تختلف الرؤية حول ضرورة الفن وأهميته في حياتنا وخصوصاً في أوساط المثقفين. تباين هذه الآراء والأفكار حول دور الفن في الحياة الانسانية يأتي من الخلفيات الأيديولوجية والعقائدية، التي ينتمون إليها، فمنهم من يرى ضرورة وجود الفن وارتباطه الحيوي بالواقع الانساني وطبيعة وجوده، مما يسهم في تقدم المجتمعات وتطورها، ومنهم من يصر على أن الواقع أكبر من الفن، وأن الانسان نتيجة لهيمنة التقنيات الحديثة ووسائل التكنولوجيا، سيستغني عن الفن تدريجياً، ليحل الواقع الانساني الجديد محل الفن في الحياة.
في حياتنا العربية لعب الفن دوراً مهماً ومؤثراً، في الحراك الاجتماعي والتطور الثقافي والمعرفي الذي عاشته مجتمعاتنا العربية، وخصوصاً مع موشرات النهضة، التي شهدناها مع بدايات القرن العشرين تمثلت مظاهرها في التطور العلمي والاجتماعي والفكري والاقتصادي، حيث حاولت ثقافتنا مواكبة المتغيرات والتحولات، التي طرأت على المجتمع الانساني بأسره، واستطاع الفن بكل أجناسه وأشكاله، سواء الأدبية أو التشكيلية أو المسرحية أو السينمائية، أن يحقق ذلك التوازن بين الانسان كفرد وبين مجتمعه الذي يشهد حراكاً جمعيّاً مشتركاً، وكذلك بين هذه المجتمعات وغيرها من المجتمعات الانسانية الأخرى.
حافظ الفن على هوية هذه المجتمعات وخصوصية شخصيتها، وربط حاضرها بماضيها، وحدد ملامح وسمات مستقبلها عبر الأجيال المتتالية، التي نجحت في ما توفر لها من تطور في الوسائل والوسائط التقنية الحديثة، من توظيف هذه الفنون في الحراك الذي شهدته هذه المجتمعات، حيث تحول الفن من هواية تقتصر ممارستها على بعض طبقات المجتمع، ليصبح حاجة اجتماعية تلبي متطلبات الانسان الحياتية واليومية.
وبنظرة موضوعية حولنا، نجد ملايين من الناس يقرأون ويكتبون ويرسمون ويسمعون الموسيقا، ويرتادون المسرح والسينما، ليس من أجل المتعة وحسب، بل لأنهم يبحثون في هذه الفنون عن أنفسهم وذواتهم، وللتعبير عن وجودهم الانساني، واكتساب الخبرة والدربة في معرفة الحياة واكتشاف جوانبها وأبعادها العصية على الفهم والإدراك، وسط ما يحيط بهم من علاقات متشابكة ومتناقضة، في واقع متداخل ومأزوم وأيضا من أجل الوصول إلى عالم أكثر عدلاً وجمالاً.