كمال بالهادي

كتبنا في مقالاتنا الماضية عن التحديات الجيوستراتيجية التي تواجه مصر، شرقاً وغرباً وجنوباً، حيث يبدو اللاعبون في المنطقة أو وكلاؤهم، قد وجهوا بوصلتهم نحو استهداف مصر، وقلنا أيضاً إن الصبر المصري على التحديات الخطرة لا يمكن أن يطول، وإن الدبلوماسية الهادئة ستعقبها الردود الحازمة.
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وفي الكلمة التي ألقاها أمام وحدات الجيش المتمركزة في الغرب على الحدود مع ليبيا، أكد ما قلناه سابقاً. فمصر لا يمكن أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام المخاطر المحدقة بها، وخيار السلام لا ينقض خيار الحرب لفرض السلام. السيسي قال: «الجيش المصري من أقوى جيوش المنطقة، ولكنه جيش رشيد، يحمي ولا يهدد، يؤمن ولا يعتدي. تلك هي عقيدتنا وثوابتنا التي لا تتغير، كونوا مستعدين لتنفيذ أي مهمة داخل حدودنا، وكذا إذا تطلب الأمر خارج حدودنا».
العقلانية السياسية المصرية، وسط التهافت الدبلوماسي الإقليمي، ووسط الفوضى التدميرية التي تجتاح المنطقة، أدت إلى تأييد مطلق للخطوات المصرية سواء من الدول العربية، أو من قوى إقليمية متوسطية أو دولية، فلا أحد يمكنه التشكيك في شرعية أي تحرك مستقبلي مصري، خاصة أن مصر تحرك آلياتها الدبلوماسية، قبل أي تتحرك على الأرض؛ لأنها دولة اختبرت الحروب وويلاتها واختبرت طويلاً طرق المفاوضات الشاقة من أجل السلام.
حزمة الحجج التي قدمها الرئيس المصري، تؤكد أنه درس جيداً، الأبعاد القانونية الدولية في حال ما لو دخلت مصر الحرب في ليبيا.
فهناك أكثر من مؤيد ومسوِّغ شرعي، يجعل هذا التدخل سليماً قانونياً. مصر ستتحرك بطلب من مجلس النواب الليبي، وهو السلطة الشرعية الوحيدة الآن في ليبيا، على الرغم من الاعتراف الدولي بحكومة فائز السراج التي لم تتقدم لمجلس النواب لنيل ثقته، بحسب ما تنص عليه اتفاقية الصخيرات. كما أن الجيش المصري سيتدخل وفقاً لطلب مجلس العشائر وهو التمثيلية الأوسع شعبياً في ليبيا، ولا معنى لأي حكومة الآن لا تستمد شرعيتها من مجلس القبائل الليبية.
ثم إن القاهرة عرضت وقفاً لإطلاق النار، منذ أيام، ولكن حكومة السراج وتوابعها بضغط تركي واضح، رفضت المبادرة، في حين طلبت تدخل تركيا وهي لا تمتلك تفويضاً قانونياً لتوقيع اتفاقيات دولية، وتسببت في جعل ليبيا بؤرة خطرة للإرهاب الدولي.
مصر لا يمكن أن تقدم على مثل خطوة كهذه، إلا بعد محادثات مع شركائها المتوسطيين، ومع القوى الدولية وعلى رأسها أمريكا وروسيا والصين، وهي كلها لن تعترض على أي تحرك مصري لطرد الإرهاب من ليبيا.
فمصر قوة إقليمية معتدلة على مدار العقود الماضية، وعليه فإن الطرف التركي المتدخل في ليبيا والذي يناصب العداء لمصر، ويستهدف أمنها بصورة مباشرة، وضع نفسه في مأزق حقيقي؛ لأنه في حالة اشتباك على جميع المستويات مع القاهرة التي ظلت مستعصية على كل أعدائها.
صحيح أن تركيا هي عضو في حلف «الناتو»، ولكنّها حليف مغضوب عليه؛ لأنها اشتبكت مع عدد من أعضاء «الناتو» ولا نعتقد أن الحلف سيكون إلى جانب تركيا. ثم إن الجيش المصري خاض حروباً قاسية على الأقل ثلاث مرات في النصف الثاني من القرن العشرين، إضافة إلى أن ليبيا هي امتداد جغرافي لمصر، بينما تشكل تركيا حالة احتلال وافدة، لا يمكنها أن تجيّر الجغرافيا لصالحها.
والأهم في نظرنا هو أن مصر وليبيا وكل العرب هم شعب عربي واحد، كان موحداً فمزقت أوصاله الإمبراطورية العثمانية واتفاقيات «سايكس بيكو» التي لم تستطع الإمبراطورية العثمانية التصدي لها؛ بل باعت العرب لمستعمريهم الجدد في ذلك الوقت.
العرب اليوم هم في أتعس مراحل تاريخهم لكن تبقى مصر، هي قبلتهم، وهي التي تمتلك خير أجناد الأرض. وعلى مصر أن تتحرك بسرعة؛ لأن اتساع بؤرة الإرهاب التي خلقتها تركيا في ليبيا، سيضر كامل الجزء العربي في شمال إفريقيا، ونحن على يقين من أن الجيش المصري قادر على تحقيق النصر.

[email protected]