كانت الصحافة العربية في الخمسينات والستينات صحافة إطلاق الألقاب والصفات والأسماء على الفنانين، وكان المحرر الفني الذي يمتلك ثقافة سينمائية وموسيقية ومسرحية عامّة أو في حدود مرموقة يمتلك ما يشبه الامتياز في إطلاق لقب فني على مطرب أو موسيقي أو ممثل؛.. أم كلثوم أصبحت كوكب الشرق، وعبدالحليم حافظ العندليب الأسمر، ووديع الصافي صوت الجبل، وفيروز سفيرتنا إلى النجوم، أما محمد عبدالمطلب صاحب أغنية «ساكن في حيّ السيدة وحبيبي ساكن في الحسين»، فقد أطلقت عليه الصحافة المصرية الفنية لقب صوت الحارة المصرية، ولهذا المغني صاحب الصوت القراري المكين كل شروط تحويله من مطرب شعبي إلى بطل رواية، فهو الفتى الفلّاح الذي كان يغني في حقول الذرة والقطن، وهو الفتى الذي حفظ القرآن الكريم، وكان يؤذن لصلاة الفجر لكي تستقيم حباله الصوتية كما جاء في سيرته، وكان جمال عبدالناصر يحبّه ويطرب لأغانيه، وبخاصة أغنية حيّ السيدة زينب التي اشترى كلماتها بمبلغ من المال من أحد أصدقائه كتّاب الأغنية، لكن الطريف في قصة أغنية السيدة زينب ما جاء في «اليوم السابع 20 مايو 2017»، ففي صيف عام 1962 التقى عبدالحليم حافظ بمحمد عبدالمطلب في إحدى الحفلات الفنية في مدينة الزقازيق، وفي اللقاء الذي وثّقته الصحافة الفنية المصرية في أوائل ستينات القرن العشرين بدا عبدالحليم وعبدالمطلب غارقين في ضحك متبادل فقد قال له العندليب: «..إزاي تروح لحبيبك مرّتين في اليوم وانت ساكن في حيّ السيدة وحبيبك في الحسين.. مشوار كبير عليك يا طلب.. هي كفاية مرة واحدة».
كلمات هذه الأغنية بسيطة وعادية إن لم تكن أقل من عادية بالنسبة للكثير من شعراء الأغاني في ذلك الزمن القاهري الجميل، ولكن صوت عبدالمطلب الذي يبدو كأنه مقدود من حنجرة جبلية «رخامية» إضافة إلى لحنها الشعبي «السهل الممتنع»، «..ألحان: محمد فوزي، وكلمات: زين العابدين عبدالله»، جعل هذه الكلمات قابلة للحياة حتى اليوم وربما مقبولة لمستويات مزاجية متعددة.
في قصة محمد عبدالمطلب التي يبدو أنها لم تُكتب وأيضاً لم تكن حياته مادة سينمائية أو درامية على كل ما فيها من ثراء روائي..
..في هذه القصة «العاطفية» الجميلة تظهر شخصية جمال عبدالناصر الذي تقول سيرته إنه كان معجباً أيضاً بصوت عفاف راضي، ووجّه الإذاعة والتلفزيون في مصر بالاهتمام بها «لعلّها تكون فيروز مصر»، ولكنها بقيت عفاف راضي بكل عبقرية صوتها الأوبرالي الملائكي، وبكل منطقها الموسيقي العصيّ على التقليد والمُشْبِع للرّوح وللقلب: «تساهيل والرزق على الله»، «ردّوا السلام»، «كله في المواني»، «عوج الطاقية» وغيرها من قطع ذهبية ناعمة، ومع ذلك، ليس لعفاف راضي من لقب أو وصف أو اسم غير: «عفاف راضي».
[email protected]