عادي

«كورونا» يغيّب مهناً وتخصصات ويستحدث أخرى

علم الأوبئة وأمن المعلومات والذكاء الاصطناعي.. مفاتيح نهضة ما بعد الجائحة
04:47 صباحا
قراءة 7 دقائق
تحقيق: ميرفت الخطيب

أجمع أكاديميون على أن جائحة كورونا والبقاء في المنزل، أفرزت وستفرز مهن جديدة وستعزز مهن أخرى، وفي المقابل ستلغي الكثير من المهن، كما أكدوا النمو في التطور التقني الذي فرضته الجائحة أيضاً، ما سيكون له تأثير كبير في المستقبل القريب، ودعوا في الوقت نفسه الجميع إلى مواكبة هذه المستحدثات التي ستشمل الصغير والكبير كما تشمل كافة مناحي الحياة، وامتلاك مفاتيح النهضة التقنية وفي ظل التحول الرقمي السريع والثورة الصناعية الرابعة والتواصل الافتراضي وغيره، التي ستشكل مفصلاً في العالم كله.

عيسى البستكي رئيس جامعة دبي، متفائلاً بالمستقبل القادم، يشير إلى أن جائحة كورونا فتحت أبواباً عدة في كل الاتجاهات، فهي فتحت أبواب الأزمات فاجتهدنا لإغلاقها وفتحت أبواب الفرص ولم يغلقها البعض وأغلقها آخرون. مشيراً إلى أن دولة الإمارات في مساعيها الخيّرة والإنسانية اجتهدت لتغلق أبواب الأزمات داخل الدولة وخارجها لتحمي الإنسان قبل الاقتصاد، وكذلك سعت بقيادتها وشعبها لتفتح أبواب الفرص بدفتيها ولا تغلقها، بل تقوم على توسيعها ليستفيد منها الشعب، حيث بدأت إجراءات احترازية وصارمة لحماية القاطنين على هذه الأرض الطيبة، أما أبواب الفرص فكانت مُسَرِعات التوجه إلى المستقبل لاستدامة الاقتصاد وتسريع المسيرة التنموية، إن كورونا سرَّعت في تطبيق التكنولوجيا في كل مجالات الحياة، فاستمرت النشاطات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتعليمية في عملياتها عن بُعد دون أي عائق أو حاجز. والجميل - يضيف البستكي - في هذه الأزمة أن الخطط التي سعت الدولة إلى تحقيقها والتكنولوجيا التي سعت في تطبيقها كانت العامل المساعد لتسريع الخطة وتطبيق مشروع 10X.. هذا يعني أن التعامل مع الجائحة وتطبيق التكنولوجيا لمحاربة الكورونا أدى إلى التسريع في استحداث تخصصات واختفاء تخصصات أخرى. ومن هنا بدأت الجامعات في ترتيب أوراقها وتغيير المناهج التخصصات المختلفة فيها وفي أسلوب إيصال العلوم إلى الطلبة في الوقت الحاضر. بدأت الجامعات الانتقال من التعلم التقليدي إلى التعلُم الذكي وخلق طفرة تعليمية تغير من مسطح نظام التعليم في الدولة والتخصصات التي ستكون مهمة وتستمر في نموها هي الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والأمن الإلكتروني والاتصالات المتقدمة وهندسة الحواسيب والإلكترونيات والهندسة الطبية والتقنيات الطبية والتقنيات الحيوية والتجارة الرقمية والتسويق الرقمي والإعلام الرقمي والاقتصاد الأخضر التقني.
ويقول رئيس جامعة دبي: الوظائف الروتينية ستندثر حيث يمكن للروبوت القيام بها، فمثلاً وظائف خدمات العملاء وقيادة السيارات والطائرات والسفن وبعض العلاجات التقنية باستخدام النانو تكنولوجي وكذلك تقنيات البناء ستتحول إلى آلية البناء باستخدام «الطباعة ثلاثية الأبعاد»، كما ستسرع جائحة كورونا اقتراب المستقبل المخطط له، فمثلاً طهي الطعام سيكون آلياً تقوم به الروبوتات أي أن وظيفة الطهي ستنتهي إلا للإشراف على عمليات الطهي وتحضير وصفات مختلفة من الطعام وبالمنازل ستكون عملياتها آلية لا تحتاج إلى التدخل البشري إلا في التعليمات، ما يعني أن الجامعات التي لا تخطط لهذا التغيير لن تستطيع أن تلحق بالركب الحضاري المتسارع في النمو وستضطر أن تغلق أبوابها.


المهارات الجديدة


أكد فادي أحمد العلول، أستاذ ورئيس قسم علوم وهندسة الحاسوب بالجامعة الأمريكية بالشارقة، أنه مع الأزمة المالية العالمية في 2008 تأثرت القطاعات والتخصصات الجامعية والمهن المرتبطة بالعقارات، أما اليوم مع أزمة كورونا فتأثرت الخدمات الفردية في مجالات المطاعم وقطاع الضيافة والطيران والسياحة والسفر، والتخصصات الجامعية والوظائف المرتبطة بها. بينما الازدهار في ظل أزمة كوفيد-19 وما بعدها فطال وسيطول المجالات المرتبطة بالقطاع الصحي والطبي، فزاد الإقبال على دراسته وتخصصاته المختلفة في ظل توفر وظائفه حالياً ومستقبلاً، وكذلك الأمر مع التخصصات الهندسية والتكنولوجية في ظل التحول الرقمي السريع والثورة الصناعية الرابعة، والتواصل عبر التطبيقات المختلفة والعمل عن بعد، فزاد الإقبال على تخصصات ومهن هي خبراء وموظفو تكنولوجيا المعلومات، وأمن المعلومات، الذكاء الاصطناعي والروبوتات، فمثلاً قسم علوم وهندسة الحاسوب هو أكبر قسم في الجامعة الأمريكية بالشارقة، إضافة إلى أنه رغم تراجع التوظيف بشكل عام إلا أن التوظيف عالٍ في المجالات المرتبطة بهذا القسم من هندسة وتكنولوجيا باعتباره عصب التحول الرقمي واستمراريته في أي مؤسسة أو شركة أو قطاع، إضافة إلى كافة المهن التي نجحت في التحول الرقمي ومنها التسويق والمبيعات الرقمية.
وتابع: «فرضت الأزمة ضرورة التعامل في مجال المبيعات والتسويق رقمياً وهو ما نجحت فيه تطبيقات المبيعات المختلفة محققاً نجاحاً وأرباحاً لها رغم الجائحة، وما يفرضه الأمر من دراسة التسويق الرقمي مع توفر الوظائف الخاصة به اليوم ومستقبلاً، خاصة مع توجه حكومة الإمارات لأن يكون 50% من خدماتها، إلكترونية عن بُعد».
وأشار العلول إلى أن هذه الأزمة وغيرها من الأزمات زادت من الطلب على مهن علم النفس والسيكولوجيا والذكاء العاطفي سواء كتخصص أو وظيفة، فهي المنوطة بمعالجة آثار الأزمات في نفوس ووجدان الناس، أيضاً هناك حاجة للموردين والموارد المختلفة وما يرتبط بها من مجالات مع اختلاف طرق التوصيل، وكذلك المحاسبون كي يعملوا على حل المشكلات المالية التي تقع فيها الشركات، والمحامون الذين ينشط عملهم في ظل الأزمات وإيجاد الحلول القانونية لها سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات.
وأوضح أن هذا التطور الرقمي والتكنولوجي لن يكون على حساب الإنسان بشرط أن يعمل على تطوير نفسه باستمرار فمع الأزمات وفقدان الوظائف لابد من التعلم واكتساب مهارات جديدة وهو ما يلاحظ عبر توجه الأفراد للجامعات للدراسة مجدداً وهو ما يعرف بعملية التعليم المستمر طويل الأمد، فمثلا هناك مجالات لم تكن موجودة من قبل 20 عاماً كالذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعلنا في قسم علوم وهندسة الحاسوب نضع مواد جديدة كل فصل لتواكب تلك التطورات.
ولفت إلى أنه نتيجة عواقب السفر في ظلال الجائحة فإن تركيز الجامعات يجب أن يكون على الطلاب الموجودين بالدولة من مواطنين ووافدين وليس الدوليين، بمعني التركيز على الوظائف المحلية وربطها بالتخصصات الجامعية وليس الوظائف الدولية.


طرح تخصصات أدبية وعلمية افتراضياً


الدكتور حسين المهدي عميد الخدمات الأكاديمية المساندة بجامعة الشارقة، أكد أن جائحة كوفيد-19 فتحت الأبواب أمام العديد من الفرص في تحديث طرائق التعليم والتعلم ونشر العلم، حيث وجدت المؤسسات التعليمية نفسها أمام واقع جديد ومعطيات جديدة لعبت فيها تكنولوجيا إدارة المساقات دور كبير. وتمكنت المؤسسات التعليمية وفي مقدمتها «جامعة الشارقة» من الاستمرار في العلمية التعليمية بكافة احتياجاتها، بما في ذلك عملية تقييم التحصيل العلمي وفق المخرجات العلمية وفق متطلبات الاعتماد الأكاديمي. ففي هذه المدة انهارت الحدود والشروط التي كان يفرضها التعليم داخل المؤسسة وخاصة الحدود الجغرافية التي تتطلب وجود الطالب في الصف والحدود الاستيعابية للفصول الدراسية وحدود الفصل بين الجنسين وغيرها. وقد لعبت التكنولوجيا دوراً مهماً وفعالاً في نجاح العملية التعليمية من خلال توفير الأدوات اللازمة لنجاح العملية التعليمية بما في ذلك أدوات ووظائف التفاعلية والمشاركة والتعليم التعاوني المبني على المشاركة.
وفيما يتعلق بتأثير هذا على التخصصات والبرامج التي تطرحها الجامعات، أجاب المهدي: لا شك أنه من الممكن الآن طرح تخصصات أدبية وعلمية بما في ذلك التخصصات التطبيقية بشكل افتراضي كلي أو جزئي، مما يقلل من ضرورة حضور الطالب بشكل مادي للمؤسسة. كما يمكن للمؤسسات التوسع في طرح عدد أكثر من البرامج العلمية التي كانت في السابق تحتاج إلى إمكانيات وبنية تحتية مكلفة. وقد استغلت جامعة الشارقة هذه التطورات بشكل إيجابي لدراسة إمكانية طرح برامج في المجالين النظري والتطبيقي، حيث تدرس الجامعة الآن إنشاء مختبرات علمية افتراضية بالتعاون مع جامعات ومؤسسات عالمية من خلال برامج المحاكاة التفاعلية. كما يمكن للجامعات الآن الاشتراك في طرح برامج علمية وفق الحاجة وبما يخدم السوق المحلي واستراتيجية الدولة.
ومن بين أهم التخصصات التي يجب التوسع فيها في ظل الظروف الحالية هي تخصصات تكنولوجيا المعلومات والأمن الالكتروني وتكنولوجيا الفضاء والفلك والتخصصات الدقيقة من الذكاء الاصطناعي، وغيرها من التخصصات الأخرى في الطاقة المتجددة وعلوم النانو وعلوم البيانات والمعلومات وتحليل البيانات فضلاً عن التخصصات الطبية والصحية والبحث العلمي المتقدم.
وأشار إلى أن طرح أي من التخصصات والبرامج يجب أن يبنى على أساس يعتمد على احتياجات سوق العمل ومواكبة البرامج للتقدم العلمي والتكنولوجي الذي يشهده العالم اليوم. ومن هنا وللإجابة على السؤال بخصوص البرامج التي يجب التقليل منها، فالمجتمع في حاجة لكل التخصصات ربما بشكل متفاوت ولكن النقطة المهمة والتي تقع على عاتق المؤسسات التعليمية وفي مقدمتها الجامعات، هي أهمية مراجعة مخرجات البرامج التعليمية الكلاسيكية التقليدية وتحديثها بشكل شامل لكي تعمل على تأهيل الخريج بمهارات وكفاءات تمكنه من الانخراط في سوق العمل ومتطلبات المهن الجديدة.


تراجع الموارد


الدكتور عبد الله العوضي محاضر ومدرب في كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، قال: إن جميع المهن المرتبطة بتطبيق مبادئ الثورة الصناعية الرابعة ستكون حاضرة في المستقبل القريب، ومنها: البرمجيات وتقديم الخدمات الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ودمج الأدوات وتحليل البيانات الضخمة، وفي المقابل هناك الكثير من المهن التقليدية مثل: الطباعة والكتابة والموارد البشرية وموظفي خدمة العملاء والمحاسبة وكذلك الطبابة التقليدية والتشخيص البشري.. حتى مهن المشتريات والمخازن والتوصيل قد تتقلص بشكل كبير خلال السنوات القليلة القادمة.
وأضاف: من التخصصات الجامعية التي يجب فتحها أو التوسع بها لاستيعاب المهن القادمة مستقبلاً، استشراف المستقبل وتطوير لمناهج دراسة الأنظمة الذكية والتحليل والتنبؤات والبرمجيات، حيث يمكن دمجها في استخدامات البشر اليومية، كذلك يتطلب الأمر التطوير الجذري لأسلوب التدريس الأكاديمي بحيث يعتمد على الممارسات العملية ومنح الطلبة مساحة كافية للتطوير والابتكار في مجالات التطبيق العملية والتقليل من الاعتماد على الكتب الأكاديمية الصرفة، على سبيل المثال: مناهج الابتكار والتميز الحالية معظمها نظرية ولا تُكسِب الطالب المهارات العملية للابتكار المطلوبة في عالمنا.
ويقول إن المهن أو التخصصات الجامعية التقليدية/ الإدارية التي ستشهد تراجعاً هي على سبيل المثال: الموارد البشرية والمحاسبة وإدارة الأعمال والقانون والأدب والتي يجب أن تدمج مع تخصصات مختلفة بحيث يتم تقديم مناهج معاصرة تطبيقية أكثر، مثلاً: المحاسبة ممكن أن تدمج مع التكنولوجيا بحيث يمتلك الطالب مهارات المحاسبة القائمة على استخدام التكنولوجيا الحديثة وأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تمكنه من استشراف المستقبل المالي للمؤسسات.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"