بينما منح تقرير لجنة فينوغراد في شأن الحرب الاسرائيلية الثانية على لبنان في تموز/يوليو من العام ،2006 حزب الله اللبناني الحق في الاحتفال رسمياً بالنصر، عقب الاقرار الاسرائيلي الرسمي بإخفاق وهزيمة الجيش الذي لا يقهر أمام مجموعة شبه عسكرية بحسب وصف التقرير، فإن الفلسطينيين يخشون تصعيداً عسكرياً اسرائيلياً على جبهتهم الداخلية، خصوصاً في قطاع غزة، لمحاولة رد الاعتبار واستعادة هيبة جيش الاحتلال.جاء تقرير لجنة فينوغراد النهائي الذي ترقبه رئيس وزراء الاحتلال أيهود أولمرت أكثر من أي شخص أو جهة أخرى، على اعتبار أنه شهادة ميلاد أو شهادة وفاة لمستقبله السياسي على رأس الهرم في الدولة العبرية، مخففاً إلى حد كبير وملموس عن التقرير الأول، من حيث عدم تحميل أولمرت مسؤولية الهزيمة، والقاء اللوم الأكبر على أداء الجيش في المواجهة الميدانية مع رجال حزب الله اللبناني.إذاً، أفلت أولمرت مرتين وضمن البقاء في منصبه على رأس حكومة الاحتلال حتى موعد الانتخابات في العام 2010. مرة عندما استثناه تقرير فينوغراد من أي مسؤولية عن الهزيمة في الحرب أمام حزب الله، ومرة ثانية عندما قرر وزير الحرب الاسرائيلي أيهود باراك زعيم حزب العمل شريك أولمرت الرئيس في الائتلاف الحكومي البقاء في الحكومة حتى موعد الانتخابات بعد عامين، بخلاف تهديده سابقاً بالانسحاب فور صدور التقرير، وهو ما كان سيؤدي إلى انهيار الائتلاف الحكومي والذهاب لانتخابات مبكرة بعد ثلاثة شهور، يبدو أن باراك غير مستعد لخوضها والفوز بها، وإلا لسارع إلى الانسحاب.قبل صدور التقرير كان الحديث عن عملية عسكرية موسعة أو مؤثرة في قطاع غزة مستبعداً أو مؤجلاً، لكن أولمرت الذي نجا بنفسه وبمستقبله بعد التقرير لم يعد هناك ما يمنعه من خوض غمار المغامرة بعملية عسكرية في القطاع، وضد حركة حماس تحديداً، لكن ليس بالضرورة أن تكون العملية برية تستوجب المكوث طويلاً في غزة، في محاولة منه لرد الاعتبار للجيش من ناحية، ولإثبات جدارته بالبقاء في منصبه وقيادة دولة الاحتلال من جهة ثانية، يشجعه على ذلك العملية الفدائية التي استهدفت مركزاً تجارياً في ديمونا جنوب الدولة العبرية، وأسفرت عن مقتل اسرائيلية واصابة آخرين، خصوصاً في ظل الحديث عن انطلاق منفذي العملية من القطاع، الذي تسيطر عليه حركة حماس منذ منتصف حزيران/يونيو الماضي.تدرك الدولة العبرية مخاطر الاعتراف بالهزيمة أمام من وصفهم التقرير بتنظيم شبه عسكري يضم بضعة آلاف من رجال حزب الله، الذين واجهوا لأسابيع أقوى جيش في الشرق الأوسط، يتمتع بتفوّق جوّي كامل ووسائل تقنية متطورة، وما ستؤدي إليه هذه الهزيمة من زعزعة نظرية الردع الاسرائيلية التي يقوم الجيش أساساً بتطبيقها وحمايتها، لكنه لم يكن كذلك في الحرب على لبنان، إذ جاء في تقرير فينوغراد وجدنا تقصيراً خطيراً وإخفاقات كبيرة في الاستعدادات واتخاذ القرارات وأداء القيادة العسكرية العليا.ولأن دولة الاحتلال التي اعتمدت طوال سنوات احتلالها لفلسطين التاريخية على مدار 60 عاماً سياسة الترهيب بالقوة العسكرية، تدرك أن هذه الهزيمة ستزرع بذور الشجاعة في نفوس أعدائها الكثر في المنطقة العربية، واحياء الأمل بإمكان إلحاق الهزيمة بالجيش الذي يطلق على نفسه وصف لا يقهر، فإنها ستعمل على توجيه ضربة عسكرية تستعيد بها ثقة الاسرائيليين بقدرة الجيش على حماية أمنهم، وتعيد كذلك الخوف في نفوس من سيحاولون الاقتداء بتجربة حزب الله في المواجهة والصمود.. وتحقيق النصر.ويبقى السؤال المطروح هنا، أي الجبهات ستختار دولة الاحتلال لتوجيه ضربتها العسكرية القادمة لتضميد جرحها النازف منذ الهزيمة، وتهدئة الجبهة الداخلية، خصوصاً ذوي قتلى الحرب الأخيرة، الذين لم تقنعهم نتائج تقرير فينوغراد كثيراً ويطالبون برحيل أولمرت عن الحكم بصفته المسؤول الأول عن قرار شن الحرب وادارتها.وللإجابة عن هذا التساؤل، فإن أمام الدولة العبرية أكثر من جبهة لتوجيه هذه الضربة، لكل منها حساباتها الدقيقة، انطلاقاً من القلق الذي يعتري أولمرت من شبح هزيمة جديدة قد تكون قاضية هذه المرة، ولن يستطيع الافلات منها، فإلى جانب جبهة قطاع غزة، هناك الجبهتان السورية واللبنانية، مع استبعاد توجيه ضربة عسكرية لايران لأسباب ودواع كثيرة لسنا في معرض الحديث عنها الآن.وبحسب الترجيحات والتوقعات فإن المناخات مواتية الآن، لتوجيه ضربات نوعية قاسية في قطاع غزة، تستهدف تحديداً المستويين السياسي والعسكري في حركة حماس، خصوصاً في ظل تعالي الأصوات في الأوساط الاسرائيلية وتحميل الحركة المسؤولية عن العملية الفدائية في ديمونا بصفتها تسيطر على القطاع، ومن تتحمل مسؤولية تفجير الحدود مع مصر، التي تعتقد دولة الاحتلال أن منفذي العملية انطلقا منها عبر سيناء وصولاً إلى مكان العملية.ويبقى قيام جيش الاحتلال الاسرائيلي باجتياح كامل لقطاع غزة، واعادة احتلاله من جديد احتمالاً مستبعداً إلى حد كبير، خشية من الخسائر البشرية العالية التي قد يتكبدها الجيش، في ظل حديث أوساط عسكرية وأمنية اسرائيلية عن نجاح حركة حماس وفصائل المقاومة في ادخال أسلحة متطورة مضادة للدبابات والطائرات بعد فتح الحدود مع مصر، ولذلك ربما تكتفي قوات الاحتلال بتنفيذ عمليات نوعية، مع بقاء احتمال تنفيذها عمليات تصفية جسدية لقادة فصائل المقاومة الفلسطينية في الخارج، وخصوصاً في دمشق قائماً، من دون اسقاط الحرص الاسرائيلي على النيل من زعيم حزب الله السيد حسن نصر الله.خلاصة القول، سيظهر أولمرت خلال الفترة القريبة المقبلة حرصاً كبيراً على منح الاسرائيليين انجازاً عسكرياً، يعيد للجيش هيبته المهدورة، الأمر الذي سيجعله يرفع شعار الهدف المتاح خلال هذه الفترة لانجازه، وعدم انتظار هدف كبير قد يطول انتظاره.