الشارقة: أوميد عبدالكريم إبراهيم

يحفل التاريخ العربي؛ قديمه، وحديثه؛ بقصائد تغنّت بمختلف الجوانب السياسية، الاجتماعية، المقاومة، الثورة، الحب، والحرب، وعلى طول هذا التاريخ الطويل لم تغب نكهة القصيدة الرومانسية عن مأدبة الشعر العربي، فليس هناك أي شاعر؛ إن كان في العصر القديم، أو الحديث؛ إلا وله قصيدة، أو قصائد رومانسية يعبّر من خلالها عمّا يجول في خاطره من مشاعر العشق، والهيام، والأمثلة على هذه القصائد لا حصر لها؛ من بينها قصيدة «عاشقة الليل» للشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة.
يُعرف عن الشعر الرومانسي تحرره من مختلف أشكال القيود التي يمكن أن تعيق إيصال الفكرة المنشودة، وقد شهد العصر الحديث كمَّاً كبيراً من هذه القصائد؛ كما تنوعت المدارس الأدبية، والأساليب التي اتبعتها؛ إلا أن القصيدة الرومانسية بشكل عام تغلب عليها العواطف الجياشة، والإغراق في العذوبة والخيال المنطلق، والإفراط في المشاعر الجامحة المختلجة في الصدور؛ كما قد لا تخلو من الحزن والأسى على فراق الأحبة أحياناً؛ حيث تقول نازك الملائكة في مطلع قصيدة «عاشقة الليل»:

يا ظلامَ الليلِ يا طاويَ أحزانِ القلوبِ

أُنْظُرِ الآنَ فهذا شَبَحٌ بادي الشُحوبِ

جاء يَسْعَى تحتَ أستاركَ كالطيفِ الغريبِ

حاملاً في كفِّه العودَ يُغنّي للغُيوبِ


كسر القيود


نازك الملائكة التي تعتبر من أعلام الشعر العراقي والعربي المعاصر؛ تنتمي لجيل من الشعراء يعود له الفضل في كسر القيود التي كانت تُكبل القصيدة العربية، ونقل القصيدة إلى آفاق النثر والشعر الحر؛ كما هو الحال في قصيدة «عاشقة الليل»، وقد غَلبَ على النتاج الشعري والأدبي لهذا الجيل الذي برز عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وسُمي ب«جيل الحداثة»؛ الطابع الرومانسي الحزين؛ ويُرجع البعض السبب في ذلك إلى الحقبة الزمنية التي عاشوا فيها؛ حيث الويلات التي خلَّفتها الحروب آنذاك.
قصيدة «عاشقة الليل» كانت أول عمل للشاعرة الكبيرة نازك الملائكة ضمن ديوان يحمل الاسم ذاته، وقد صدرت في بغداد عام 1947، وتعتبر من القصائد الرومانسية المبكرة في مسيرة نازك الملائكة، ويُعزى سبب تسمية القصيدة بهذا الاسم «عاشقة الليل» إلى ما يمثّله الليل من سكون وسكينة تُطلق العنان لخيال الإنسان وتمنحه فرصة للتأمل في هذا الكون، والغوص إلى جوف النفس البشرية بما تؤويه من كنوز الأسرار، وفيض المشاعر، فينطق اللسان بطيب الكلام، وعذب الحروف، وها هي الشاعرة تقول في جزء آخر من القصيدة:

هو يا ليلُ فتاةٌ شُهد الوادي سُرَاها

أقبلَ الليلُ عليها فأفاقتْ مُقْلتاها

ومَضتْ تستقبلُ الواديْ بألحانِ أساها

ليتَ آفاقَكَ تدري ما تُغنّي شَفَتاها


أطروحات


على الرغم من أن نازك الملائكة عاشت حياة رغيدة وسط مجتمع المثقفين والنخبة؛ إلا أن الحزن والكمد، وكذلك الرومانسية؛ كانت صفات ملازمة لأشعارها؛ من بينها قصيدة «عاشقة الليل»؛ لدرجة أنها سُمِّيت ب«شاعرة الحزن»، وعليه فإن هذه المشاعر الكئيبة التي طغت على أشعارها لم تكن انعكاساً لظروف شخصية قاسية عاشتها، أو عانتها الشاعرة؛ بل إنها بمثابة «حزن فكري»، أو «وجودي»، كما يصفه بعض النقَّاد؛ لا سيما وأن بعض قصائد نازك الملائكة كانت تضمُّ أطروحات فلسفية شائكة في محاولة منها لتسليط الضوء عليها.
ويُصنف أغلب النقّاد الأعمال الشعرية لنازك الملائكة، ومن بينها قصيدة «عاشقة الليل»؛ ضمن إطار «الشعر الوجداني»، ومع أن مصطلح الوجدان متشعب كثيراً ويحتمل الكثير من التأويلات، ويرتبط بمنظومة من الصفات والقيم البشرية؛ إلا أن وجدان الإنسان بشكل عام، والشاعر على وجه الخصوص؛ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة التكوين الاجتماعي والثقافي للإنسان، ومن الملاحظ في حالة التجربة الشعرية لنازك الملائكة؛ أنها ركّزت في أغلبية أعمالها على الأغراض الشعرية الوجدانية، إذا تقول في جزء آخر من قصيدة «عاشقة الليل»:

جَنَّها الليلُ فأغرتها الدَيَاجي والسكونُ

وتَصَبَّاها جمالُ الصَمْتِ.. والصَمْتُ فُتُونُ

فنَضتْ بُرْدَ نهارٍ لفّ مَسْراهُ الحنينُ

وسَرَتْ طيفاً حزيناً فإِذا الكونُ حزينُ


ريادة


قصيدة «عاشقة الليل» لنازك الملائكة؛ إلى جانب قصيدتها الأخرى المسماة ب«الكوليرا»، دفعت عدداً من النقّاد إلى الاعتقاد بأن الشاعرة العراقية هي أول من كتبت «الشعر الحر» في الأدب العربي المعاصر؛ لا سيما وأنها بدأت بكتابة الشعر في فترة زمنية معاصرة لعمالقة الشعر العراقي؛ مثل الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، وكذلك الشاعرَين شاذل طاقة، وعبدالوهاب البياتي، وهؤلاء الثلاثة يعتبرون من رواد الشعر الحديث في العراق، وفي عام 1999 أقامت دار الأوبرا المصرية احتفالاً لتكريمها بمناسبة مرور نصف قرن على انطلاقة «الشعر الحر» في الأدب العربي.