محمد أبو الفضل رغم القسوة التي ظهرت في التقرير النهائي للجنة فينوغراد الذي صدر الأسبوع الماضي، إلا أن صيغته السياسية الملونة أتاحت الفرصة لكل أطراف الحلبة الإسرائيلية لاستغلالها في تحقيق أجزاء من أهدافهم السياسية أو التنصل من التزاماتهم المعنوية، سواء في الهجوم أو الدفاع، فأولمرت رئيس الحكومة اعتبر عدم صدور إدانة صريحة له مكسبا كبيرا، وبرأه التقرير من تهمة كادت تلصق به، بحسبانه غامر بحياة الجنود بقراره شن المعركة البرية لدوافع شخصية بحثا عن صورة انتصار، في حين أصدرت كتلة الليكود في الكنيست بيانا أكدت فيه أن التقرير خطير، وأن المستوى السياسي الذي يقف أولمرت على رأسه يتحمل المسؤولية بشكل واضح، ومع أن باراك زعيم حزب العمل قرر البقاء في الحكومة، غير أن عددا من أعضاء حزبه شددوا على أن التقرير لا يوفر له أية ذريعة للامتناع عن تقديم استقالته التي قرر في مايو/ أيار الماضي تقديمها عند صدور التقرير النهائي للجنة فينوغراد. يعود الاختلاف الظاهر في التفسيرات لدى النخبة الإسرائيلية إلى أسباب عدة، أبرزها أن تقرير فينوغراد لبى رغبات وتطلعات كل طرف عن قصد أو من دونه، فالصياغة الرمادية أحيانا ساعدت كل القوى على أن تجد ما تبحث عنه، وربما يكون عنوان صحيفة يديعوت أحرونوت البراءة والفشل، معبرا عن المضمون الحقيقي ل621 صفحة من التقارير والملاحق، وفي هذا السياق أوجز أيضا القاضي إلياهو فينوغراد رئيس لجنة فحص إخفاقات حرب لبنان الثانية عندما قال كانت خيبة كبيرة وخطيرة يتحمل مسؤوليتها أساسا الجيش ولكن شارك فيها أيضا الضعف الذي أبداه المستوى السياسي، لذلك من نقب في التقرير عن البراءة وجدها ومن بحث عن الإدانة عثر عليها، الأمر الذي انسجمت معه نسبة التغير في استطلاعات الرأي بعد صدور التقرير النهائي، فبعد نشره ارتفعت شعبية أولمرت، حيث انخفضت نسبة المطالبين بإطاحته من 73 في المائة بعد التقرير المرحلي في ابريل/ نيسان الماضي إلى 57 في المائة، وارتفعت نسبة المطالبين ببقائه من 17 في المائة إلى 23 في المائة، وأيد 45 في المائة انسحاب باراك من الحكومة، بينما رأى 37 في المائة أن نتنياهو زعيم الليكود الشخص المناسب لتولي رئاسة الحكومة. ربما لا تعني هذه النسب الكثير للبعض لأنها متحركة، لكن في جوهرها تكشف عن ثلاثة أبعاد سياسية، أولها أن وضع الائتلاف الحكومي الذي يقوده أولمرت على درجة من الاهتزاز، ويمكن أن ينهار عند أول محك مفصلي للخلاف بين قطبيه كاديما والعمل، وقد حدثت ضغوط معنوية وسياسية كثيفة من قبل الليكود لحض زعيم العمل على الالتزام بقراره السابق بالانسحاب من حكومة أولمرت، غير أن الأخير آثر مصالحه الشخصية على غيرها، حيث يدرك أن المستفيد الأول من هذا الانسحاب هو زعيم الليكود نتنياهو، مستخدما في تبرير بقائه عبارات قومية تقلل من أهمية مصالحه الحزبية. البعد الثاني، يتعلق بالتوازن الذي يقوم به حزب العمل، فقد أصبح بمثابة رمانة ميزان العملية السياسية في إسرائيل، سواء وهو في الحكومة أو خارجها، فبقاؤه داخلها يعزز من تصورات كاديما في أي خطوة محدودة تجاه التسوية السياسية مع الفلسطينيين، والعكس يمكن أن يكون صحيحا، لذلك أصبح هذا الحزب مجالا رحبا لعملية استقطاب قاسية تجري حاليا في إسرائيل، ويسعى أولمرت للإبقاء عليه من خلال تفاهمات سياسية مغرية، ويحاول نتنياهو جذبه إليه عبر تذكيره بثوابت تاريخية مشتركة وإغراءات مستقبلية واعدة. البعد الثالث، دخول الانتخابات المبكرة مجالا واسعا للمناورات من جانب معظم القوى الإسرائيلية، بالتالي عند أول خلاف داخل الحكومة سيتم التلويح بها، كمحاولة للابتزاز والحصول على مكاسب لبعض الأطراف أو لتقليل خسائر الآخرين، في حين تبدو غالبية الأحزاب مترددة عمليا في الإقدام عليها، لأن البيئة السياسية في الوقت الراهن مملوءة بالثغرات التي لا تسمح بضمان أن تصب نتائج الانتخابات في مصلحة طرف بعينه، فكل القوى متساوية الفرص تقريبا. لذلك فإن تقرير فينوغراد أشعل بورصة التكهنات تجاه تثبيت أركان الحكومة أكثر من خلخلتها، حيث وجد أولمرت ما يحتمي به من محتويات مطاطة واستفاد باراك من صياغته الحادة في إعلاء الدفاع عن المصالح العليا ل إسرائيل والإيحاء بأنه غلّبها على حساباته الحزبية، ولا يزال حزب شاس يراقب الحلبة عن كثب، وبدا كأن مضمون التقرير النهائي لا يعنيه، فهو ثابت في مكانه إلى حين الاقتراب جديا من التسوية السياسية وملامسة بعض القضايا الحساسة في أجندته. كان الاتجاه العام السائد في عدد كبير من الدوائر السياسية يصب في مصلحة انهيار الائتلاف الحالي، غير أن تقرير فينوغراد وآليات التعامل معه خالفتها بصورة كبيرة، حيث جرى استثمار مضمونه، رغم قسوته، لتدشين عملية استمرار حكومة أولمرت، ويمكن أن نضع أيدينا على جملة من العوامل التي سوف تساهم في تعزيز هذه النتيجة خلال الأشهر المقبلة، في مقدمتها حالة الضعف العام التي تبدو عليها غالبية الأحزاب الإسرائيلية، فهناك مناوشات داخلية واتهامات بالفساد وغياب الكاريزما وتآكل القواعد وضعف التحالفات، وكلها تفرض على القيادات الحزبية التريث في المطالبة بإجراء انتخابات مبكرة، وهناك توافق بين حزبي كاديما والعمل على إصلاح العيوب، فالأول يرى أن على الحكومة مواصلة عملها لتحقيق هذا الهدف، خاصة أن الوصمة الأخلاقية أزيلت عن أولمرت، والثاني يعتقد في ضرورة أن يواصل باراك عملية الإصلاح داخل الجيش بنفسه، الأمر الذي مثل أحد مبررات نكوصه عن تعهده السابق بالاستقالة، ناهيك عن شعور الجميع، المستوى السياسي والعسكري والاجتماعي، بالمسؤولية الكبيرة، وهو ما ظهرت تجلياته بين ثنايا تقرير فينوغراد، بمعنى صعوبة تحميل جهة واحدة أية مسؤولية عن نتائج حرب لبنان الثانية، فالكل تلحقه إدانة بصورة أو أخرى. من جهة ثانية، هناك حزمة من التحديات الإقليمية الدقيقة التي بدأت القوى الإسرائيلية تشعر بخطورتها، فتقرير فينوغراد أكد قدرات حزب الله الكبيرة وتفوقه النوعي، والأوضاع في لبنان عموما قلقة، وحماس نجحت في الإفلات من عملية الحصار التي استهدفتها في غزة وبدأت تعود نسبيا إلى الواجهة السياسية، وسوريا لا تزال تملك أوراقا مهمة للضغط والمناورة، كما ازداد الوضع حيرة أمام إسرائيل بخصوص إيران بعد تقرير الاستخبارات الأمريكية وتسارع الخطوات الإيرانية باتجاه بعض الأوساط العربية، بمعنى أن المعادلات الإقليمية التي بدت إسرائيل مطمئنة إليها دخلت عليها تغيرات هيكلية تفرض عليها الحذر وعدم التعجل للمضي في طريق فض الائتلاف الحكومي الحالي. على هذا الأساس وفر تقرير فينوغراد فرصة مواتية أمام أولمرت للاستمرار على رأس الحكومة، ليس فقط لأنه أعطى له صك براءة وأعفاه من بعض المسؤوليات الجسيمة، لكن لأن توقيته (غير المقصود) جاء وسط أجواء سياسية ملبدة على كافة المستويات تقريبا، ولا توجد التزامات إقليمية ملحة تفرض على الجميع خيار الهروب للأمام عبر سلاح الانتخابات، من هنا رسم التقرير خريطة الحكومة الإسرائيلية باتجاه تعزيزها بدلا من انهيارها.
عادي
“فينوغراد” يرسم خريطة الحكومة “الإسرائيلية”
7 فبراير 2008
01:21 صباحا
قراءة
5
دقائق