ما يجري من حولنا يشبه أحياناً لعبة الكلمات المتقاطعة، تلك اللعبة التي يهواها الكثير من النسوة، والموظفين، والمسافرين، حيث يكون عليهم أن يجدوا الكلمة المطلوبة بعد أن يفسروا الكثير من معاني الكلمات الأخرى، وهكذا يغدو الكثير من الأحداث أقرب إلى تلك اللعبة، حين يتعين على المرء أن يبحث في القاموس البشري عن معنى لما يسقط عليه من أخبار لا يعرف لها تفسيراً، ويصبح عاجزاً عن الإمساك أو الوصول إلى الكلمة السحرية، أو المطلوبة، لفك طلاسم الأسباب الكامنة وراء الأحداث نفسها .
في بغداد، على سبيل المثال، يتم التحضير حالياً لمهرجان مسرحي دولي لفرق من العراق، والوطن العربي، وبعض الدول الأجنبية، وقد أنجز المشروع مجموعة من الشباب المتحمسين للمسرح، وقد وافقت الكثير من الفرق، وخاصة الأجنبية على المشاركة، وذلك انطلاقاً من إيمانها بضرورة الفن، خاصة في ظل الاحتلال، لأن ذلك يعني بحسب تعبير الشاعر الفرنسي بول إيلوار أن المدينة لم تزل حية، وفي الوقت نفسه ما زال السياسيون في العراق غير قادرين بعد أشهر من إجراء الانتخابات على تشكيل حكومة، كأن الأمر يعني اختراع القنبلة الذرية من جديد، وهنا نصبح أمام لعبة الكلمات المتقاطعة التي لا يمكن إيجاد الواحدة منها إلا بإيجاد الأخرى، فكل الأطراف تزعم العمل لأجل الوطن، وهو أمر متروك البت فيه للمحللين السياسيين، لكن الوطن يبدو من نافذة عدم إيجاد حكومة هو آخر المستفيدين من التأخير .
في مكان آخر يأتي الخبر من الصين بتسيّدها البورصة العالمية في عملية تصدير منتجاتها، بينما ما زال الكثير من القرى فيها يفقد المئات من سكانها نتيجة لسقوط الأمطار الغزيرة، وفي الوقت الذي لم تستطع فيه أن تدفع بالثقافة الصينية إلى واجهة الثقافة العالمية، وذلك من أجل إيجاد نوع من التوازن الثقافي العالمي، وهو أمر بات حيوياً أكثر مما نتوقع، في خضم تراجع قدرة الكثير من الثقافات على تحدي مفردات الثقافة الأمريكية، ونمط سلوكها، ما جعل العالم في حالة انقياد أعمى نحو البرغر، من دون تفكير جاد في أن الفول وجبة غنية بالبروتين، وأيضاً لذيذة .
أيضاً، تقوم إسرائيل بترحيل البدو في النقب، في واحدة من أكبر عمليات التهجير والتهويد للأرض، في ظل صمت عالمي مطبق، من دون أن نسمع كلمة أو نصف كلمة من الأنثروبولوجيين في الغرب، الذين طالما أطنبوا في الحديث عن الخصوصيات التاريخية والثقافية، وضرورة حمايتها، ولم نعد نجد مفكرين كباراً يتصدون لقضايا من هذا الطراز، في ظل غياب التصدي الفعلي المطلوب، وهكذا يبدو الفكر متواطئاً، بقصدية أو من غيرها، مع الواقع، ما يجعل المرء يعود مرة أخرى إلى المطالبة بضرورة إعادة النظر في العلاقة التي تحكم الثقافة والحضارة، وهو أمر يصبح راهناً يوما بعد يوم في انحلال مفهوم الحضارة في مقولات وضعية مثل التقدم العلمي، والتكنولوجي، بغض النظر عن المضمون الإنساني الشامل لمفهوم الثقافة والمشتركَين الإنساني والكوني .
Husam_mero@yahoo .com