عادي

المكتبـة تحـرر بورخيس مـن العمـى

00:01 صباحا
قراءة 3 دقائق
1

القاهرة: «الخليج»

يقدم عيسى مخلوف ترجمة لمختارات شعرية من بورخيس، عن مؤسسة بتانة للثقافة والنشر، بعنوان «الأحلام المشرقية.. بورخيس في متاهات ألف ليلة وليلة»، ويتوقف أمام قراءات بورخيس في بداياته الأدبية، إذ بدأ في سن مبكرة قراءة ألف ليلة وليلة، ودون كيخوته لثرفانتس، ومؤلفات ديكنز، وستيفنسن، وكيبلنج ،وإدجار ألن بو، التي كانت تضمها مكتبة والده، حيث وصفها بأنها الأثر الأهم في حياته، معتبراً أن ذكريات طفولته هي ذكريات الكتب التي قرأها.

من هنا تطلع بورخيس إلى مكتبة كونية عالمية متخيلة، في قصته «مكتبة بابل»، حيث يصف مكتبة لا نهائية، مثل «ألف ليلة وليلة»، وفي «كتاب الرمل» يتخيل كتاباً لا تحصى صفحاته، ويحتوي على الكتب كلها، وهذا ما يؤكد اعتقاده بأن الأدباء في معظمهم لا يكتبون إلا الكتاب ذاته، وكل جيل في رأيه يعيد كتابة ما سطرته الأجيال السابقة، مع إجراء تعديلات طفيفة.

وعندما قرأ في الكتب القديمة قصة إحراق مكتبة الإسكندرية، لم يكترث لهذه الحادثة، بل كتب قصيدة من وحيها وأهداها إلى حارق المكتبة، لاعتباره أن المكتبة إذا أحرقت وتحولت إلى رماد، سيأتي زمن آخر يعاد تأليفها من جديد، ولا شيء يضيع، حيث إن «النتاجات كلها هي نتاج كاتب واحد مجهول الهوية وغير مقيد بزمن».

لغز معقد

ضمن هذا الأفق ينظر بورخيس إلى نفسه، فهو يعتبر العالم لغزاً، وجمال العالم الوحيد أن اللغز غير قابل للحل، وانطلاقاً من هذا التصور يكتب جاعلاً الكتابة حقلاً من الألغاز، ففي قصة «اللقاء» يتحدث عن جريمة قتل ليفصح عن فكرة مفادها أن البشر أداة في يد السكين لا العكس، وهكذا يغذي الغموض في العلاقة بين الواقع والخيال، ورموزه المكتبات، والمتاهات، والنمور، والمرايا.

يقول بورخيس: «لم تكن هناك لحظة حاسمة ومحددة، حل ذلك مثل غسق صيفي بطيء، كنت مديراً للمكتبة الوطنية، وبدأت أجد نفسي شيئاً فشيئاً، محاطاً بكتب بلا أحرف، ثم فقد أصدقائي وجوههم، ثم لاحظت أن لا أحد في المرآة»، المكتبة التي عمل فيها بورخيس كانت تحتوي على 900 ألف كتاب بلغات مختلفة، وحين غابت أغلفتها وعناوينها عن عينيه كتب قصيدة «الهبات».

علاقة بورخيس بالكتاب علاقة طقسية، لقد ظل يتوهم طوال حياته أنه ليس أعمى، يشتري كتباً، ويملأ بها داره، ويصرح بأن الكتاب أحد أسباب السعادة الممكنة، فهو يعتبر أن الكتاب، قياساً إلى ما ابتكره الإنسان، هو أكثر ما يثير ويدهش، لأن الوسائل والأدوات الأخرى امتداد لجسده.

ويرى بورخيس أن مهمة الكتاب ليست في الكشف عن الأشياء، بل في المساعدة على اكتشافها، هناك كتب لم تكتب لكي تفهم، بل لكي تفسر، ولتحرّض القارئ على تتبع فكرة واحدة محددة، لم تكن للعصور القديمة تلك العلاقة الطقسية بالكتب، والتي عرفها العالم في وقت لاحق، وإن كان الإسكندر الأكبر يضع تحت وسادته سلاحين: الإلياذة، والسيف، ولم يكن ينظر إلى الإلياذة والأوديسة بوصفهما نتاجين مقدسين، كانا مجرد كتابين يستحقان التقدير، ومهاجمتهما كانت ممكنة.

زمن لا نهائي

ينظر بورخيس إلى الكتابة والقراءة بوصفهما توأماً، والقراءة تمنحه قدرا أكبر من السعادة، وهناك، وفق تعبيره، لذة أقوى من القراءة، تتمثل في إعادة القراءة، أي في «الغوص أبعد ما يمكن في كتاب كنت قرأته»، يضيف: «إذا شعرت بالضجر وأنت تقرأ كتاباً ما، فلا تتردد في أن تضعه جانباً، لأنه لا يكون كتب لك»، كما أن زمن العطاء ليس الزمن الذي تنتهي معه الكتابة، بل هو زمن القراءة اللانهائي، كل كتاب يولد ثانية إثر كل قراءة جديدة، والتاريخ الأدبي ليس تاريخ طرائق الكتابة، وأغراضها، بقدر ما هو تاريخ طرائق القراءة ومنطقها، من هذا المنظور تختلف الآداب باختلاف الطريقة التي تقرأ بها، أكثر من اختلاف النتاجات ذاتها.

ويقول بورخيس في كتابه «تاريخ العار الكوني»: «القراءة امتداد للكتابة، إنها مهمة أكثر ثقافة»، هذه المقولة تناولها عدد من النقاد الفرنسيين خصوصاً جيرار جينت الذي نشر في سنة 1964 بحثاً نقدياً بعنوان «الأدب كما يراه بورخيس» وجاء فيه: «زمن النتاج الأدبي ليس زمن الكتابة المحدد، بل هو زمن القراءة والذاكرة غير المحدد، الكتاب ليس رؤية يجب أن نتقبلها كما هي، بل احتياط أشكال تنتظر معناها».

وفي نص عنوانه «فعل الكتاب» يروي بورخيس قصة كتاب كتب باللغة العربية، وقد حصل عليه أحد الجنود في طليطلة، أبقاه معه ولم يقرأه، لكنه حقق ما حلم به الكاتب، حققه واستمر في تحقيقه لأن المغامرة أضحت جزءاً من ذاكرة الشعوب، وتجد هذه الكلمات تفسيراً لها في محاضرة لبورخيس عن «ألف ليلة وليلة» يقول فيها: «شاسع وفسيح هذا الكتاب إنه يؤلف جزءاً من ذاكرتنا».

قيَم هذا المقال
4

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y572spp8