاب بعد أن يقتلع من داخله كل حب للجمال والحياة، فضلاً عن تعليمه أساليب منحرفة سادية في التفريغ والتنفيس العاطفي، فهذا الأسلوب المنحرف والاستراتيجية الخاطئة ينبغي مواجهتها بإعادة تأهيل ذات الطفل من خلال إشاعة الجمال وحب الحياة، وهذا يتطلب جهوداً مكثفة متعاونة من الجهات التربوية والثقافية والفنية، لتخليص ضحايا الفكر «الداعشي» من هذه البراثن المجتمعية».
وحول أفضل السبل التي يمكن اتباعها من قبل الدولة العراقية ومواطنيها حتى يتم بناء هؤلاء الأطفال بطريقة سوية، بعيداً عن ذلك الفكر الخطير، رأت الكبيسي، أنه «تقع على كل الجهات التربوية والثقافية والفنية، وكذلك جميع المؤسسات الحكومية مسؤولية كبيرة في النهوض بواقع الطفل وانتشاله من هذا المستنقع الآسن، من خلال فتح المجال أمامه للانخراط في المجتمع المتحضر، وعدم تحييده وعزله.
وأشارت إلى، أن «عمر الطفل سلاح ذو حدين، فبالرغم من أن التعليم في الصغر كالنقش في الحجر، لكن الوقت لم يفت بعد فلا يزال أمامنا، وأمام كل متخصص بشؤون الطفل تقديم نجادة السلامة التي تنقذ جيل كامل من الغرق الفكري في متاهات لا نهاية لها. بالطبع الطريق طويل وشاق، لكنه ليس بمستحيل، فمشوار الألف ميل يبدأ بخطوة. ولبناء مجتمع متكامل ناضج لابد أن تكون نقطة البداية من ذلك الطفل».

مشروع ثقافي كبير

بينما رأى المختص بمسرح الطفل، الدكتور حسين علي هارف، «لقد سبق أن قلنا إن «داعش» ليس مجرد تنظيم عسكري، إنما هو تنظيم فكري، ومنظومة كاملة، ولها مؤسسات إعلامية، وعملت هذه المؤسسات طوال تواجدها أثناء فترة اغتصابها للمدن العراقية، ومنها نينوى، على عقول الأطفال والفتيان والصبية والشباب من خلال المؤسسات الدينية والتنظيمات والحلقات الفكرية التي كانوا يتعاملون فيها، وانتهوا إلى تجنيد الأطفال وزجهم في أعمال العنف وتنفيذ قرارات الإعدام، وكانوا مادة لعرض حلقات إعدام كثيرة، بل قام الكثير من الأطفال بتنفيذ تلك الأحكام الجائرة بأيديهم، هذا معناه أن «داعش» طوال الأشهر الطوال التي مكث فيها في مدينة الموصل والمدن الأخرى، مارس تفكيراً قوياً جداً على الأطفال، وهذا بتقديري ليس من السهولة أن يمحى. نعم الموصل تحررت، والأرض تحررت من دنس هؤلاء، لكن أمامنا مسؤولية كبيرة، وعندما أقول أمامنا فيعني أمام المؤسسات الحكومية كافة، من الوزارات المعنية بالطفولة، كيف يمكن أن نمحو آثار التأثير الإعلامي والفكري الذي مارسه هؤلاء الإرهابيون بحق المجتمع العراقي عموماً، وبحق الطفولة بشكل خاص في تلك المدن، فأنا أعتقد أن الموصل بحاجة إلى مشروع ثقافي كبير، يركز فيه الوسط الثقافي، .

حرب فكرية مضادة

بينما أكد وائل رمضان، من جامعة البصرة، أن «الجيل المقبل نوعاً ما يعيش حالة قلقة جداً من الأفكار التي أتت من خارج البلد، ومن أجل التخلص من هذه الأفكار علينا إحصاء عدد الأطفال الذين تأثروا بفكر تنظيم «داعش» الإرهابي حتى نعرف كيفية التعامل معهم وتأهيلهم فكرياً ونفسياً، لكي يتخلصوا من تلك الأفكار المنحرفة، كذلك هناك حاجة ملحة لإقامة دورات للتعرف إلى تراث البلد، وحضاراته، الحقيقية، وهي غير ممزوجة بكل الريح الصفراء التي أتت من خارج البلاد، لأن هذه الريح الصفراء عموماً، هي مثل رمال الصحراء متحركة. أما حضارة البلد فثابتة وقانون البلد ثابت، وإن يكن قيام تنظيم «داعش» بهدم حضارة الموصل أمر خطر ومؤذ جداً على تلك الأجيال التي شاهدت ذلك الحدث البشع، لكن تلك الحضارة باقية في قلوبنا وفكرنا، فالحضارة ليست حضارة بناء طابوق، أو بناء تمثال، الحضارة هي حضارة إنسانية تليق بالمواطن الذي بنى أقدم حضارة في الكون، ويمتد عمقها التاريخي إلى أكثر من ستة آلاف سنة قبل الميلاد، لذلك المفروض علينا حالياً أن نحتضن هذا الجيل، ونجرده من هذه الأفكار التي تشبع فيها، ونقيم دورات مكثفة للتعرف إلى الناحية الفنية للبلد، وعندما نشاهد رسوم الأطفال فهي رسوم عن الأسلحة والدبابات وطيارات عسكرية، لذلك علينا أن نجرد هذه الأمور من عقول الأطفال، ونحن بحاجة إلى مناهج دراسية تجرد هذه الأفكار، مناهج تعرفه بالحضارة الإنسانية العراقية حتى ينمي فكره ويبدع ويحب الحياة».

خطيئة كبيرة

الناشطة في حقوق الإنسان والطفولة الدكتورة جبرا الطائي، شددت على، أن «لدينا مشكلة كبيرة وهي أنها سيخرج لنا بهذه الفترة، خصوصاً، أطفال تربوا في أحضان «داعش» أو هم ولدوا من آباء ينتمون إلى هذا التنظيم المنحرف، فحتى إن كان الأبن يريد أن ينسى أو عائلته تنسى، فإن تاريخه، واسمه سيبقى يذكره بأنه أبن «داعش»، فيصبح له نوع من ردة الفعل وينعكس على سلوكه وقد يكون بذرة سيئة في المجتمع. ولهذا قضينا على «داعش» عسكرياً، لكن فكرياً لم نقضِ عليه لحد هذه اللحظة، والكثير من الظروف تتهيأ للفكر «الداعشي»، لذلك نحن مطلوب منا أن نقوم بإعداد دراسات حقيقية، وليست تنظيرية فقط، عن كيفية إيجاد السبل المناسبة للخلاص من هذا الفكر المنحرف لدى الأطفال، وفي الوقت نفسه نحتاج إلى برامج من أجل مسح هذا الفكر من أفكار وعقول الأطفال، خصوصاً بالنسبة للمدارس، يجب أن يكون هناك برامج تربوية، إشراف تربوي، مدارس تدار من قبل مدير حريص على المواطنة العراقية، فضلاً عن الانفتاح على الآخر، واحترام الأديان الأخرى، إن هؤلاء الأطفال الذين عاشوا مع «داعش» مدة طويلة يحتاجون إلى برامج تثقيفية كثيرة، أفلام، مسرح، كتب وقصص تصويرية وغيرها تسلط الضوء على مجازر «داعش» وفكره وأساليبه في تهديم الحضارة، أيضاً أساليب «داعش» التي تدعي أنها تنتمي إلى الفكر (السني)، في وقت أن الفكر (السني) بعيد كل البعد عن هذا التفكير، لماذا استهدفــــــوا المناطــــق الأثرية والجــــوامع؟ وأيضاً هم لم يفرقوا بين (سني وشيعي)، لذلك يجب أن يكون الطفــــــل واعياً لما يقـــــال ضــــده، لأنــــــه في يوم من الأيام هو صـــــار ثمناً لهذه المجزرة التي حلت في العراق، لذلـــــــك القضية ليست سهلة وتحتاج إلى جهود حقيقية من قبل الجميع من أجل القضاء على الفــــكر «الداعـشي» وتأهيـــــل الأطفـــــال لسبـل العــــيش الســوي حالهم حال الأطفال الآخرين الذين يحبون الحياة ويتفاعلون معها».
وأضافت الطائي، أن «عملية تأهيل الأطفال الذين عاشوا المدة الظلامية مع تنظيم «داعش» تحتاج إلى برامج تأهيلية كبيرة، وهذه مسؤولية الحكومة ومنظمات المجتمع المدني، وكذلك المنظمات دولية، إذ يجب أن تقام دورات تدريبية، علاقات دولية، ويتم من خلالها أخذ الأطفال إلى مناطق أخرى بحيث تتم عملية غسل لأدمغتهم التي تلوثت بالفكر «الداعشي» المنحرف، وليس بعيداً أن تحصل عملية غسل أدمغتهم، لأنه مثلما تعزز الفكر «الداعشي» بسهولة لدى الأطفال «يمكن إخراجه لكن ليس بتلك السهولة، لأن الطفل يحتاج إلى رعاية خاصة، وأشياء ملموسة يلمسها بيده حتى يتخلص من معتقداته السابقة، لكنني أحذر الجميع أنه إذا لم تتم عملية تلافي الموضوع بشكل سريع جداً من قبل الجهات المعنية، فأننا سنرتكب خطيئة كبرى بحق بلدنا وبحق الطفولة، وأيضاً بحق الأجيال المقبلة، لأن الفكر «الداعشي» إذا لم يقمع الآن وبطريقة سريعة فإنه سينمو وبالتالي سنجد صعوبة بالغة جداً في القضاء عليه».
وتابعت، أن «ما قام به داعش ضد الطفولة في العراق أمر مقزز جداً، إذ قام بزجهم في حربه ضد القوات العراقية، وقام بتعليمهم عمليات القتل، والذبح، واستخدام السلاح، وبالتالي قتل روح البراءة في أنفسهم، لذلك يجب التحرك بسرعة فائقة جداً لتأهيل هؤلاء الأطفال وزجهم في الحياة العامة بعيداً عن «داعش وأفكاره ومناهجه».

 


جريمة العصر التي يعجز العالم عن مواجهتها
خبراء: تجنيد الأطفال يهدد بأجيال متعاقبة من الإرهابيين

القاهرة: محمد عنتر

أدت الصرعات في كثير من الدول، وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط، إلى انتشار ظاهرة تجنيد الأطفال من جانب الميليشيات والتنظيمات الإرهابية، وظهر ذلك في سوريا والعراق، اللتين استغل فيهما تنظيم «داعش» الإرهابي الآلاف من الأطفال وجندهم في الأعمال الإرهابية، كما استغلت جماعة الحوثيين الانقلابية في اليمن الأطفال في الأعمال المسلحة ضد النظام الشرعي، وقوات التحالف العربي.
وتؤكد تقارير المنظمات الدولية، خاصة منظمة «اليونيسيف»، وجود آلاف من الأطفال الذين يتم استخدامهم في النزاعات المسلحة في مناطق التوتر حول العالم، معظمهم ضحايا لعائلاتهم، وكثير منهم تم اختطافه، أو ضربه، أو التغرير به، وحتى شراؤه لاستغلاله في عمليات انتحارية، ما جعل الأطفال وقوداً لأزمات أكبر منهم.
ومع ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي انتقل ملف تجنيد الأطفال واستغلالهم في النزاعات المسلحة، والعنف الفكري والعملي، من كونها حالة غامضة تحاول التنظيمات نفيها، أو تكذيبها، وربما تبريرها على استحياء، إلى ظاهرة تتفاخر بها التنظيمات المسلحة.

الخبراء يحذرون

وأكد خبراء ومحللون، لـ«الخليج» أن تجاهل قضية تجنيد الأطفال من قبل الدول والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الأطفال، يهدد بوجود أجيال متعاقبة من العناصر الإرهابية المتطرفة التي تشكل خطراً على المستقبل.
وقال الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، إن هناك مشكلة حقيقية كبرى تواجهها الدول، التي تشهد صراعات وحروباً أهلية وطائفية، مثل سوريا والعراق واليمن، وهي أن أغلب ضحايا هذه الصراعات من الأطفال، إما من خلال تعرضهم للموت بسبب القصف والذبح، والقتل، وإما بسبب المرض والجوع وسوء التغذية، أو تعرضهم للتهجير، والتشرد، والحرمان من التعليم، والرعاية الصحية الكافية، أو من خلال تجنيدهم إجبارياً في بعض التنظيمات الإرهابية.
وأوضح أن التنظيمات الإرهابية اتجهت خلال الفترة الأخيرة إلى استغلال الأطفال، وتجنيدهم في صفوفها، لأنهم مادة سهلة، حيث يمكن إخضاعها إلى الغسل الدماغي أكثر من البالغين، إذ تستغل هذه التنظيمات سهولة إقناع الطفل بالأفكار المتطرفة، وغير المنطقية من خلال إعداد البرامج والخطط التي تسعى إلى استغلال روح الحماس، وحب الاستكشاف، وحب الظهور، وحب الشعور بالقوة لدى الطفل، فتستدرج هذه التنظيمات هؤلاء الأطفال من خلال استخدام مصطلحات، وتعابير وأفكار تساهم في غسل أدمغتهم، وتزرع أفكاراً متطرفة فيها، ما يتسبب بتحول هؤلاء الأطفال إلى أشباه روبوتات يسهل قيادتهم من خلال اقتناعهم بتلك الأفكار المتطرفة.

انتهاك إنساني

وقال اللواء سامح أبو هشيمة، الخبير العسكري، إن استغلال الأطفال واستخدامهم كجنود من قبل التنظيمات والميليشيات المسلحة، يشكل انتهاكاً لأبسط حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق الطفل بشكل خاص، ولذلك يجب محاكمة القادة الذين يعملون على تجنيد الأطفال، كمجرمي حرب، ومطالبة الدول الغربية بالكف عن بيع الأسلحة لقادة الحروب، إضافة إلى ضرورة ممارسة المجتمع الدولي كل الضغوط السياسية والاقتصادية، من أجل إرغام جميع الدول على حظر تجنيد الأطفال دون سن الثامنة عشرة، في المنظمات والميليشيات المسلحة.
وأضاف أن الأطفال المجندين ينقسمون إلى قسمين: أطفال جندوا بالقوة، وأطفال جندوا بمحض إرادتهم، وفي الحالتين لا يدرون أنهم سيشكلون قنوات وجسوراً للعنف المسلح، مشيراً إلى أن الأطفال الذين يعيشون بمفردهم في أماكن الصراع، من دون أي احتكاك مع المدارس أو العائلات، هم أكثر عرضة للانضمام للمنظمات، أو الميليشيات المسلحة.
وأوضح أن معدلات تجنيد الأطفال ارتفعت بشكل تصاعدي بعد تحول أولويات جماعات العنف في طرائق المواجهة، موضحاً أن الهدف من ذلك هو تحويلهم إلى وقود للعمليات الانتحارية، لأسباب كثيرة تعود إلى سهولة تجنيد الأطفال وتحويلهم إلى كوادر يمكن الوثوق بها، إضافة إلى أن نقص معدلات الاستقطاب منذ بدايات الحرب على الإرهاب، أسهم في البحث عن فئات جديدة للاستفادة منها، على رأسها الأطفال والنساء، وحتى المختلين عقلياً، كما كان يحدث في تفجيرات السيارات المفخخة في العراق، التي اكتشف لاحقاً أن منفذيها أشخاص لا يملكون قرارهم بسبب إصابتهم بالأمراض العقلية.

تعويض النقص العددي

وقال العميد خالد عكاشة، الخبير الأمني وعضو المجلس القومي لمكافحة الإرهاب، إن التنظيمات الإرهابية اتجهت لتجنيد الأطفال والنساء خلال الفترة الأخيرة، لتعويض النقص العددي في صفوفها، الذي أصابها نتيجة الجهود الدولية المبذولة من قبل بعض القوى الدولية والنظامية لمواجهة الإرهاب، والتي وجهت ضربات عسكرية قاسية للتنظيمات الإرهابية خلال الفترة الأخيرة، خاصة في سوريا والعراق واليمن.وأضاف أن التنظيمات والجماعات الإرهابية جندت الأطفال من أجل صناعة جيل جديد من العناصر الإرهابية في المستقبل، يكون قادراً على إنتاج أعمال العنف والإرهاب، بعد أن أنشأت لهم مدارس خاصة تقوم بتعليمهم قوانين وتعاليم متطرفة تخالف الأعراف والقوانين الدولية والمحلية، حيث تركز تلك التنظيمات على تلقين الأطفال منهجاً تعليمياً قائماً على التطرف، وتعزيز فكرة أن يصبح هؤلاء الأطفال إرهابيي المستقبل.
وأشار إلى أن هناك آلاف المدارس التابعة لتنظيمات القاعدة، و«داعش»، بمختلف فروعها في سوريا، وهو ما يعني أن الأجيال الجديدة من الأطفال السوريين يعيشون حالة مسخ للهوية وغسل للدماغ بأفكار عنيفة ستجعلنا أمام المئات والآلاف من أنصار التكفير والتفجير.ولفت إلى أن الحالة السورية المزرية أعادت فتح ملف استغلال الأطفال في النزاعات المسلحة، حيث انعكست الأوضاع المتردية في الداخل السوري على وضع الطفولة غير المستقر والهش، والذي بلغ أرقاماً قياسية غير مسبوقة تاريخياً، فهناك أكثر من 1390 مدرسة دُمرّت في النزاع السوري، منذ بداية الأزمة السورية، فضلاً عن أن ما يقارب 5 آلاف مدرسة أقفلت أبوابها، وخصص منها 700 لإيواء النازحين.

البحث عن الولاء

وقال المحامي أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال بنقابة المحامين المصرية، إن التنظيمات الإرهابية ترى في الأطفال وسيلة لضمان الولاء لها على المدى البعيد، حيث يتم تدريبهم منذ الصغر على الفكر التكفيري الدموي، ويُعد الأطفال صيداً ثميناً لجماعات التطرف بسبب استغلال حسن نيتهم، وضعف مداركهم، لأن عقولهم كـلوح أبيض يمكنها نقش عقيدتها الدموية عليه كما تشاء.
وأشار إلى أن تنظيم «داعش» الإرهابي استطاع تجنيد آلاف المراهقين والأطفال في عدة دول من الذين يفتقدون الهوية، ولا يستطيعون تحديد هدفهم في الحياة، فيتخذ التنظيم من هذا التخبط وفقدان الهدف وسيلة أساسية لاستقطاب ضحاياه كعنصر فعال بين صفوفه بعد هيمنته عليهم فكرياً ومادياً، والعمل على تغييب العقول وتزييف الحقائق التاريخية لأجل إقناعهم بنبل مقصد التنظيم، وصحة توجهه.

التقييمات
0

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y63bjpgk