تدوين المشاهدات
ولد ضياء الدين أبو محمد عبدالله بن أحمد المالقي في قرية "بن المدينة" في ضواحي "مالقة" الأندلسية في 595 هجرية، 1197 ميلادية، ولقب بابن البيطار نظراً لمهنة والده الذي اشتهر كبيطري بارع، أحب ضياء الدين في طفولته رسم الزهور والنباتات المختلفة التي امتلأت بها الأندلس، وانتبه إليه صديق والده عالم النبات أبو العباس أحمد بن محمد الشهير بابن الرومية والذي ألح على الوالد أن يتعهد الابن بالرعاية، وبعد موافقة الأب، أخذه ابن الرومية إلى غرناطة، حيث ظلا لعدة شهور يزوران حديقة الأمير محمد بن علي التي لم يكن يدخلها إلا العلماء والصيادلة والأطباء ودارسي النباتات، وبقى ابن البيطار فترة في الحديقة يرسم زهورها ونباتاتها ويدون ملاحظاته عنها ويسجل ما يسمعه عن خصائصها حتى جاء الخبر ذات يوم بهجوم الفرنجة على مدينة مالقة، ما اضطره إلى العودة للاطمئنان إلى أسرته، ونتيجة لعدم استقرار المدينة يرحل ابن البيطار إلى المغرب، ليدرس على يد عالمها الشهير ابن الحجاج .
في سبتة المغربية يلتقي ضياء الدين بابن الحجاج الذي يفتح أمامه عالماً آخر في دراسة النبات حيث ينصحه بالسفر إلى بلاد اليونان والرومان وآسيا الصغرى لتحصيل العلم دراسة ومشاهدة من أحفاد العالمين الشهيرين: ديسقوريدس وجالينوس، وظل ابن البيطار عدة سنوات في صحبة ابن الحجاج الذي علمه اللغة اللاتينية حتى أتقنها حديثاً وكتابة، وأعطاه ابن الحجاج رسالة توصية إلى من يعرفهم من علماء هذه البلدان، ومن سبتة يرحل ابن البيطار إلى صقلية والبندقية، ويمضي سبع سنوات في آسيا الصغرى، وعندما يقرر العودة إلى الديار الإسلامية يعرف أن علمه لن يكتمل إلا بزيارة غوطة دمشق، ذلك البستان الضخم الذي يحيط بالمدينة كالسوار .
في تجواله ذلك يمارس ابن البيطار مهنة الصيدلة والبيطرة أيضاً، الأمر الذي أتاح له أن يجمع قدراً من المال يمكنه من استئجار دار فسيحة في جزيرة الروضة عندما يقرر الرحيل إلى مصر، ولم يكد يستقر في القاهرة حتى ألحقه الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب بالعمل في صيدلية "البيمارستان" الناصري، ولم تمر فترة طويلة حتى يوليه ابن أيوب رئاسة العشابين في مصر ويجعله قيماً على صيدلية البيمارستان، ومن مصر ينطلق لزيارة غزة والقدس وبيروت . . . إلخ، مواصلاً مشاهداته، حيث تغلب التجربة على الدراسة وهو المعنى الذي أكده بقوله: "إن اعمال القدماء غير كافية من أجل تقديمها إلى الطلاب، لذلك يجب أن تصحح وتكمّل حتى يستفيدوا منها أكثر ما يمكن" .
درة الكتب
في العام الأخير من حياته ذهب ابن البيطار إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب بكتابه الأشهر "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية"، الذي يتضمن 1400 صنف من الدواء بينها 300 صنف لم يتناولها عالم قبل ابن البيطار، وذكر ابن البيطار اسم كل دواء بالعربية واليونانية والفارسية والإسبانية، وأورد في كل دواء أيضا رأيه وآراء جميع من سبقه، وعددهم 120 عالماً عربياً و20 عالماً غربياً، ورتب ابن البيطار أدويته أبجدياً، مع ذكر موطن كل نبات، وتوسع في الحديث عن ماهيات الأدوية المستخلصة من تلك النباتات وقوامها ومنافعها ومقاديرها وكيفية التداوي بها .
بيّن ابن البيطار في موسوعته الأهداف التي سعى إليها من وراء تأليف ذلك الكتاب، وأسلوبه في البحث والأمانة العلمية في النقل واعتماده على المنهج العلمي كمعيار لصحة الأحكام، يقول في مقدمة الكتاب: "ما صح عندي بالمشاهدة والنظر، وثبت لدي بالمخبر لا الخبر أخذت به، وما كان مخالفاً في المشاهدة الحسية والماهية للصواب نبذته ولم أعمل به"، ويقول أيضاً عن محتويات كتابه: "استوعبت فيه جميع ما في الخمس مقالات التي كتبها ديسقوريدس، وكذا فعلت بجميع ما أورده جالينوس في الست مقالات من مفرداته، ثم ألحقت بقولهما من أقوال المحدثين وفي الأدوية النباتية والحيوانية والمعدنية ما لم يذكراه، ووضعت فيه عن ثقات المحدثين وعلماء النبات ما لم يصفاه، وأسندت جميع تلك الأقوال إلى قائلها، ولم أثبت إلا ما تأكد لدي بالتجربة، ولم أحاب في ذلك قديماً لسبقه ولا محدثاً لم أثق بصدقه" .
ولابن البيطار عدة كتب أخرى لعل أبرزها: "المغني في الأدوية المفردة"، ويتناول فيه أثر الدواء في كل عضو من أعضاء الجسد مثل الأذن والعين والمعدة، وتوجد من الكتاب العديد من النسخ المخطوطة، وهناك كتاب بعنوان "الإبانة والإعلام بما في المنهج من الخلل والأوهام"، وتفسير كتاب ديسقوريدس في الأدوية المفردة" وهو قاموس بالعربية والأمازيغية والسريانية واليونانية"، و" ميزان الطبيب"، ورسالة في التداوي بالسموم .
ولم يستطع ابن البيطار أن يمضي كثيراً بعيداً عن الحدائق والمروج، فيستأذن من الملك الصالح نجم الدين أيوب ليرحل إلى الشام حتى يكون بالقرب من غوطتها، وهناك يموت وهو يقوم بأبحاثه وتجاربه على النباتات، حيث تسرب إليه السم أثناء اختباره لنبتة حاول صنع الدواء منها .
تقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة عن ابن البيطار: "كان أعظم عباقرة العرب في علم النبات، اعتمد في كتابه الجامع على أكثر من 150 مؤلفاً من أعمال من سبقه من العلماء"، ويقول عنه تلميذه ابن أبي أصيبعة صاحب كتاب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء": "كان ابن البيطار أوحد زمانه، وعلاّمة وقته في معرفة النبات، سافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم، ولقي جماعة يعرفون هذا الفن، وأخذ عنهم، واجتمع في المغرب وغيره بالكثير من الفضلاء وأتقن كتاب ديسقوريدس إتقاناً بلغ فيه أنه لا يكاد يوجد من يجاريه في هذا الكتاب، ووجدت عنده من الفطنة والذكاء والدراية في النبات ما يتعجب منه" .
وترجم المستشرق االفرنسي لكيلرك كتاب "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" في العقد الثامن من القرن التاسع عشر، وفي العقد التالي له ترجم المستشرق النمساوي الكتاب تحت عنوان "مفردات ابن البيطار" .
تتحدث سيرة ابن البيطار بنفسها عن جملة من الملاحظات لم يذكرها مباشرة كل من أرخ لهذا العالم، منها ضرورة أن يكون على معرفة تامة بفنون الطب والتشريح حتى يستطيع أن يعالج أمراض الجسد، ومنها مرة ثانية ضرورة الإلمام الكامل بعلوم الكيمياء تلك التي أسس لها ابن حيان وغيره عربياً، فضلاً عن تلك الحزمة العديدة من اللغات التي كان عالمنا على معرفة واسعة بها كتابة وقراءة وحديثاً، وكذلك تؤشر معلومات كتابه الجامع إلى ازدهار علم النبات في الحضارة العربية الإسلامية، فلا يمكن أن يستند إلى 120 عالماً عربياً في كتابه من دون انتشار واسع لهذا العلم آنذاك والذي وجد اهتماماً واسعاً في الديار الإسلامية وترجمة عملية له في تلك الصيدليات الملحقة بالبيمارستانات المختلفة، وحيث يصف العامل في الصيدلية آنذاك بالشخص الذي يرتدي ثياباً بيضاء وعلى خبرة كبيرة بالأعشاب والأدوية المستخرجة منها، فضلاً عن العطور والمعاجين المختلفة .