يعد الفنان الكبير خالد تاجا 1939-2012 أحد أبرز الفنانين السوريين، إذ كرس حياته على امتداد نصف قرن للفن، فعرفته خشبة المسرح، كما عرفته الشاشتان الصغيرة والكبيرة، واحداً من الرواد الأوائل الذين أرسوا دعائم التمثيل محلياً، وعربياً، وعالمياً، منذ السابعة عشرة، من عمره حتى آخر نبض في حياته، إذ تأكد نبأ وفاته النهائي في تمام الساعة الرابعة من يوم الأربعاء4-4-2012- ويالمصادفات الرقم 4 هنا- وهو الذي تزوج بأربع نساء، بعد أن انتشر في الأيام الأخيرة هذا النبأ الأليم، إثر جلطة أصابت كلتا رئتيه، وراح المقربون منه يكذبون الخبر، إلى أن حل النبأ الحقيقي، بعد أيام فحسب من محنته المرضية المفاجئة، ليكون لسان حال من هي مقربة منه في أسرته الفنية هذه المرة لن أكذب الخبر فهو حقيقة مرة .

خالد تاجا، الفنان السوري الكردي، أو تاجا الشامي كما كان يحب أن يسمى هو ابن حي الأكراد الدمشقي، لا فصام بين شريط حياته الزمني، والفن، حيث كلاهما متداخلان، إلى تلك الدرجة العالية من التطابق، وكيف لا وهو الذي كرس عقود عمره لضالة الفن، إلى درجة عالية من الإخلاص، ليسميه الشاعر محمود درويش بأنطوني كوين العرب، ليقول عنه مصطفى الخاني، الفنان المعروف والقريب المقرب منه: بل هو خالد تاجا العرب، كما أن مجلة التايم الأمريكية قد وصفته في العام 2004 بأنه واحد من أفضل خمسين ممثلاً عالمياً مهماً ومؤثراً .

لقد برز تاجا خلال أعمال فنية كثيرة، بعدما دخل عالم التمثيل من بوابة المسرح، وكان باكورتها سينمائياً فيلم سائق الشاحنة الذي كرس اسمه، على نحو واسع لتتالي أعماله الإبداعية ومن بينها على سبيل الذكر لا الحصر غوليمانوف وشبكة العنكبوت وأخوة التراب ويوميات مدير عام والزير سالم وأيام شامية وصلاح الدين الأيوبي والحصرم الشامي، وقد بلغت هذه الأعمال المئة، ليكون أحد صناع المسرح السوري المعاصر، كما هو أحد صناع الدراما السورية ذات الحضور الكبير على الخريطة الفنية عربياً وعالمياً .

وإذا كانت صفات الدمشقي، الحكيم، دمث الأخلاق، تميز شخصية الفنان تاجا، فإنه قد أدى أدواراً متعددة، ومن بينها دور الشخص القبضاي والقائد، والزعيم، بل والمحارب، ناهيك عن جملة من الأدوار الأخرى التي كانت تؤكد بجلاء براعة موهبته الكبيرة، في تقمص شخصيات الأدوار التي لعبها، وهي خصيصة الفنان المبدع الكبير الذي يعيش شخصية الدور المسند إليه، كاسراً بذلك نمطية الشخصية التي لا يستطيع كثيرون التحرر منها البتة .

وإذا كان تاجا فناناً كبيراً، فإنه عرف بتأثره الشديد بما يدور من حوله، إلى درجة وقوعه تحت فورة العاطفة في ردات فعل، إلى درجة اللبس، ربما في أكثر من موقف موثق، بيد أن بارومتر حبه للإنسان، وفق زاوية نظره، ومحيطه، لم يتغير، فهو الذي جسد أدواراً بطولية في أكثر من عمل فني لنصرة القضية الفلسطينية، ناهيك عن تفاعله مع أحداث غزة، بروح عالية، إذ لم يتلكأ طوال حياته في إدانة القاتل، وانحيازه إلى الضحية والدفاع عنها، بروح مجاهد، عملاق، ولعل وقوعه تحت فورة العاطفة تلك، كان نتاج تفاعله واستجابة لهيمنة الصورة الإلكترونية، الأحادية، من حوله، لتظل روحه الإنسانية الباذخة، العمود الفقري لشخصيته الاستثنائية .