أنجز الشاعر العراقي هاتف جنابي، المقيم في بولندا منذ سنوات طويلة، أنثولوجيا موسعة، جاءت في 900 صفحة من القطع الكبير، وشملت الشعر البولندي في خمسة قرون، منذ العام 1530 وإلى العام 2020، وضمّت 65 شاعراً وشاعرة، بدءاً من الشاعر يان كوها نوفسكي (1530-1584)، وحتى الشاعر كشيشتوف شيفيتشك المولود في العام 1977، أي أنه في نحو الخمسين من عمره، وليس ببعيد أنه تجوّل قبل أيام في معرض وارسو الدولي مع أصدقائه من الشعراء الذين ضمتهم هذه الأنثولوجيا الضخمة، والتي سبق للقارئ العربي أن حصل عليها في معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورة العام 2021، وقد حصلتُ على نسختي في تلك الدورة، وغرقتُ في الشعر البولندي على مدى 500 عام، لأقرأ نصوصاً لكل هؤلاء الشعراء، وأتعرّف إلى حيواتهم من خلال التعريف بكل شاعر، وهو الجهد العظيم والجميل الذي قدّمه هاتف جنابي للمكتبة العربية، وأهمية ما قدّمه أنه نقل إلى العربية هذه الأنثولوجيا من لغتها الأم البولندية إلى لغتنا الأم أيضاً، بترجمة حرفية محبّة للشعر الإنساني في كل مكان وزمان.
بمناسبة حلول الشارقة ضيف شرف في معرض وارسو الدولي للكتاب، أقدّم بدوري مُلخّصاً عن المقدمة الوافية الكافية التي وضعها هاتف جنابي لهذا الكتاب التوثيقي بالفعل، لشعر أوروبي بولندي نتعرّف إليه ربما للمرة الأولى، أو على الأقل أتعرّف إليه أنا للمرة الأولى، وبهذا الشغف والتجوال بين شاعر وآخر، مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا الكتاب المهم الذي نعود إليه الآن ونحن في قلب احتفاء بولندا بالثقافة الإماراتية، قد صدر في طبعته الأولى 2021 عن دار المدى.
يخبرنا هاتف جنابي أن اللغة البولندية لغة هندو- أوروبية، لكنها من عائلة اللغات السلافية، وهي تعتبر من اللغات الأوروبية الصعبة، كما يقول الشاعر المترجم، ونعرف أيضاً أن يان كوهانوفسكي هو شاعر بولندا الأول بلا منازع في عصر النهضة، أما أوّل رواية بولندية بعد «دون كيخوته» بحوالي مئتي عام، فكانت رواية بعنوان «حالات» في العام 1776، وكتبها الشاعر إغناتسي كراشيتسكي (1735-1801).
يشير هاتف جنابي إلى الأثر العربي في الشعر البولندي، الصحراء مثلاً، والفروسية العربية، ويتحدث جنابي عن شاعرة بولندية هي ماريا كونونييتسكا 1842- 1910، ويقول إنها كانت معزولة محتقرة من قبل محيطها، فأحرقت ملابسها النسائية وارتدت ملابس الرجال، وعاشت تحت اسم مذكّر، لتصبح ملهمة للكثير من الشعراء البولنديين.
شهدت بولندا نشوء ظواهر ثقافية وسياسية مثل «بولندا الفتية» (1890-1918)، وظهور ما يسمى الشعر الأبيض، وشعر العبيد، وظهور مجلّات أدبية مهمة مثل مجلة «بروليون» التي ظهرت في أواخر الثمانينات، وغداً أتابع هذه الأنثروبولوجيا، ولكن من خلال الشعر الذي ينطق بلسان أي إنسان جميل في هذا العالم، وهو لسان اللغة التي تظهر عبقريتها اليوم في الشارقة، وفي وارسو.
