يعد مسجد وضريح «سيدي أبي مدين» أحد أهم الرموز التاريخية في مدينة تلمسان، ويعود ذلك إلى نسبته إلى العلامة الشهير الشيخ سيدي شعيب بن حسين الأندلسي الملقب بأبي مدين التلمساني ( 1126- 1198)، أحد أقطاب المشايخ الصوفية، ولد في إشبيلية ودرس وتفقه فيها، ثم انتقل إلى فاس حيث واصل الدراسة، ثم مالت نفسه إلى الزهد فانخلع عن الدنيا وبدأ حياة طويلة من الحج والعبادة، حتى توفي في قرية العباد، وهناك أقام له أبو الحسن المريني مسجداً وضريحاً، وبقي ضريح أبو مدين من أعظم مزارات المغرب حيث لا تنقطع الزيارة عليه أبداً.
ويقع مسجد وضريح سيدي أبي مدين في حي العباد أحد الأحياء المغربية العريقة، والضريح عمل معماري بديع رغم صغر حجمه، يدخله الزائر من بوابة أندلسية الطراز تُظلها شمسية مغطاة بالقرميد، ثم يليه السلالم المزينة بالزليج المؤدية إلى قبر الشيخ أبي مدين المدعو محلياً «سيدي بومدين» وفي داخل الضريح غرفة مربعة يعلوها سقف ملوّن جميل، هرمي الشكل في الخارج، يدخل الضوء إلى هذه الغرفة من أربع نوافذ صغيرة تضيء قبري الشيخين أبي مدين شعيب على اليمين والفقيه ابن عبد السلام التونسي المتوفى بالعباد على اليسار.
وحول الضريح بنى المرينيون مجمّعاً معمارياً تكريماً لشعيب أبي مدين تضم هذه المجموعة الهندسية مسجداً ومدرسة وحمامات، أما المسجد فيعد من أهم منجزات الفن المغربي الأندلسي بالجزائر وشيد وفقاً للنمط الأندلسي المريني، وهو صغير الحجم نسبياً له باب فخم من أبدع ما أخرجه الفن العربي الأندلسي، وبه نقوش غاية في الجمال، وتحت قوس الباب مدرج به إحدى عشرة درجة توصل إلى باب فخم من خشب الساج محلى بصفائح منقوشة نقشاً بديعاً من النحاس الخالص ومساحة المسجد 30 متراً في 18متراً، وصحن المسجد صغير أنيق تزينه نافورة في وسطه، ويعتبر هذا الصحن رغم صغر حجمه من أجمل صحون المساجد في المغرب، ونفس البوائك المغربية الطراز التي تحيط بالصحن تمتد في بيت الصلاة الذي يبلغ طوله 10 أمتار وعرضه 11 متراً، وفيه جملة من أساطين المرمر البديعة تحمل على رؤوسها نقوشاً خلابة، إضافة إلى وجود عقود مستديرة تعتمد على دعامات مربعة من الحجر، مزينة بزخارف جصية، ورغم بساطة هذه العقود فإنها تضفي جمالاً كبيراً ببياض لونها وانتظام هيئتها.
وفي نهاية بيت الصلاة يظهر للعيان محراب هو عبارة عن غرفة صغيرة يغطيها القوس الذي يمكن من الولوج وهو منقول من طراز محراب قرطبة الجامع، وفوق بلاطة المحراب يرتفع سقف محدب يحل محل القبة، وتعتبر مئذنة الجامع التي بناها أبو الحسن 1339 من أجمل المآذن المغربية ذات الطراز الأندلسي في المغرب الأوسط، وتقع المئذنة في الزاوية الشمالية الشرقية للمسجد، وهي مبنية من الآجر ومكسوة بالزليج، وهي ذات أبعاد شبيهة بمئذنة الكتبية، وجذرها مربع الزوايا ومتوج بشرفات مسننة، وهو مزين بلوحات مستطيلة تضم في الأسفل عقوداً متعددة الفصوص، وفي الأعلى شبكة من المعينات الناتجة عن تداخل عقود منحنية.
مدونة الفنون الإسلامية
مسجد «سيدي أبي مدين».. درة تلمسان
9 يوليو 2016 03:23 صباحًا
|
آخر تحديث:
9 يوليو 03:37 2016
شارك
الشارقة: غيث خوري