نتأمل صورة الخط من خلال مشهد شعري رسمه ذو الرمة على الرمل قبل مئات السنين، وهو يملأ عزلته ووحشته الصحراوية بالعبث ببعض الحصى، وقد رسم خطاً في التراب ثم محاه ثم أعاد رسمه ثانية، ولكن هذه المرة كانت الغربان تقع في حوش داره وهو موجوع بلوعة الفراق.. يقول ذو الرمّة:

عشية مالي حيلةٌ غيرَ انني

بلَقْط الحصى والخطِّ في التربِ مولَعُ

أخطُّ وأمحو الخطَّ ثم أعيده

بكَفيَّ والغربان في الدار وُقّعُ

كأنَّ سناناً فارسياً أصابني

على كبدي بل لوعةُ البينِ أوجَعُ

غير أن سيولة الخط لم تتوقف عند مخيلة هذا الشاعر البدوي البارع في تشكيل صورة الرمل كأي رسام يجد في التجريد قوة استثنائية تعينه في التعبير عما يمور في قلبه من لهب الشعر، فالعالم كله خطوط، وإن كانت هذه الخطوط ليست خطوط اللغة أو الأبجدية حيث الحرف يتحول على يد الخطّاط إلى مسافة ومكان وزمن.

خطوط المسافات خارج اللغة وعلى هذه الأرض الصالحة للشعراء اكثر من أي مكان آخر، نجدها في خطوط الطول والعرض التي ابتكرتها شعرية الجغرافي ورفيقه الفلكي اللذين كانت لهما أيضاً شهوة الرسم على الرمل كما فعل ذو الرّمة.

في الأرض أيضاً خطوط الأنهار وخطوط الطيران وخطوط سكة القطار وخطوط الأرصفة وخطوط الدروب الطويلة التي تحمل المهاجرين والمنفيين والعشاق والمطرودين من أوطانهم إلى المجهول.. ثم خطوط البشر الواقفين بانتظام في طوابير طويلة للفوز بربطة خبز إلى العائلة الجائعة في المدن والأوطان الفقيرة، أما اسوأ هذه الخطوط البشرية فهو تلك الطوابير الواقفة أو الزاحفة نحو منصّات الإعدام والقتل المجاني في الحروب والمعارك الخاسرة سلفاً.

أما خطوط الكائن البشري الحي والميت فهي الكتابة الجسدية الأبدية التي نحملها يومياً معنا في ذهابنا وإيابنا.. في نومنا وفي صحونا.. في ضحكنا السريع، وفي بكائنا البطيء.

تأمل جسدك أيها الخطّاط.

وتأمل جسدك ايها الأمي الفطري البسيط الذي لا تعرف القراءة والكتابة.

في باطن يديك خطوط، وثمة خطوط في ظاهر اليد.

خطان حاجبان فوق عينيك وخطان على الشفتين، خط آخر يجري مع زرد ظهرك، وخطوط بل شبكة خطوط كأنها شبكة خطوط الهاتف الأرضي في جسدك كله بدءاً من خطوط الشرايين إلى خطوط الأمعاء وحتى تخطيط القلب.

يداك خطان أيمن وأيسر، وأصابعك عشرة خطوط.. أما خطوط الزمن فهي تلك المرسومة أو الأصح المحفورة على وجهك وعنقك فتبدو كانها رقعة مخطوطة بحبر الحياة وقلم الوقت.

الإنسان مخطوط متحرك.. وهو مكتوب ومنسوخ ومنقول.. غامض وواضح، بسيط ومعقد، سهل وصعب، وقبل ذلك وبعده.. ممحو وذاهب لا محالة إلى خطين متوازيين في مستطيله الأخير تحت التراب.

يوسف أبولوز