الشارقة: «الخليج»
نظمت هيئة الشارقة للآثار محاضرة عن بُعْد قدمها عيسى يوسف، مدير إدارة الآثار والتراث المادي في الهيئة، تحت عنوان: «دور الشارقة الحضاري من خلال المكتشفات الأثرية عبر العصور»، ومهد لها د. يزن أبو الحسن، بمشاركة 165من المتابعين المتخصصين وغيرهم، والباحثين في الحقل الأثري.
في البداية، أشار عيسى يوسف إلى «دعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، غير المحدود لكل ما يتصل بالتراث الثقافي، ومشاركاته الجليلة في الثقافة العالمية، بكل ما يعنيه ذلك من كلمة، ومبادراته الأخرى التي لا يمكن ألا يدركها واعٍ، أو مهتم، أو عالم بمكنون الكلم، واستنباطاته الكثيرة لكل ما يتصل بعلم الآثار ومجالاته المختلفة».
قال يوسف: أتحدث هنا عن أقدم العصور، متوقفاً عند الألف الأول قبل الميلاد، في فترات العصر الحجري بمختلف أنواعه، وكانت فترة نمو حضاري، وتجاري عظيم، وبعدها ظهرت مدينة مليحة، ومن الملامح العامة لتلك الفترة، العثور على مواقع أثرية مهمة في المنطقة الوسطى من إمارة الشارقة، وتعد جزءاً مهماً منها، وجزيرة صير بونعير، وموقع تل أبرق، وهو من المواقع المهمة، ويتداخل في جزء منه مع إمارة أم القيوين، وموقع سهيلة (800-500 ألف سنة قبل الآن)، وهو مكون من تلال صخرية كان يمر به مجرى مائي، مما ساعد البشر على الاستقرار والبناء، ويبعد عن مدينة الذيد ب 15 كيلومتراً، ومليحة، وخطمة ملاحة بلوحاتها التشكيلية الصخرية.
وأوضح أن «تعبير أقدم العصور يومئ إلى أنه سد الفجوة في تاريخ المنطقة، وهي العصور الحجرية المتتابعة، فقد ظهر في هذه الفترة الفأس الآشورية، وعرف ذلك من خلال عمليات المسح، وكان يوجد صيوانيات موجودة على السطح، ومن بينها عُثر على الفؤوس الآشورية، ومازالت هناك بعض القطع التي تؤرخ لهذه الفترة».
وذكر عيسى يوسف أن «جبل فاية، موقع مهم (120 ألف سنة قبل الآن)، وكان يعتقد أن الوجود البشري مرتبط بالعراق وبلاد الشام وفلسطين، ولكن بعد الاكتشافات تأكدت نظرية الهجرة الجنوبية من إفريقيا إلى آسيا، عبر باب المندب، ومن ثمَّ وصول البشر إلى جبل فاية، وكان المناخ السائد يساعد على الهجرة، وفي هذا الموقع عثر على الأدوات الحضارية، بواسطة التقنيات التي كانت موجودة في هذه الفترة، وما زالت الدراسات قائمة للبحث عن ال DNA لمجموعة الصخور، وجارٍ تحليلها ل 8000 سنة قبل الميلاد». وانتقل عيسى يوسف إلى موقع آخر هو البحيص 18، موضحاً أن «ما يميز هذا الموقع وجود الكثير من رؤوس السهام، وما يقارب 600 هيكل بشري (6000-5000 ق.م)، وظهرت فيه مهنة الرعي والصيد، وكان هناك مجموعة كبيرة من عظام الماعز والغزلان البرية، وأثبت ساكنو البحيص 18، معرفتهم بالطب والعلاج، والتجبير وإجراء بعض العمليات الجراحية».
ووفق مدير إدارة الآثار والتراث المادي في هيئة الشارقة للآثار «عُثر في مقبرة جبل البحيص 18 على 64 حبة لؤلؤ، وهناك فرق شاسع بين ما وُجد في الأماكن الأخرى، فحبات اللؤلؤ هنا مثقوبة، وهذا دليل على أن الإنسان استخدمها، وأشارت دلائل إلى وجود شظايا صيوانية وبعض الخرز في الألف الأول ق.م. والتأريخ باستخدام الكربون المشع أثبت استخدام حبَّات اللؤلؤ، التي تعود إلى العصر الحجري الحديث، أنها أقدم حبات مشغولة في العالم حتى الآن، والدليل وجود الثقب بها».
وأوضح عيسى أن العصر البرونزي سمي بهذا الاسم، لأن الإنسان بدأ خلاله في صناعة أدواته من المعادن، وقال «يمر هذا العصر بعدة فترات منها فترة حفيت، ووجدت فيها مقابر في جبل الإميلح، وجبل البحيص، وجبل فاية، وتميزت هذه الفترة بتطوراتها المهمة والعلاقات التجارية المهمة، وهناك مدافن من فترة حفيت تتميز بتنظيم حجري غير مهندم، عبارة عن تجمُّع حجري دائري. أما فترة أم النار فهي نسبة إلى أم النار في إمارة أبوظبي، وكانت المدافن مقامة بشكل دائري. وهناك فترة وادي سوق، نسبة إلى وادٍ في عُمان، في الألف الثاني ق.م».
وأضاف«كانت النصوص المسمارية شاهداً حضارياً على التواصل الكتابي والمعرفي مع بلاد وادي الرافدين. وفي منطقة وادي الحلو عثر على النحاس، وخبثه وأفرانه في المكان نفسه، وسبيكة نحاسية من أنقى القطع التي عُثر عليها في القرنين الرابع والثالث ق.م، وأختام دلمونية، تعود إلى وادي السند، ومصنوعة من العاج. وعُثر على قطع فخارية في تل أبرق، عليها خاتم دلموني، وفي جبل البحيص وجد خاتم دلموني آخر، وفي كلباء عثر على أختام أسطوانية. ومدافن الألف الثالث ق.م في تل أبرق، بها الكثير من العاجيات، وبها مدفن يعد الثاني في الحجم بعد مدفن مليحة. وفي كلباء (الألف الثالث والثاني ق.م) كان الاستيطان على أعماق بعيدة، وفي خورفكان (الألف الثاني ق.م) وجدت جرار جمدة نصر، والفخار من الحجر الناعم، والفخار الرمادي، الذي يعود إلى 3 آلاف ق.م».
وانتقل عيسى يوسف إلى العصر الحديدي (1300-300 ق.م)، شارحاً أنه «سمي بهذا نظراً لاستخدام السكان الحديد في صناعة أدواتهم، وكان فيه استئناس الجمال في تل أبرق وموقع مليحة، واستخدام الأفلاج لري الوديان، ففي موقع الثقيبة وجد فلج وقنوات للري تصل إلى 500م طولياً، وفي جبل البحيص وجدت مغارات صغيرة تركها سكان العصر الحجري، وصناديق بها أقراط من الحجر الناعم، وفي جزيرة صير بونعير عُثر على قطع أثرية من الألف الأول قبل الميلاد، وفي موقع مويلح، استخدم الزخارف والخطوط لتزيين فخارها».