القطبية.. والحرب الباردة

00:15 صباحا
قراءة 3 دقائق

كريستوفر موت *

منذ الفشل الدراماتيكي لحرب العراق في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كتب الكثير من المقالات حول مسار السياسة الخارجية الأمريكية المتبعة مستقبلاً. وعندما تبين أن الهيمنة العالمية الكاملة باستمرار هي نهج عالي التكلفة ومنخفض المكافآت، بدأ صانعو السياسة في الولايات المتحدة، مناقشات حول نوع الاستراتيجية العالمية التي ينبغي أن تحل محل حطام «الحرب على الإرهاب».

ومن إحدى الوسائل الخطابية الأكثر شيوعاً التي يستخدمها صناع السياسة الأمريكية لتوجيه السرد هي «حرب باردة جديدة». ولكن سواء كان صناع السياسة يتحدثون عن منافسة ثنائية القطب جديدة أو عن ضرورة السيطرة على جميع مناطق العالم من أجل أمن نظام عالمي ليبرالي، كما تفعل وزيرة الدفاع المستقبلية المحتملة ميشيل فلورنوي، فمن الواضح أن عصر التوسع الأمريكي تحت ستار الاستثنائية يجب أن ينتهي باعتباره عفا عليه الزمن.

وإن أي محاولات لإحياء القطبية الأحادية للولايات المتحدة، سواء كان ذلك من خلال خطاب الحرب الباردة أو أي استراتيجية بديلة أخرى، يعني ضمنياً أن كلاً من روسيا والصين وحلفائهما الصغار محاصرون بقوة في معسكر الأعداء الدائمين. وربما ستكون بكين الهدف الأساسي على الأرجح لأي سياسة من هذا القبيل. وتكمن مشكلة هذا النهج في أن الصين في القرن الحادي والعشرين لا تشبه بشيء الاتحاد السوفييتي. وبينما تقدم بكين نفسها كنموذج بديل للولايات المتحدة، فإنها لا تشارك بجدية في تصدير قيمها أو أيديولوجيتها إلى جميع أنحاء العالم. وبدلاً من ذلك، فهي تتبع نموذجاً للاختلاف المستقل والقومي مقارنة بإجماع ما بعد الحرب الباردة- وهو أمر لا يحمل أي مشروع عالمي مشترك بغض النظر عن عدد الدول التي قد تقرر القيام بشيء مماثل.

إن التنافس على النفوذ في العالم النامي هو الآن بين دول عدة، ويقوم على التجارة والموارد والمساعدات التنموية. ولكي تظل الولايات المتحدة قادرة على المنافسة في مثل هذه البيئة متعددة الأقطاب، من الأفضل لها التخلي عن ادعاءات القيم العالمية والتحرك نحو المرونة والتمسك بسيادة القوى الأصغر التي تشعر بالتهديد من قبل المنافسين الأكبر. ويمكن القيام بذلك بتكلفة أقل بكثير من استراتيجيات الهيمنة الحالية بالنظر إلى المزايا الجغرافية للقوة البحرية الأمريكية وبعدها عن مناطق الصراع الرئيسية المحتملة للقوى المتنافسة.

وإذا احتفظت الولايات المتحدة ببساطة بديناميتها الاقتصادية وعملت كضامن للتجارة الدولية، فإنها تصبح أكثر من شريك محتمل يتم استمالة أعضائه، بدلاً من كونها تهديداً محتملاً للدول غير المتحالفة معها بشكل مباشر.

إن استمرار الاستراتيجيات الجيوسياسية التي اعتبرت «طبيعية» في واشنطن على مدى العقدين الماضيين، كما قد يحدث في إدارة بايدن، من شأنه أن يجمد الخيارات الدبلوماسية التي كانت ستتاح للولايات المتحدة، فضلاً عن أنه يجب عليها أيضاً أن تأخذ في الاعتبار أن تبني إطاراً من العداء الدائم مع بكين أو موسكو قد يجعل هذه الجهود الدبلوماسية أكثر صعوبة.

إن النهج الأمريكي الذي يعطي الأولوية للمرونة على تقسيم العالم إلى معسكرات أيديولوجية لن يضطرها إلى اتخاذ قرارات في السياسة الخارجية وفق ثنائية مطلقة «معنا أو ضدنا»، وستكون هذه المرونة مكسباً صافياً للولايات المتحدة بالنظر إلى جغرافيتها المتأصلة.. من ناحية أخرى، إذا أصر صانعو السياسة في واشنطن على مواصلة السعي إلى الهيمنة على العالم، أو حتى مجرد إعادة إطلاق الحرب الباردة في سياق جديد، فإنهم يخاطرون بتبديد هذه الأصول الحيوية في العالم متعدد الأقطاب القادم. فأن تكون الأول بين كثيرين خير من أن تكون قوة مهيمنة غير مرغوب فيها.

* محلل للسياسة الخارجية وباحث في أولويات الدفاع وفي العلاقات الدولية من جامعة سانت أندروز

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

محلل للسياسة الخارجية وباحث في أولويات الدفاع وفي العلاقات الدولية من جامعة سانت أندروز

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yy83g9vx