عادي

اجتمع الظلم والظلام

02:17 صباحا
قراءة 4 دقائق
علي عبدالله الأحمد *

قبل سنتين سنحت لي الفرصة لزيارة متحف «جوتنبرج» في مدينة «ماينز» في الجنوب الغربي لألمانيا، والواقعة على ضفاف نهر الراين، و«يوهانس جوتنبرج» هو من اخترع الطباعة في سنة 1450.

بدأت حديثي مع مرشد المتحف الذي كان برفقتنا قائلاً: «الطباعة غيّرت العالم؛ لأنها ساعدت على التطور من خلال سرعة نقل المعرفة وانتشارها، والفضل يعود لكم، فأنتم الألمان من اخترع آلة الطباعة».

ابتسم راضياً وقال: «نعم الطباعة غيرت أوروبا أولاً لأنها نشرت العلم والمعرفة كما قلتم، ثم غيرت الطباعة بقية العالم، ولكن تأخر وصول المطابع إلى بعض أرجاء العالم لأسباب مختلفة جعل التطور التعليمي أسرع في أوروبا، مقارنة بغيرها من القارات».

سألته حينها، «وماذا عن الطباعة باللغة العربية؟ متى وصلت المطبعة بلاد العرب؟

تغيرت تعابير وجه المرشد وقال بنبرة حزينة: «للأسف المنطقة العربية كانت آخر الملتحقين بركب الطباعة، وإذا أردت أن تقيس ذلك بالأرقام فإن العرب ظلوا ينسخون كتبهم بأيديهم لفترة 300 سنة تقريباً، بعد انتشار المطابع في أوروبا ومناطق أخرى من العالم».

قبل أن أسأله عن الأسباب، أكمل قائلاً: «تأخر الطباعة باللغة العربية قيّد لغتكم ومنعها من الانتشار والتواصل مع الثقافات الأخرى لقرون من الزمن، والسبب في ذلك هو أن السلطان العثماني بايزيد الثاني أصدر فتوى بتحريم الطباعة باللغة العربية في سنة 1494، وظلت الفتوى قائمة ويعاقب بالإعدام كل من حاول الطباعة باللغة العربية، إلى أن سمح السلطان العثماني أحمد الثالث بإنشاء أول مطبعة بالأحرف العربية في إسطنبول، وكان ذلك في سنة 1726».

سألته، «متى وصلت أول مطبعة إلى البلاد العربية؟»

فأجاب: «ربما تكون مطبعة بولاق في مصر في عهد محمد علي باشا هي الأولى، أو مطبعة صغيرة في أحد الأديرة في لبنان، وللعلم هناك قرابة 147 كتاباً طبعوا باللغة العربية في أوروبا قبل أن تصل المطبعة إلى بلاد العرب».

انتهت الزيارة وتساءلت ما هو سبب التحريم؟ وما هي مبرراته؟ ووجدت بأن سبب فتوى التحريم هو أن أهل العلم في ذلك الزمان كانوا يرون أن هناك ضرراً على الأمة في السماح للطباعة بأحرف اللغة العربية؛ لأن ذلك سيؤدي إلى ترك الحفظ الذي كان سمة لهذه الأمة، ولأن الطباعة تجلب أخطاء كثيرة، وهو التبرير الذي قيل للمسلمين آنذاك.

إن أنظمة الحكم في البلاد العربية التي وقعت تحت الحكم العثماني كانت تعتبر الدولة العثمانية هي دولة الخلافة الإسلامية، ما منح العثمانيين الشرعية السياسية لحكم جميع السكان داخل حدود الدولة العثمانية، وعلى الرغم من ذلك لم يكترث السلاطين المكلفون بالخلافة الإسلامية بتقديم الحياة الكريمة للشعوب التي حكموها، وعندما تسأل الشعوب العربية التي وقعت تحت حكم العثمانيين كيف كان حكمهم؟ وماذا تركوا لكم؟ لن تسمع إلا قصص القهر والاستعباد.

يشرح الكاتب المغربي حسن الوزاني المفارقة والتناقض في حلم العثمانيين ليقول: «الدولة العثمانية، التي كان يُفترض فيها أن تشكل المعبر الأساسي بين الثقافات الأوروبية والعربية والإسلامية، شكلت الحاجز المنيع أمام دخول الطباعة. في هذا الإطار، كان السلطان العثماني مولاي بايزيد الثاني قد أصدر فرماناً يحرم الطباعة على رعاياه المسلمين. والمفارقة أنه سمح للأقليات بحق إنشاء مطابعهم داخل الدولة العثمانية، شريطة عدم استعمال الحروف العربية؛ حيث صارت لليهود والعرب المسيحيين مطابعهم الخاصة».

تشير بعض الأرقام بأنه في القرن الثامن عشر طبع في أوروبا قرابة مليون كتاب، والفضل للمطبعة التي اكتشفها جوتنبرج، وفي المقابل طبع العثمانيون الأتراك بين سنة 1727 إلى 1838 في كافة الأراضي التي وقعت تحت سيطرتهم ما مجموعه 142 كتاباً.

ربما يبدو الأمر محيراً لماذا حارب العثمانيون لغة القرآن التي تجمعنا بهم؟، ولماذا شكل انتشار اللغة العربية تهديداً للحكم العثماني؟ وهل هناك عقدة أزلية عند الأتراك تجاه لغتنا العربية؟

يقول الدكتور طلال الطريفي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة الإمام محمد بن سعود، في مقابلة له على «قناة العربية»، متحدثاً عن الأتراك في بداية تواصلهم مع العرب: «هم شعوب لم تكن لديهم لغة مكتوبة، أي أنهم يتواصلون مع بعضهم من خلال لغة محكيّة فقط، ولك أن تتخيل أين وصلت الحضارة العربية آنذاك خلال العهد الأموي والعباسي وتأثيرها عليهم، ونحن ساهمنا من خلال ثقافتنا العربية في بناء الثقافة التركية اللاحقة؛ لأنهم جاءوا إلينا بدون حضارة، وهذا بشهادة التاريخ».

لماذا تعمد العثمانيون الأتراك محاربة انتشار اللغة العربية وهي وسيلتنا نحن العرب للوصول إلى المعرفة ومن ثم التقدم؟ وكيف نجحوا آنذاك في فرض الجهل واقعاً ليصبح التخلف سمة للمجتمعات العربية لقرون طويلة؟

لعلنا نجد الإجابة عن هذه الأسئلة فيما قاله المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي: «إن إستراتيجية تجهيل الشعوب هي إحدى وسائل السيطرة عليها، وهي التي استخدمتها الدولة العثمانية طوال ثلاثة قرون منعت خلالها دخول الطباعة إلى العالم العربي والإسلامي؛ لأن إبقاء العامة في حالة من الجهل والغباء يعتبر إحدى الاستراتيجيات للسيطرة عليها، ويجب عندها أن تكون جودة التعليم المقدم للطبقات الدنيا رديئة، بشكل يعمق الفجوات بين تلك الطبقات والطبقات الراقية التي تمثل صفوة المجتمع؛ كي يصبح من المستحيل على تلك الطبقات الدنيا ردم تلك الفجوة».

حرم العثمانيون الأتراك الطباعة ليحرموا العرب من التعليم لمئات السنين، وكان لهم ما أرادوا، وسيظل التاريخ يروي قصة نجاحهم في الجمع بين ظلم الحكم وظلام الجهل.

* سفير دولة الإمارات في فرنسا

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"