يرث الناس من أصولهم الكثير من الأشياء مثل المال والعقارات إضافة إلى الصفات والخصائص الجسدية وحتى الأمراض، وتتوارث الأجيال الثقافة كذلك بحكم التنشئة والتفكير والبيئة التي يعيشون فيها . ولا شك بأن الميراث يختلف من عصر إلى عصر ومن زمن إلى زمن في ما يتعلق بالمال أو الثقافة ومتغيراتهم، ويمكن أن يتغير بشكل أقل في ما يخص الصفات الجسمانية والمرضية مع اختلاط الأنساب والانفتاح على المجتمعات الأخرى للتزاوج منها .
أما عن الثقافة، فهي تعتبر جزءاً مهماً من الميراث، وتعني الكثير فيه، بل ربما هي أصل تطور الإنسان ونجاحه وما يحظى به من تعليم ومناصب مستقبلاً، على الرغم من عدم التفات الكثير لها أو طغيان مفهوم الميراث المادي على ساحة تفكير الإنسان في هذه الأزمنة، ومع ذلك فإن مفهوم الميراث الثقافي يحتاج إلى أن يتم تعزيزه، بشكل أو بآخر وعبر أكثر من وسيلة وأداة، من منطلق كونه الجزء المهم من الهوية الوطنية الثقافية لكل دولة ولكل جيل .
إضافة إلى كون الميراث الثقافي هو الأصل في نمو الدول وفي قدرتها على الوقوف في محاذاة البلدان المتقدمة، من خلال مفاهيم ومبادئ وقيم، تسهم في صقل الشخصية، وتساعد على بناء إنسان ملتزم قادر على التفكير واثق من ذاته، ويعرف تماماً ماهي الخطوة المقبلة باتجاه الهدف والحياة .
وبما أن الميراث الثقافي يتضمن اللغة المحكية ليست فقط بحروفها، ولكن بأساليب التعبير والألفاظ التي يتداولها الشخص بناء على محفوظاته السابقة، ويجمع المبادئ والقيم التي يتربى عليها الطفل في بيته وبيئته من أساليب التعامل مع الآخرين وطرق التواصل مع الغير بدءاً من التواصل مع الزملاء في المدرسة، وانتهاء إلى كيفية التعامل مع الزوج أو الزوجة في بيت الزوجية، وصولاً إلى العادات والممارسات الأخرى المتبعة في بيته وبيئته ليمارسها تماماً كما كان يفعل والداه أو أجداده، فهو أكبر حجماً وتأثيراً من الميراث المادي، ويعول عليه لأجل مستقبل هادف ومتطور فكرياً وإنسانياً .
وفي جعبة الذاكرة أكثر من نموذج حول تعلق أغلب المثقفين بالكتاب وتثقيف الذات من خلال المكتبات المنزلية التي توارثوها من أجدادهم أو حتى من خلال الجلسات الاجتماعية التي كانت تقام في الصالونات وتدور فيها الحوارات حول أهم القضايا المجتمعية والسياسية والثقافية وغيرها مما يؤثر تأثيراً كبيراً في مفاهيم الطفل، ويزرع في أعماقه التوجهات الفكرية والثقافية التي يتطلع للسير عليها مستقبلاً .
إن الثقافة التي تصل إلى الأجيال الجديدة، حتى لو كانت ثقافة مختلفة عن الأخرى التي عاشها آباؤهم وأجدادهم بحكم التغيرات الزمنية، لا تأتيهم بمعزل عن المجتمع أو عن العادات والممارسات المتداولة فيه وبين أسرهم وبقية الأشخاص المتعاملين معهم، ولا تصل إليهم من الفضاء الخارجي، وإن كانت الوسائل الإعلامية ذات تأثير كبير فيهم، لكن الثقافة الإنسانية والمجتمعية المتداولة بشكل يومي وممارسات طبيعية، هي بدورها ذات تأثير جذري في تشكيل الشخصية ومفاهيمها، وفي الترويج للقيم الثقافية التي تقولب الأجيال الشابة اعتماداً عليها .