حققت العمارة الإسلامية وظائف مرتبطة بحياة الناس وظروف عيشهم إلى جانب الوظائف الجمالية والفنية التي تمتعت بها، فالغرض الأساس من العمارة، هو تحقيق السكينة والثقة لمن يشغلها، سواء كانت عامة أو خاصة، والأصل هو الإنسان وحاجاته وطموحاته.
ويظهر هذا بالنظر إلى عدد من أشكال فنون العمارة التي عرفتها المجتمعات العربية الإسلامية، فالباحث في عدد من سمات الشكل البنائي للبيت الإسلامي يجد تكويناً لافتاً، يؤكد العلاقة التي نسجها المعمار الإسلامي مع الطبيعة، فمثلاً عرف البناء الإسلامي ما يطلق عليه «الملاقف»، وهي تقنية معمارية لتنظيم واستغلال الهواء الخارجي.
يقول د. عفيف البهنسي في كتابه «فنون العمارة الإسلامية وخصائصها»: «يتجلى المقياس الإنساني في العمارة الإسلامية في تحقيق التوازن المُناخي، أو ما يسمى التكييف، ليس عن طريق إضافة أجهزة، بل عن طريق التكوين المعماري».
ويعتبر استخدام الملاقف لتهوية و تبريد المنازل اختراعاً فرضته حاجة المعماريين لتكييف الأبنية، وتخفيف تأثير الطبيعة القاسية الحارة في المناطق العربية الإسلامية في ساكنيها، ولا يعرف تاريخ محدد أو أول من عمل بها، لكن وما إن بزغ العصر العباسي، حتى انتشرت هذه الطريقة في البناء بشكل كبير، فكانت جميع المستشفيات مزودة بالملاقف الهوائية، وكذلك أغلب البيوت.
والملقف هو حل طبيعي لمشكلة المناخ في البيئات الحارة، ومبدأ عمله هو سحب الهواء البارد من الطبقات العليا للهواء إلى داخل المبنى مباشرة، أو عبر مسارات أسفل الأرض ليحدث تبادل حراري، و يفقد الهواء حرارته مع حرارة التربة الباردة نسبياً.
وغالبا ما يكون في شكل برج له منافذ هوائية تعلو واجهات المبنى لسحب الهواء البارد إلى الأسفل ليدخل الحجرات الداخلية في المنزل. فحركة الهواء الخارجية بقمتها يخلق فرق ضغط يساعد أكثر على سحب الهواء من الداخل، وبالتالي فإن وجودها مع «المشربية» يضمنان التجديد المستمر لهواء الحجرات. وغالباً ما يوجه الملقف باتجاه الرياح السائدة.
وبالرغم من اختلافها في الشكل والتصميم والارتفاع، إلا أن الهدف الأساسي منها ظل ثابتاً، فبعض الملاقف الهوائية كانت تزود بشبك من السلك الناعم، أو الخشن لتنقية الهواء من الأتربة والشوائب الأخرى كالحشرات، وبعضها الآخر كان يُزود أيضاً بكميات من الفحم الذي يساعد على امتصاص الروائح الكريهة من الهواء.
أما في المناطق التي تتميز بالمناخ الحار والجاف، فإن الفرصة تكون سانحة للاستفادة من عملية تبخير الماء في خفض درجة حرارة الهواء المنساب عبر الممر الهوائي، ويتم في هذه الحالة وضع جرة فخارية مملوءة بالماء في الممر الهوائي، وعندما يمر الهواء الجاف ويلامس سطح الجرة يتبخر الماء وتنخفض درجة حرارة الهواء، و ترتفع نسبة الرطوبة، وهذا ما يساعد في تلطيف مناخ الفراغ الداخلي، كما أن الملقف الهوائي يعمل على تقليل الإزعاج و الضوضاء من الخارج.
ويعتمد حجم الملقف على درجة حرارة الهواء في الخارج، فإذا كانت درجة الحرارة عند مدخل الملقف متدنية، وجب أن تكون مساحة مقطعه الأفقي كبيرة، أما إذا كانت درجة الحرارة أعلى من الحد الطبيعي، فيصبح لزاماً أن تكون مساحة مقطعه الأفقي صغيرة، شرط أن يتم تبريد الهواء الداخل من خلاله، وذلك عن طريق استخدام حصر مبللة أو ألواح رطبة من الفحم النباتي توضع بين صفيحتين من الشبك المعدني، كما يمكن توجيه الهواء المتدفق فوق عنصر مائي كالسلسبيل أو النافورة لزيادة درجة رطوبته.
وقد تطور الملقف ذو الاتجاه الواحد ليحل محله «البادجير»، وهو عبارة عن ملقف يفتح في أربعة اتجاهات ويمكن التحكم فيها ليدخل الهواء من أي اتجاه. وشاع استخدامه في منطقة الخليج العربي كالإمارات والبحرين.