الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

شاعر على هيئة غبار

4 يونيو 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 4 يونيو 00:08 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تُرى، ما الذي سوى الكتابة، والكتابة وحدها، يجعل كاتباً عربياً يعيش في الخليج العربي يكتب عن شاعر، مثلاً، في كولومبيا، أو في أحد بلدان البحر الكاريبي، ومن دون سابق معرفة أو صداقة، سوى صداقة الكتابة بوصفها عملاً إنسانياً عالمياً، يتجاوز الجغرافيات والحدود والجنسيات لتصبح ميثاق قربى أو حتى أشبه بعلاقة الدم؟
اقرأ الشاعر الكولومبي فيليبي غارسيّا كينتيرو، وأشعر أنه جاري في البيت المقابل لبيتي، نتبادل السلام والابتسامات، وأفكر بدعوته إلى العشاء أو شرب فنجان قهوة في مقهى على البحر، ثم علام كل ذلك؟ أو كل هذا، كلّه لأنه يقول إن الكتابة هي ضياع ما عُثِرَ عليه، وإن المرء يكبر بالكتابة، ويتساءل:مَنْ يعيش سوى الكتابة؟ ثم تراه في مكان آخر يقول في مجموعة شعرية صغيرة له إنه يكتب، لكي، يترك الكتابة.
أحببت هذا الشاعر الذي ولد في بوليفار في العام 1973، ذلك أنه أحياناً مثل مزارع سوريالي يبحث عن الماء في الحجارة..
وربما عرفت الآن سرّ هذا الصديق الغائب والمفترض، إنه يشبهني، أبوه، كما يبدو لي، كان مزارعاً، إنه ذلك العمل الأخضر الذي كان يشتغل فيه أبي قبل أن يتحوّل إلى قلع الحجارة واستخراجها من بطن الجبل بملح البارود، فضلاً عن العمل المشترك الآخر (الكتابة) التي اكتشفناها معاً أنا وكينتيرو في قصبات الناي، ونحن نرعى الماعز في الجبال.
يقول صاحبي: «أكبرُ مستلقياً على بطني.. وأموت مستلقياً على ظهري»، وعن الجوع، يقول: «أشعر بالجوع يقول الغذاء، أنا غذاؤك يقول الجوع»، وحين كنت أسأله عن ذلك الشيء العالق في رقبته، كان يراوغ على طريقة سكان أمريكا اللّاتينية الأصليين ويقول إنها تلك الطيور التي بَنَتْ أعشاشها في صوته.
يقف صاحبي، أحياناً، أمام المرآة، وأسمعه يقول: يا للمرآة كيف لا تتوقف عن الكذب؟ ولكي أحول بينه وبين أيّ حرج قد يتعرّض له من سيدة محترمة، كنت أخبره بأن يُشكّل الكلمتين جيداً: المرأَة، والمرآة.
يكرر صاحبي كلمة «الغبار» كثيراً في شعره، إلى درجة أن أشعر وكأنه هو نفسه ليس سوى غيمة من الغبار، ومع ذلك يذكرني دائماً بأنه رجل من لحم وعظم ويضيف إليهما «الدموع»، ولأنه دائم الحزن كما بدا لي من شعره، أراه وقد استدرك قائلاً: إن سعادة الرجل الحزين تكمن في صمته.
شكراً، عبدو زغبور على هذه الترجمة الحزينة، وشكراً لصاحبي كينتيرو.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة