يوسف أبو لوز

قرأت عند «آيسوب» هذه الحكاية الصغيرة ذات الدلالة الكبيرة. يقول «فُتنت القطة بشاب وسيم فذهبت إلى الآلهة أفروديت إلهة الجمال، وتوسلّت إليها أن تحوّلها إلى امرأة، ورأتها أفروديت حزينة، فأشفقت عليها وحوّلتها إلى فتاة جميلة، وعندما رآها الشاب وقع في غرامها في الحال، وأخذها إلى المنزل ليتزوّجها، وعندما ذهبا ليستريحا في غرفة النوم، أرادت أفروديت أن تعرف هل تحوّلت غرائز القطة مع تغيير شكلها، فأرسلت فأراً يجري أمامها، فنسيت الفتاة في الحال ما آلت إليه وقفزت من الفراش وَجَرتْ خلف الفأر لتأكله، عندئذٍ أعادتها أفروديت، وهي ناقمة عليها، إلى حالتها الأصلية، قطة». (ترجمة: إمام عبدالفتاح إمام).
بعيداً عن حكمة آيسوب، الطبع يغلب التطبّع، وحبل الخداع قصير، وقد تستطيع أن تخدع الناس بعض الوقت، ولكنك لا تستطيع خداعهم كل الوقت، وخاصة في الكتابة.
ما هو الكاتب المخادع؟ هو ذاك الذي يعيش بوجهين: وجه حقيقي لا يراه أحد. ووجه آخر مرئي عليه قناع. كاتب تراهُ ملاكاً في أفكاره وأخلاقياته «المُقَنّعة»، وفي داخله شيطان. كاتب له ظاهر، وله باطن، وهذا النوع «الظاهر والباطن» هو أسوأ الكُتّاب.
في الظاهر قد تتعامل مع مثقف يصدع رأسك بالتنظير للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو في بيته طاغية صغير، ومتنّمر يومي على بيته وأهله وأولاده، وذلك، هو باطنه الأسود.
في الظاهر قد تقرأ رواية تتحدث عن الوطنية و«الثورجية» و«الشعاراتية السياسية» أمّا باطنها أي كاتبها، فهو شخص انتهازي، يعرف كيف يركب الأمواج.
في الظاهر تقرأ لصحفي تشعر بأنه أبو الكبرياء وأبو «عزّة النفس»، وفي باطنه ما هو سوى «بائع شنطة» كما يقولون في لغة الصحافة، كناية عن ذلك الكاتب الذي يكتب أكثر لمن يدفع أكثر.
الخداع ألوان وأشكال وأنواع، تماماً كما لو أنك في سوق للماشية، وفي الدّاخل دائماً، أي في الباطن دائماً، هناك الطبع الذي يلازم الإنسان حتى تخرج منه روحه. والشاعر الشعبي إبراهيم خفاجي يقول:«الودّ طبعي وعيّا الطبع لا يخرج من الرّوح».
في الباطن دائماً، حيث لا أقنعة توجد القطة التي تحولت إلى امرأة جميلة، ولكن الطبع يغلب التطبّع، وحبل الخداع قصير مرّة ثانية، فهي ما إن رأت الفأر حتى قفزت تجري خلفه، لتأكله، والحكمة ليست عند آيسوب فقط، بل هي أيضاً في الحياة كلها، عند المرأة التي تخلع قناعها رويداً رويداً فتنكشف عند الرجل المراوغ الذي ينسى أنه يراوغ فينكشف. عند الكاتب القط، وعند الكاتب الفأر. عند أفروديت التي كانت تظن أنها قادرة على تحويل الحيوان إلى إنسان، ولكنها اكتشفت أنه من المستحيل تحويل الشيطان إلى ملاك، ومن الصعب تحويل الوحش إلى عصفور.

[email protected]