إعداد: محمد إسماعيل زاهر

«إني لما رأيت أكثر أهل زماننا هذا عن سبيل الأدب ناكبين، ومن اسمه متطيرين، ولأهله كارهين، أما الناشىء منهم فراغب عن التعليم، والشادي تارك للازدياد، والمتأدب في عنفوان الشباب ناس أو متناس. فالعلماء مغمورون وبكرَّة الجهل مقموعون، حين خوى نجم الخير، وكسدت سوق البر، وبارت بضائع أهله، وصار العلم عاراً على صاحبه، والفضل نقصاً... وأني رأيت كثيراً من كتاب أهل زماننا كسائر أهله قد استطابوا الدعة، وأعفوا أنفسهم من كد النظر وتعب التفكير، حين نالوا الدرك بغير سبب، وبلغوا الغاية بغير آلة»، هذه كانت أبرز الأسباب التي دفعت ابن قتيبة، 213-276ه، ليؤلف كتابه الأشهر «أدب الكاتب».

يذكر ابن قتيبة في مقدمة الكتاب أنه صنفه للوزير أبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، الذي استوزره المتوكل لله، ومن بعده المستعين بالله، ولذلك يعدد ابن قتيبة نماذج وحالات يتوجه إليها بالنقد الشديد وتنتمي لطبقة الكتاب الرسميين وكانوا آنذاك فئة متميزة في دوائر الحكم، ومن هنا نفهم «حين نالوا الدرك بغير سبب»، وهو ما يفصله بالقول لاحقاً: «وأيُّ موقفٍ أخْزَى لصاحبه من موقف رجلٍ من الكتَّاب اصطفاه بعض الخلفاء لنفسه وارتضاه لسرّه، فقرأ عليه يوماً كتاباً وفي الكتاب» ومُطرْنا مطراً كثُر عنه الكلأ «فقال له الخليفة ممتحناً له: وما الكلأ؟ فتردَّد في الجواب وتعثّر لسانه، ثم قال: لا أدري، فقال: سَلْ عنه؛ ومن مقام آخر في مثل حاله قرأ على بعض الخلفاء كتاباً ذكر فيه» حاضرُ طيِّء «فصحَّفه تصحيفاً أضحك منه الحاضرين»، وبرغم ما يبدو من أسباب خاصة ارتبطت بتأليف الكتاب إلا أن ما قاله الرجل يصلح لأزمان أخرى لاحقة، ومن ضمنها زمننا هذا، والغريب والذي يدعو إلى البحث أن هذا الكلام قيل في القرن الثالث الهجري و موجه لكتبه خلفاء جاءوا مباشرة في أعقاب الرشيد والمأمون والمعتصم والواثق، أي لا تفصلهم إلا سنوات قليلة جداً عن بلاط ضم جلسات شهدت نقاشات أدبية ومجادلات كلامية تتحدث عنها الدراسات والمصادر بوصفها أكثر المناطق إضاءة في تراثنا العربي الإسلامي.
ولد أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري في الكوفة ولذلك يلقب بالكوفي أحياناً، وتذكر مصادر أخرى انه ولد في بغداد، أما نسبته فتعود إلى مدينة دينور الذي ولاه القضاء فيها عبيد الله بن يحيى بن خاقان، تلقى علومه في بغداد، فدرس على علمائها من رجال الحديث والفقه وعلوم القرآن والأدب، من أمثال الجاحظ والسجستاني، ونتيجة لتأثره بالأول ألف العديد من كتب الأدب واللغة حتى سماه ابن خلكان في «وفيات الأعيان»: «الإمام النحوي اللغوي»، كما أنه لم يفلت من أثر السجستاني فكان عالما في مشكل القرآن ومعانيه، وصنف في علوم الحديث والفقه والتاريخ، وأثر بدوره في العديد من الطلاب والدارسين.
كتب ابن قتيبة أكثر من ثلاثين مؤلفاً وفق ابن النديم، وصلنا منها الكثير، ومن أبرزها: «أدب الكتاب»، «عيون الأخبار»، «المعارف»، «تأويل مشكل القرآن»، «طبقات الشعراء»، «اختلاف مشكل الحديث»، «مشكل القرآن»، «غريب القرآن»، «الشعر والشعراء» وغيرها، والملاحظ أن الكثير من كتبه طبعت في مطابع غربية وبصفة عامة ألمانية، فكتاب «المعارف» طبع في عام 1850 في غوتنغن الألمانية، و كتاب «أدب الكاتب» طبع في عام 1901 في لايدن بإشراف المستشرق ماكس كروفت مع ملاحظات على الكتاب باللغة الألمانية.
ينقسم «أدب الكاتب» إلى مقدمة وأربعة كتب هي: كتاب المعرفة، كتاب تقويم اليد، كتاب اللسان، وكتاب الأبنية، وتتناول في الثلاثة الأولى اشتقاق المعرب من الكلمات وإملاءها وتصريفها، واختلاف حركاتها عند التثنية والجمع، وكذلك الإعراب، وخصص جزءا من الكتاب الأول للخيل ومميزاتها وعيوبها، ويتضمن الكتاب بصورة عامة معلومات لغوية مثل أحكام الألف، والهمزة، والعدد، والتذكير، والتأنيث، والمد، والقصر، والأفعال من حيث معانيها وأوزانها، ومواضعها، وأبنية الأسماء وأوزانها ومعانيها، وشواذها. ويهدف في الكتابين الأولين من «أدب الكاتب» مساعدة الكتاب على ما يمكنهم من التعبير الصحيح والأسلوب القويم بلغة فصيحة سواء في الكلام أو الكتابة، ويدل الكتاب في مجموعه على سعة اطلاع ابن قتيبة وتبحره في علوم اللغة، حتى أعتبر بعض النقاد هذا الكتاب أحد أركان الأدب الأربعة.

تجوال في المعرفة

أما كتاب «عيون الأخبار» فضمنه ابن قتيبة الكثير من المعلومات وتجول فيه بين العديد من العلوم، ربما بهدف التعليم أو الإمتاع أو التثقيف، يقول في مقدمة الكتاب: «إنّ هذا الكتاب، وإن لم يكن في القرآن والسّنّة وشرائع الدين وعلم الحلال والحرام، دال على معالي الأمور مرشد لكريم الأخلاق زاجر عن الدناءة، ناه عن القبيح، باعث على صواب التدبير وحسن التقدير ورفق السياسة وعمارة الأرض وليس الطريق إلى الله واحدا ولا كل الخير مجتمعا في تهجّد الليل وسرد الصيام وعلم الحلال والحرام، بل الطرق إليه كثيرة وأبواب الخير واسعة وصلاح الدين بصلاح الزمان، وصلاح الزمان بصلاح السلطان، وصلاح السلطان بعد توفيق الله بالإرشاد وحسن التبصير، وهذه عيون الأخبار نظمتها لمغفل التأدب تبصرة ولأهل العلم تذكرة ولسائس الناس ومسوسهم مؤدّبا، وصنّفتها أبوابا وقرنت الباب بشكله والخبر بمثله والكلمة بأختها ليسهل على المتعلم علمها وعلى الدارس حفظها وعلى الناشد طلبها، وهي لقاح عقول العلماء ونتاج أفكار الحكماء وزبدة المخض وحلية الأدب وأثمار طول النظر والمتخيّر من كلام البلغاء وفطن الشعراء وسير الملوك وآثار السلف. جمعت لك منها ما جمعت في هذا الكتاب لتأخذ نفسك بأحسنها وتقوّمها وتخلّصها من مساوىء الأخلاق كما تخلص الفضة البيضاء من خبثها، وتروضها على الأخذ بما فيها من سنة حسنة وسيرة قويمة وأدب كريم وخلق عظيم، وتصل بها كلامك إذا حاورت وبلاغتك إذا كتبت، وتستنجح بها حاجتك إذا سألت، وتتلطف في القول إن شفعت، وتخرج من اللوم بأحسن العذر إذا اعتذرت فإنّ الكلام مصايد القلوب والسحر الحلال، وتستعمل آدابها في صحبة سلطانك وتسديد ولايته ورفق سياسته وتدبير حروبه، وتعمر بها مجلسك إذا جددت وأهزلت وتوضح بأمثالها حججك وتبذّ باعتبارها خصمك حتى يظهر الحقّ في أحسن صورة وتبلغ الإرادة بأخف مؤونة».
وبخلاف النزوع الأدبي الواضح على الكتاب نجد ابن قتيبة يتحدث أحياناً في موضوعات علمية، فعن أهمية الهواء وضرورته لحياة الإنسان يقول: «والإنسان يعيش حيث تحيا النار ويتلف حيث لا تبقى النار، وأصحاب المعادن والحفائر إذا هجموا على نفق في بطن الأرض، أو مغارة، قدموا شمعة في طرف قناة، فإن ثبتت النار وعاشت دخلوا في طلب ما يريدون، وإلا أمسكوا»، وكل زهر ونبات ينحرف تجاه الشمس، ويوصف ابن قتيبة هذه الحالة بتعبير آسر إذ يقول: «هو يضاحك الشمس»، ولا يخلو كتابه من المفاضلات بين الأطعمة والحيوانات...الخ، شارحاً كل ذلك عبر حكايات هدف منها التأثير في القراء، يقول: «أدخل أعرابيّ على كسرى ليتعجّب من جفائه وجهله؛ فقال له: أيّ شيء أطيب لحما؟ قال: الجمل. قال: فأيّ شيء أبعد صوتا؟ قال: الجمل
قال: فأيّ شيء أنهض بالحمل الثقيل؟، قال: الجمل. قال كسرى: كيف يكون لحم الجمل أطيب من البطّ والدّجاج والفراخ والدّرّاج والجداء؟، قال يطبخ لحم الجمل بماء وملح، ويطبخ ما ذكرت بماء وملح حتى يعرف فضل ما بين الطعمين، قال كسرى: كيف يكون الجمل أبعد صوتاً ونحن نسمع الصوت من الكركيّ من كذا وكذا ميلا؟، قال الأعرابيّ: ضع الكركيّ في مكان الجمل وضع الجمل في مكان الكركيّ حتّى تعرف أيّهما أبعد صوتا، قال كسرى: كيف تزعم أنّ الجمل أحمل للحمل الثقيل والفيل يحمل كذا وكذا رطلا؟، قال: ليبرك الفيل ويبرك الجمل وليحمل على الفيل حمل الجمل، فإن نهض به فهو أحمل للأثقال».
كتب ابن قتيبة أيضا «المعارف»، وهو موسوعة في التاريخ العربي منذ ظهور الإسلام حتى أواخر أيام الخليفة المستعين بالله، وتضمن معلومات تاريخية غزيرة ذكرها المؤلف بشكل مختصر مفيد واهتم كذلك بالأنساب، يقول في مقدمة كتابه:«هذا كتاب جمعت فيه من المعارف ما يحق على من أنعم عليه بشرف المنزلة، وأخرج بالتأدّب عن طبقة الحشوة، وفضّل بالعلم والبيان على العامة، أن يأخذ نفسه بتعلمه، ويروضها على تحفّظه إذ كان لا يستغنى عنه في مجالس الملوك إن جالسهم، ومحافل الأشراف إن عاشرهم، وحلق أهل العلم إن ذاكرهم فإنه قلّ مجلس عقد على خبرة، أو أسس لرشد، أو سلك فيه سبيل المروءة، إلا وقد يجرى فيه سبب من أسباب المعارف: إمّا في ذكر نبيّ، أو ذكر ملك أو عالم، أو نسب أو سلف أو زمان، أو يوم من أيام العرب فيحتاج من حضر إلى أن يعرف عين القصة، ومحل القبيلة، وزمان الملك، وحال الرّجل المذكور، وسبب المثل المشهور، فإنّي رأيت كثيراً من الأشراف من يجهل نسبه، ومن ذوي الأحساب من لم يعرف سلفه، ومن قريش من لا يعلم من أين تمسّه القربى من رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أو الرّحم بالأعلام من صحابته، ورأيت من أبناء ملوك العجم من لا يعرف حال أبيه وزمانه، ورأيت من ينتمي إلى الفصيلة وهو لا يدري من أي العمائر هي، وإلى البطن وهو لا يدري من أي القبائل هو ورأيت من رغب بنفسه عن نسب دقّ فانتمى إلى رجل لم يعقب، كرجل رأيته ينتمي إلى أبي ذرّ الغفاريّ، ولا عقب لأبي ذرّ وآخر ينتمي إلى حسّان بن ثابت، وقد انقرض عقب حسّان».
وفي «المعارف» أيضاً أديان العرب في الجاهلية والفرق الإسلامية وقصص عن الطواعين والمجذومين والبرصان والعرجان الأمر الذي يذكرنا بالجاحظ، وغيرها من موضوعات خلابة، والأهم من ذلك تلك المصادر المتنوعة التي اعتمد عليها ابن قتيبة ومنهم مشاهير الرواة والإخباريين مثل: الشعبي وعامر بن شرحبيل الحميري ووهب بن منبه والكلبي ومحمد بن إسحاق.. الخ.
يشعر القارىء بأنه أمام كاتب يهدف إلى تعليم من يطالع كتبه، وإلى حفظ العلوم التي يعرفها وتعبر عن مناخ عصره والذي أعقبته عصور طويلة من التقهقر والتراجع.