ثلاثة صراعات ناعمة اندلعت بين الأحزاب الموريتانية الكبيرة خلال الأسبوعين الماضيين ودارت كلها حول دعم هذه الأحزاب لقيادات ورموز نسائية فيها. وكاد الأمر يغطي على أنباء المطاردات الأمنية لعناصر القاعدة في العاصمة نواكشوط، واتقدت حرارة الهواتف ناقلة الأخبار بين المواطنين، وتحركت الساحة السياسية والاجتماعية في تجييش واضح من كل حزب وراء ليلاه.
الصراع الأول كان على منصب عمدة بلدية تفرغ زينة، أرقى أحياء العاصمة نواكشوط، وأهم بلديات البلاد، والذي كانت تشغله القيادية البارزة في حزب تواصل (التيار الإسلامي) الدكتورة ياي أنضو، التي أطاحها المجلس البلدي في تصويت لطرح الثقة، هو الأول من نوعه في بلديات البلاد بعد الانتخابات الأخيرة. ولم يسكت التيار الإسلامي على الإطاحة بعمدته واتهم زميله في المعارضة حزب تكتل القوى الديمقراطية (بزعامة أحمد ولد داداه)، بالوقوف وراء إقالة ياي أنضو، وهو ما نفاه التكتل في بيان للرأي العام، لكن الإسلاميين لم يستسيغوا خسارة المهر الانتخابي لعمدتهم، فأعلنوا أنهم سيردون على ما وصفوه ب الانقلاب من طرف مستشاري حزب ولد داداه ضد عمدتهم التي عقدوا لها مؤتمرا صحافيا وكالوا لها كل المديح. وفي انتظار عقد المجلس البلدي دورة جديدة لانتخاب عمدة للبلدية الراقية، خاض حزب العهد الوطني للديمقراطية والتنمية (عادل) صراعا مريرا لدعم مرشحته العمدة السابقة للبلدية فاطمة بنت عبد المالك، والتي فازت في النهاية بمنصب العمدة.
وفيما اعتبر مراقبون أن التيار الإسلامي رد الصاع لحزب التكتل، يتخوف البعض من توسع الصراع بين الحزبين المعارضين ليطال عمد بلديات أخرى سيخسرون مناصبهم بمجرد تراجع مستشاري أحد الحزبين عن دعم عمدة الحزب الآخر. والمقلق في القضية كما يرى محللون أن المجالس البلدية مؤلفة في الغالب من كوتات سياسية قادرة على فتح باب اللعب بمنصب العمدة وعدم استقرار هذه المؤسسات التي تعاني من تحديات تنموية هائلة.
إذ لا توجد كتلة سياسية قادرة على تأمين عمدها بعدد مستشاريها ما جعل التحالف بين المكونات السياسية هو وحده ما يضمن استمرار أغلب العمد الحاليين في مناصبهم.
خسارة المعارضة الموريتانية لأول بلدية بعد الانتخابات الماضية، أشار فيها حزب التيار الإسلامي لدور جهة أخرى هي حاكمة مقاطعة تفرغ زينة، وهي أول سيدة تتولى منصبا من هذا النوع في تاريخ البلاد. وقد اتهمها الإسلاميون بالتحمس لقرار اطاحة عمدتهم، التي توصف بالمرأة الرمز في التيار.
ولم يكن ذلك وحده ما يشغل الأحزاب السياسية الموريتانية في خباء النساء، فقد اندلعت حرب تصريحات وملاسنات حادة واتهامات حيث اتهم حزب تكتل القوى الديمقراطية، محمد محمود ولد إبراهيم أخليل وزير العلاقات مع البرلمان بالإساءة للفنانة والشيخة المعلومة بنت الميداح، وهي أول فنانة تدخل مجلس الشيوخ. وأعلن الحزب أن الوزير تفوه ب تصريحات بغيضة وعنصرية في حق الفنانة المعلومة وطبقتها الاجتماعية إيكاون (الفنانين) إثر مشادة كلامية على خلفية اتهام الوزير للمعارضة بالفشل. ورغم أن الوزير بادر لنفي أية إساءة ضد الشيخة المعلومة، فلم تكتف المعارضة الموريتانية بذلك، فعمد نوابها لتنظيم تظاهرة احتجاجية تطالب بإقالة الوزير من مهامه. ولم يقتصر الأمر على المعارضة، بل نزل أنصار المعلومة إلى الشارع للتنديد بالإساءة ل فنانة الشعب اللقب الذي نالته بعد 15 سنة من معارضة نظام ولد الطايع، حيث كانت الوحيدة من الوسط الفني الموريتاني التي أعلنت معارضتها للنظام، وخرجت من الحصار الإعلامي الذي ضربه ولد الطايع عليها أكثر شهرة وأوسع انتشارا. ويؤكد الحزب المعارض، والذي يعد أكبر أحزاب المعارضة في البلاد، وجمهور المعلومة أن الأمر لن يمر بسهولة، وأنهم مستعدون للدفاع عن الفنانة الرمز مهما كلف الأمر.
وثار دخول المعلومة إلى مجلس الشيوخ (البرلمان) ارتياحا واسعا في الأوساط الشعبية الموريتانية، لكن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لبعض القوى التقليدية الاجتماعية التي رأت، بحسب المعلومة، أن ولد داداه جنى على تلك القوى بإدخاله المعلومة إلى مجلس الشيوخ.
ويرى عارفون بالمجتمع الموريتاني أن الصراعات السياسية تحت واجهات نسائية مرشحة للمزيد في ظل المكانة المتنامية للمرأة الموريتانية وحصلت من خلالها على أكثر من 20% في البرلمان والبلديات، وتعهد الرئيس الجديد بمنح المرأة أيضا 20% من المناصب السامية في الدولة. يضاف إلى ذلك حرص كل فصيل سياسي على إظهار تقدميته من خلال دفاعه عن المرأة وحرصه على احتلالها مكانة لائقة. ربما لأنها تمثل 53% من الناخبين.