يوسف أبو لوز
القيمة الأخرى، التي يجب أن ننتبه إليها جيداً في قصة الكشف عن مخطوطة نادرة للملّاح أحمد بن ماجد كتبت قبل 260 عاماً (إبراهيم الملّا، «الاتحاد الثقافي») أن جلفار (رأس الخيمة) كانت مكاناً ثقافياً مبكراً في المنطقة في القرن الميلادي الثالث عشر.
كان آنذاك في جلفار نسّاخون، وشعراء، وعلماء، وقضاة، وغيرهم من أناس متعلّمين يجيدون القراءة والكتابة والتعليم، وتلك هي القيمة التاريخية الثقافية لهذه المخطوطة التي كشف عنها الباحث الإماراتي محمد ناصر الكودة الذي قال إن المخطوطة مؤرّخة وإن اسمي ناسخ المخطوطة والمنسوخ له مذكوران فيها، مما يضيف لها ميزة فريدة أخرى.
لقد تبيّن أن ناسخ الكتاب، كما قال الباحث الكودة، هو حسين بن عبدالله بن حسين بن محمد بن جمعة، أما المنسوخ له، وبحسب الباحث أيضاً، فهو الشيخ أحمد بن حسن الزرافي.
المهم هنا هو التاريخ الثقافي المبكر لجلفار وللمنطقة عموماً وبخاصة الإمارات، هذا التاريخ المدوّن في المخطوطات الموثوقة والمنسوخة بأيدي كتبة قدامى هم جزء من الصورة الثقافية الأولى والمبكرة في الإمارات. ولعلّ هذا الكشف عن هذه المخطوطة-الوثيقة، يشجع المؤسسات الثقافية التراثية على المزيد من البحث عن وثائق أخرى تعود إلى تلك الفترة المبكرة من التاريخ الثقافي للإمارات، بل لعلّ الكشف عن هذه المخطوطة يشجع الباحثين الإماراتيين في حقول التراث والآثار والثقافة الشعبية والتاريخ الشعبي على العمل الميداني المنظم والمتخصص نحو اكتشاف الكثير من الآثاريات المادية الأدبية والنحتية والخرائطية والتوثيقية، وهي كنوز أرضية ثقافية تاريخية لم تكتشف بعد.
لهذه الجغرافيا الإماراتية تاريخ ثقافي قديم تؤشر عليه مخطوطة أحمد بن ماجد، ويؤشر عليه تراث الماجدي بن ظاهر الشعري النبطي، ويؤشر عليه تراث جماعة الحيرة الأدبية في الشارقة، وتؤشر على هذا التاريخ مئات المكتشفات الآثارية الدّالة على حضارات متعاقبة كانت في المنطقة ولها قرائن مادية تكشف عن حياة مدنية قديمة نهضت على مزارعين، وتجّار، وملّاحين، وعلماء، ورجال قضاء، وشعراء، بل ومعماريون وصنايعية وحرفيون بارعون في أعمالهم الفطرية العتيقة.
هناك تراث آثاري مادي ومعنوي غزير في الإمارات، ولم يكتشف منه إلاّ ما هو مُتداول عند قلّة من الباحثين المتخصصين، غير أن الكثير من التراث ما زال تحت الأرض، وما زال في الوثائق والمخطوطات والخرائط والمنحوتات والألواح الحجرية والنحاسية والقبور والكهوف والقلاع، أضف إلى ذلك أن بعض الباحثين وبعض من يهتمون بجمع شواهد التراث لديهم وضمن مقتنياتهم الخاصة الكثير من هذا التراث، ونقول هنا إن مثل هذه المقتنيات ذات الصلة بالتاريخ الثقافي للإمارات وتراثها الشعبي تصبح مع الوقت ذات قيمة تاريخية كبرى، وهي مرجعيات مادية لأي باحث في التراث الإماراتي وتاريخه.
ونأمل هنا أن تكون هذه المقتنيات التي تعود لأفراد متاحة للمؤرّخين والباحثين والمحققّين، لا أن تكون مخزونة في صناديق مغلقة ولا يستفيد منها أحد لا على صعيد وطني، ولا على صعيد ثقافي.