وقع شعراء الفصيح منذ النهضة في خطأ عندما نأوا بأنفسهم عن الشعر الشعبي واعتبروه أقل أهمية من غيره، وليس جديراً بالاهتمام، ولا يمكن أن يكون مصدراً للإبداع الحقيقي، فضربوا بينهم وبينه بسور لا يمكن تجاوزه، وضيعوا بذلك فرصة كانت ستقدم لهم معيناً لا ينضب، وجسراً ممهَّداً إلى الجمهور، فالشعر الشعبي يتيح فرصة الاقتراب من المتلقين والتفاعل معهم بطريقة ما زال شعراء الفصيح عاجزين عن أن يصلوا إليها، وتتأتى هذه الجماهيرية المحلية من كثرة العناصر المشتركة التي تربط بين الشاعر الشعبي وبين متلقيه .
ويمكن تحديد أربعة مستويات أساسية تشكل عوامل حاسمة في التفاعل بين الشعر الشعبي والجمهور، أولها اللغة، بمراتبها الثلاثة الكلمة والجملة والأسلوب . يتوجه الشاعر الشعبي إلى جمهور يحيط بمفرداته، ويعرف أصالة معاني كل مفردة، ولا تخفى عليه أساليبها، وهو مؤهل لفك رموزها، بينما لا يستطيع الشعر الفصيح أن يصل إلى تلك الدرجة من التفاعل اللغوي بين الشاعر الشعبي ومستمعيه، لسبب جوهري وهو أن اللغة التي يشكل بها الشاعر الفصيح نصه، ليست هي اللغة التي يستخدمها الشاعر الشعبي، والتي تفتح له الأذهان، فلغة الشعر الفصيح نخبوية، ومتضمنها الثقافي أيضاً نخبوي ويحتاج إلى معرفة وثقافة لتحليل مدلولاته، ولا يمكن مطالبة الشاعر بأن يتخلى عن هذه النخبوية لأنها أحد عناصر تميزه، فهو يتوجه إلى جمهور عربي أوسع من جمهور زميله كاتب الشعر الشعبي، ولا يستطيع إلا أن يخاطبهم بهذه اللغة التي تجمعهم جميعا .
واليوم، وفي عالم نجحت فيه وسائل الإعلام والاتصال الحديثة في تكوين مستوى مشترك من اللغة العربية المحكية يتجاوز العاميات الخاصة بكل منطقة، يبدو الشعراء الشعبيون أكثر تفاعلاً مع هذا المستوى وقدرة على تمثله في قصائدهم، وهذا يقربهم درجة من الشعر الفصيح، مما يتيح لكتاب الفصيح فرصة الاقتباس من الشعراء الشعبيين لصالح نصوصهم، والاستفادة من منجزهم اللغوي بما يقربهم أكثر من جمهورهم، ولا يخل بقواعد الشعر الفصيح .
في المستوى الثاني لتلك العلاقة يستقي الشاعر الشعبي صوره من واقعه، ومن أشياء الحياة اليومية التي يعيشها، فتبدو قريبة لها طراوة الواقع وجدته، ويجد فيها المستمع لذة مصادفة ما يعرفه بعمق وما يشكل جزءاً من حياته، فيكون الالتحام الوجداني والفكري بينه وبين دلالة الصورة أعمق، وتأثيرها فيه أبلغ، وليس شاعر الفصيح عاجزاً عن اجتراح صورة من واقعه الذي يعيشه، وإقامة علاقات تخيلية بين عناصر الوجود من حوله، لكنه لا يجد الآلة اللغوية المناسبة لتقريب تلك الصورة إلى جمهوره، فإذا كان يسمح للشاعر الشعبي باستخدام المفردة على شكلها الذي تنطق به شعبياً - وفيها الملحون والمحرف والدخيل الباقي على أصله - فإن الشاعر الفصيح لا يستطيع ذلك، ولا ينبغي له أن يفعل ذلك إلا في حال الضرورة التي لا تعني العجز وغياب الموهبة، لكنّ وجود ذلك المستوى الذي تحدثنا عنه من اللغة المحكية قد يخفف درجة الانقطاع بين شاعر الفصيح وبين الصورة الواقعية ويجعله قادراً على نقلها بشكل مباشر، ودون ترجمتها إلى مستوى لغوي ثان .
المستوى الثالث في هذا التشابك بين منتج النص الشعبي وجمهوره هو المتضمِّن الثقافي للنص والخلفية التي يبني عليها الشاعر كلامه، فهو يستخدم دلالات معروفة من قبل هذا المتلقي، ويستطيع أن يفك رمزيتها، وأبسط مثال على ذلك استخدام الأمثلة أو الإشارة إلى تقليد أو عادة شعبية أو فن فلكلوري، ولا شك في أن هذا المستوى هو نتيجة للمستويين السابقين، فالمتضمن الثقافي هو خلفية الكلمة والصورة التي يستعملها الشاعر، وإذا اقترب شاعر الفصيح من صور وألفاظ الشاعر الشعبي، فإنه بالضرورة سيقترب من دلالتها الثقافية . يتمثل المستوى الرابع في ارتباط الشعر الشعبي بالغناء وهو عنصر أساس في البنية الثقافية للمجتمع، ومشَكّل رئيس من مشكلات ذهن الفرد، فالتغني بالشعر على الألحان التي تعود عليها هذا الفرد وتشربها عقله من شأنه أن يسرّب إيقاع الشعر وبحوره إلى عقله، ويجعله يختزنها في وجدانه فيسهل عليه بعد ذلك التفاعل معها حتى ولو لم تكن مغناة، كما أنه يقدم للشاعر الشعبي فرصة إبداع إيقاعات جديدة، وتطوير وتفريع إيقاعاته القديمة، وهو ما جعل الشعر الشعبي غزير الألحان مفتوحاً دائماً على التجديد، فمن النادر أن تجد شاعراً شعبياً مبدعاً إلا وتجد لديه طريقة للإيقاع لم يسبق إليها، فربما يكون أملاها عليه موقف ارتجال وهو يشدو بأبياته، أو يستمع إلى مغن يشدو بأبيات غيره، فيوحي إليه تلحين المغنى بإيقاع جديد، وإذا تمكن شعراء الفصيح من إنهاء القطيعة بينهم وبين الغناء، والارتباط به أكثر، فإنهم سيحلون الكثير من مشكلات الإيقاع التي يعاني منها، شعرهم .
يحتاج شاعر الفصيح إلى كسر الجدار الأصم بينه وبين الشعر الشعبي، لكي يتعرف إليه حق المعرفة ويخبر ألفاظه وأساليبه ولحون غنائه، فلا شك في أن ذلك سيمده بخبرة وقدرة على الإبداع لا حصر لها .